منذ ما سرد جلجامش أسطورة البحرين واحنا بالجود ويا الكرم والعز معروفين

عندما أكتب عن البحرين أكتب عن سيرتي ومعها قصص لا تخلو من أحداث تاريخية مهمة وجميلة. سأكتب عن أيام الطفولة والحس العروبي الذي كان ينعش أجواء البحرين في السبعينيات ويطيّب هواءها نتيجة الإستقلال.

ما زالت ذاكرتي تتذكر مشهد عربات الجيش البريطاني التي كانت تجوب شوارع العاصمة.   كيف لي أن أنسى الريش الحمراء على قبعات جند الإنكليز وشواربهم المائلة إلى الشقار. ألوان لم تألفها عيناي عند رؤيتي لرجال عربنا من أهل البحرين والسعودية. لا أنسى محاولة العسكر البريطاني في أواخر شهور تواجدهم في مملكة البحرين بكسب ود قلوب الأطفال كآخر ذكريات لتواجدهم قبل رحيلهم النهائي. فمن حين لآخر تتوقف عرباتهم ليخرج منها جنودهم ليتوددوا ويتحدثون مع الأطفال ولإعطائنا الحلوى على الرغم من أننا حينها لم نعرف من الإنكليزية غير هللو و نو و يس.

رحل الإنكليز في ١٥ أغسطس من عام ١٩٧١. واجتمع العرب مع الأسرة الطيبة الحكيمة من آل خليفة واتفقوا على دمج فرحتين في يوم واحد ليكون يوم ١٦ ديسمبر عيد أعياد أهل البحرين. ففي هذا اليوم نحتفل بعيدين، عيد رحيل عسكر الإنكليز (وليس الإنكليز فبيننا وبينهم علاقات جيدة وقديمة وما زلنا نحافظ عليها)، وعيد اعتلاء حاكم البحرين المحبوب عيسى بن سلمان الخليفة، رحمه الله تعالى، كرسي الحكم (١٩٦١-١٩٩٩.

الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة الذي إستقلت المملكة أبان حكمه رحمه الله تعالى

لحداثة سني لم أكن أعلم أن البحرين استقلت فوعيي السياسي لم يفطن حينها لمثل هذه الأمور، لكنه فطن إلى تلك النشوة التي كانت تحركني أيضا وإن كنت طفلا. فذاكرتي رصدت تغير من نوع آخر في الشارع البحريني تغير طرأ مباشرة بعد رحيل الإنكليز. فذاكرتي خزّنت ما رأته من أحاسيس العزة والافتخار بين العرب التي إنعكست على سلوكياتهم العامة نتيجة إستقلالهم. كما أن ذاكرتي لمحت عودة انتشار لبس الثوب العربي وغطاء الرأس (الغترة) والعقال الأسود بين البحرينيين. ولكن أهم من كل ذلك هو ما جسده عرب البحرين من مشاعر العزة والنخوة بالاستقلال وعودة السيادة كاملة الى شيوخهم من خلال أشعارهم. فقرحت إكنّة أبناء الضاد بقصائد أمسكت على وجدان البحرين الجمعي الفياضة في كلمات موزونة أرّخت لتلك المشاعر المباركة.
من الشعراء الذين أرخت قصائدهم ودونت لهذه المشاعر العروبية هو الشيخ عيسى بن راشد الخليفة.
وأعني تحديدا قصيدة ” من خلقت الدنيا “

من خلقت الدنيا واحنا هل البحرين
بالجود ويا الكرم والعز معروفين
احنا اللي في أرضنا كل الحلا والزين
واحنا اللي في بحرنا دانات منثورين
يمضي العمر عندنا ما تذكره السنين
بالجود ويا الكرم والعز معروفين
احنا القمر لي ظهر وقف ينادينا
حتى القمر عندنا يحب غناوينا
والعود ما قط سكت يحيى ليالينا
بالجود ويا الكرم والعز معروفين

لا توجد قصيدة استطاعت أن تجسد كلماتها مشاعر نشوة الاستقلال والفرحة الجارفة بين عوائل البحرين بالاستقلال مثل هذه القصيدة. رصدت هذه القصيدة ما كانت عليه أيام السبعينيات. رصدت الأمال والطموح ورغبتنا العارمة بالبناء من خلال الاعتماد على سواعد الأبناء ومن خلال إدارة عقول الأبناء.

في تلك الفترة كان مغني بحريني رائع يبرز بشكل تدريجي الى السطح المحلي والعربي وأقصد تحديدا المغني البحريني الرائع والمتميز أحمد الجميري. فهذا هو المغني يعبر بكلماته الشخصية عن بلوغه خبر تَقَصَّدْ الشيخ عيسى بقصيدته ” من خلقت الدنيا ” في أحد اللقاءات الصحفية قائلا : انا احساسي عاطفي جداً لذلك حتى الاغاني الوطنية التي غنيتها عن البحرين هي اغاني عاطفية مثل من خلقت الدنيا واحنا هل البحرين ، تلاقي فيها الحماس، تلاقي فيها الهدوء فيها العاطفة والحنان.
رابط الأغنية (https://www.youtube.com/watch?v=otWhEHWoQGc)

والأغنية المهمة الأخرى قصيدة ” يا الزينه ذكريني”. وهي أيضا قصيدة للشاعر عيسى بن راشد ومن غناء أحمد الجميري. أجادت هذه القصيدة في الحديث نيابة عن مشاعر ذلك البحريني المتواجد في كل الأماكن يعمل بكد طالبا الرزق الحلال. ولكن كدح البحريني في هذه الحياة لا يكون أبدا سببا ينسيه أجمل شيء في وجوده الوطني “البحرين”. نجح الشاعر في جعل “الزينة” الإسم الرمزي للمعشوقة الكبرى البحرين. ” يا الزينه ذكريني” قصيدة رفعت همة الذين شاهدتهم من الرجال الكادحين في كل مكان من أن يرددوا بحماس مع أحمد الجميري عند سماعهم له وهو يغنيها.
شعرت حينها بحجم أحاسيس العرب  المكتنزة لقيم الحب والوفاء للوطن. ففي هذه القصيدة الوطن هو الحب والعشق والهمّة والعمل والبناء.

يا الزينه ذكريني
يا الزينة ذكريني لي غيبتني بحور
وبشوق ناديني يمكن الدنيا اتدور
وآرد ويا الصيف ولا الشتا لي رد
ولا مع الأشواق وقت الربيع والورد
وأنا بعيد بعيد ما عندي غير الآه
حملت نجم السما شوقي لكم وياه
وصيت طير الفلا ولا حمل لوصاه
حملت موج البحرسلامي ما وداه

بارد ويا الصيف ولا الشتا لي رد
ولا مع الأشواق وقت الربيع والورد
حلفت يا الزينة ما فارق البحرين
في قلبي مزروعة ومحفوظة وسط العين
اشتاق اشم العود واوله على الطيبين
والحنا لي خطوه وساود على الكفين

بارد ويا الصيف ولا الشتا لي رد
والا مع الأشواق وقت الربيع والورد

رابط الأغنية (https://www.youtube.com/watch?v=OnvOQ7bZuLo)

والأغنية الثالثة التي رصدت مشاعر الاستقلال والفرحة هي قصيدة ” خضر نشلج” للشاعر المتميز عبدالرحمن رفيع رحمه الله تعالى ت. ٢٠١٥.

خضر نشلج على عودج تزينينه ولا يزينج
وأحب هالورد الدايم ربيع أحمر على خدودج
وأحب السحر الفتان ينبع نور من عيونج
وأحب الحنة لين ينبان ويبرق فوق ظفر ريلج
وتقولين يا بعد جبدي وأقول لج يا نظر عيني
أعرفج زين أعرفج
من المحرق وصيف العين بحريني.

والتي غناها المغني القدير والرائع أحمد الجميري

رابط الأغنية (https://www.youtube.com/watch?v=QD5Fh_VK9KY)

إن هؤلاء الرجال وهذه القصائد وهذه الأصوات وهذه الأغاني تاريخ يجب أن يعود إليه ليس فقط البحرينيون بل كل العرب. تاريخ رصد مشاعر الاستقلال لجماهير مخلصة. ذكريات السبعينيات ليست فقط تاريخ صبانا بل تاريخ تكويننا، تاريخ هويتنا، وحسّنا الانتمائي إلى هذه المملكة الجميلة.

إنه تاريخ التحام أبناء العرب مع أبناء آل خليفة في مشوار واحد، في قارب واحد، في بلد واحد، لا لشيء سوى الحب  والمحبة والأمل والعمل لبناء شيء جميل اسمه “البحرين”.

فمنذ ما سرد جلجامش، ملك أورك أسطورة البحرين واحنا بالجود ويا الكرم والعز معروفين.

د. محمد الزّكري
أنثروبولوجي بحريني
يقيم في ألمانيا

الاحتفال بالكريسمس بدعة أم مكرمة حسنة —الفتوحات الألمانية

د. محمد الزّكري

لا يكاد يدخل علينا ديسمبر وإلا نجدنا في خضم حقل جدالي حول الكريسمس يفرزنا بفعل مشاداته إلى جماعتين غير متصالحتين. عند أحد الجماعتين يتلبد خطاب يقيم حجته على أن المشاركة بالكريسمس يعكس بعد حضاري ومدني، وعند الطرف الآخر يتكثف خطاب آخر يقول أن الاحتفال بمولد النبي عيسى (صلى الله عليه وعلى والدته وسلم تسليما كثيرا) بدعة دينية محرمة.
لا أنكركم الحديث إني كنت أحد الواقعين تحت تأثير هذه التجاذبات. كانت سجيتي المتسامحة تدفعني إلى تقبل ثقافات الآخر وكانت ثقافتي المتخشية من السقوط في وحل البدعة تنصحني بعدم خوض غمار المعصية.
إنقسام فكري يخوضه أغلب المهاجرين في ألمانيا.




قمت بتجميع مقالات من يعتبر الاحتفال بمولد النبي عيسى (صلى الله عليه وعلى والدته وسلم تسليما كثيرا) بدعة دينية محرمة لمناقشة كل مقالة على حِدَةٍ،

المقالة الأولى: أن الكريسمس عمل لم يهتدي إليه الرسول ص، وهو خير البشر، فإذا فعلناه نحن ففيه شبهة الإدعاء  (بشكل غير مباشر) إننا أهدى منه ص بإتيان عمل خير لم يفعله.  

كلنا يعلم أن المنتجات الدينية تصنف كمنتجة سيئة وتسمى بدعة أو تصنف كمنتجة جيدة وتسمى حسنة. فلقد أنتج الصحابة في الدين أفعال لم يمارسها الرسول ص فأثنى الرسول ص عليهم. فمثلا كان أحد الصحابة عندما يؤم الناس في الصلاة كان يختم في كل ركعة بسورة الاخلاص. وهذا ما لم يكن يفعله الرسول ص.

فقد ورد في بخاري ومسلم قصة هذا الصحابي الذي سن سنة حسنة في حياة النبي ص
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ لا يَقْرَأُ بِأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ ـ تَعْنِي يَخْتِمُ ـ إِلاَّ بقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّهُ.

 وهناك صحابي آخر أنتج أدعية في الصلاة بصيغ لم يتلوها الرسول ص ومع هذا أثنى الرسول ص. عليه

كما جاء عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِىِّ قَالَ:
كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ. رواه البخاري.

الذي فهمته من الحادثتين الآنفتين أن الرسول ص واسع الفهم بالطبع البشري وكان يعلم بالحتمية البشرية من لابديـّة إنتاج السنن الحسنة فكان ص ينتظر من أصحابه إتيان ما لم يأتي به ليدربهم على إنتاج السنن الحسنة. ولم يفهم الرسول ص ولا الصحابة عندما أنتج بعض الصحابة منتجات حسنة بأن الصحابة كانوا بفعلهم هذا يدعون بأنهم أعلم أو أخير من الرسول ص.

المقالة الثانية: كل منتج ديني بعد الرسول ص بدعة .

مقالة تتجاهل استمرار سنة إنتاج المنتجات الحسنة في الدين. فلا يجوز تعطيل الانتاج الحسن بحجة أن كل محدثة بدعة فهناك تصنيف آخر وهو إنتاج السنن الحسنة ولابد من استمرارها. فهاجس الخوف من إنتاج بدعة يجب ألا يكون على حساب إنتاج السنن الحسنة وإلا فإنه تورع يعطل حديث آخر وفي هذا خطأ .  ولقد أنتج الصحابة بعد رحيل النبي العظيم ص عدة منتجات دينية حسنة منها اختراع السنة الهجرية ومنها اختراع تنظيم صلاة التراويح في كل ليال رمضان وهذه من المنتجات الحسان.

“من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا، ” خرجه مسلم في صححيه.

المقالة الثالثة: منها أنه لا يعرف أحد على وجه الدقة يوم مولد عيسى ص. فأهل الإنجيل لا يتفقون عليه.

هذه المقالة يدحضها فعل الرسول ص. فبعد هجرته المباركة إلى المدينة، لاحظ الرسول ص أن اليهود يمارسون احتفال ديني يتعلق بنجاة موسى ص وجماعته في عبورهم البحر بسلام هربا من اضطهاد فرعون مصر. حينها أقبل الرسول ص بسن سنة حسنة تحوم حول مشاركة شريك الأرض (من يهود ونصارى) أفراحهم ومناسباتهم الدينية والثقافية. 


الذي يعنينا هنا هو أن الرسول ص لم يطالب اليهود بإقامة الدليل على أن اليوم الذي اختاروه اعتباطا هو فعلا يصادف اليوم الذي عبر فيه موسى ص البحر. بمعنى آخر شارك الرسول ص وأصحابه في يوم احتفالات اليهود كما اتفق اليهود أنفسهم على ذلك اليوم دون منازعتهم. 

المقالة الرابعة: تحديد يوم معين للتعبير عن حب عيسى وأمه ص عليهما تحجير على واسع بل يجب حبه كل لحظة ودقيقة.

لقد وقت الله الخبير واللطيف بالإنسان كل عباداته في أوقات وأزمنة خاصة وهذا لأن سجية الإنسان تنتظم في إطار زمني. ولم أسمع أن أحدا اعترض على فكرة التعبد في إطار زمني معين بأنه خطأ إلا في إطار أراء شاذة تفتقر إلى سند عقلي ونقلي.

الرسول ص لم يقل لليهود إن حب موسى ص ورفاقه في قلبي (بالرغم من أنه كذلك)، ولن أخصص يوما معينا للاحتفال بنجاته، بل إني سأحتفل بنجاته كل لحظة وثانية (وهذا ما يفعله) وأن ما تفعلونه بتخصيص يوم لذلك بدعة وهذا مالم يفعله.

والذي فعله الرسول ص أن قبل ما تفق عليه القوم من أتباع الديانات الأخرى وشاركهم تخصيص يوم معين للإحتفال دون أن يكون التخصيص إلغاء لمحبته في بقية أيام السنة.
عليه  فأن تخصيص يوم لإحياء ذكرى مناسبة جميلة من مثل نجاة موسى من فرعون أمر جميل جدا.

المقالة الخامسة: فعل جميل يصاحبه أفعال سيئة

ما يصاحب أي احتفال من مثل عيدين الفطر والحج من أعمال غير لائقة عند أهل التقى لا يعني إلغاء الفرحة بالعيدين. هذا أمر لم يقل به أحد من الأولين ولا من الآخرين. وعلينا التذكر أن: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (من خير أو شر) رَهِينَةٌ.  

الكريسمس من مكارم الأخلاق

فكرة الإحتفال بمولد النبي عيسى ص فكرة جميلة. بل هي من مكارم الأخلاق. فميلاد كل المصلحين من أنبياء وغيرهم يوم سعدت به الأرض ومن عليها من بشرية. وعلى كل محبي الخير للبشرية التشبث بشتى الإحيائيات وتجنب الأخطاء والإساءات.

فسلامي على عيسى وأمه وعلى جميع الأنبياء والصالحين والصالحات وسلم تسليما كثيرا وكل كريسمس والحب والمحبين في خير وسلام وصحة وعافية

د. محمد الزّكري
أنثروبولوجي بحريني
يقيم في ألمانيا

ملاحظة: الفتوحات الألمانية إقتباس من كتاب ابن عربي الفتوحات المكية.

متصوفة برلين أذرعة حاضنة للتنوع الألماني

د. محمد الزّكري

قبل تسعة أعوام، في بداية مرحلة تواجدي في ألمانيا، اشتاقت أذناي إلى سماع حديث العرب ومجالستهم. فخطر ببالي أن أبحث بواسطة محرك البحث غوغل عن متصوفة في برلين. عثرت على ثلاثة عناوين. ثم ذهبت مع صديقي الألماني الذي تتطوع بالقيادة من مدينة كوتبس إلى برلين. قادتنا الأقدار إلى المكان الأول على قائمتي والذي اسمه Sufi Zentrum Berlin (صوفي سنترم برلين). كان المكان عبارة عن تجمع في شقة أرضية، وبعد قرعنا باب الشقة فتح الباب شباب رحبوا بنا كأنما يعرفوننا منذ زمن بعيد.
بعد خلعي لجزمتي وتعليقي لردائي دخلت وجلست بين القوم فإذا بهم خليط ويدير اللقاء ألمان من أصول تركية. وعملا بقاعدة “يا غريب كن أديب” ألتزمت بالصمت وشرعت باستراق البصر هنا وهناك لمعرفة المحيط.
لفت انتباهي وجود بروفسور ألماني من الجامعة المفتوحة برلين وهو مدرس لعلم اللاهوت والمسيحة مع بعض من تلامذته يخوضون أسئلة عميقة عن التصوف مع عميد الجلسة الشيخ أشرف أفندي الألماني من خلفية تركية. كان الحديث يدور حول مقاصد الإسلام التعايشية الكبرى وهل سيكون التصوف الألماني جسر تواصل بين الشرق والغرب خصوصا بعد أحداث الرسومات الدنماركية وانعكاساتها السلبية على المجتمعات الأوروبية؟
كما شد انتباهي وجود ألماني هندوسي يسأل الشيخ أشرف عن تصنيفه كوثني في أعين الشريعة الإسلامية وما إذا كان التصوف الألماني يرحب به؟

كما لمح بصري وجود ملاحدة ألمان قالوا للحضور أنهم هنا فقط للاستماع إلى حلق الذكر والإنشاد الصوفي دون أيما رغبة في اعتناق الدين الإسلامي.

طبعا المكان كان يعج بحضور من الجنسين متزينين بملابس رصينة محتشمة، وكان المكان يعج بالتنوع العرقي من أتراك وألمان وعرب، وكان المكان يعج بالتعدد العقدي من مسيحية وهندوس وملاحدة ومسلمين ومسلمات.

انطلق الشيخ أشرف متحدثا عن وهم فكرة النقاء الثقافي والعرقي الذي ينشر تحت عناوين الأصالة. وقال نحن كمتصوفة نثق بالقرآن الذي يحدثنا عن تعدد الشعوب والمرجعيات العرقية في كل مجتمع. ففي ألمانيا وإن كنا نتحدث اللغة الألمانية ولكنها بلهجات عديدة بعضها شديد اللكنة يصعب فهمه وهناك الصرب الذين يتحدثون بلغتهم وهناك من يتحدث البولندية وآخرون على الحدود البلجيكية/ الفرنسية من يتحدث الفرنسية ومن الألمان من يتحدث الهولندية. كل لكنة تجلب خصوصيتها الثقافية وكل لغة تجلب عاداتها. في المدينة الواحدة تجد مشجعين لأندية رياضية مختلفة وانتماءات لأحزاب سياسية متباينة. كل ذلك تعدد وتنوع.
قال الشيخ أشرف نحن نتحدث عن التعدد الثقافي (Multi Kulturen) وقال إننا نسمع من الساسة الإسهاب في استخدام هذ المصطلح. ولكن هذه الكلمة تشير فقط إلى حقيقة تقع في كل المجتمعات وهي حقيقة يعرفها كل متصوف. بل أن المتصوفة يقولون بأن كل إنسان ثقافة قائمة بذاتها من خلال اعترافهم بأن لكل إنسان سعة فهمية خاصة به فالمتصوفة يرددون هذه الفكرة من خلال قولهم “الطرق الى الله بعدد أنفاس الخلائق”.

اعترافنا بالتعدد لا يكفي فلابد من العبور لا بد من خوضنا بعض من تجارب التعارف على هذا التنوع. لا يكفي أن أعلم أن جاري له ثقافة تختلف عن ثقافتي. لا يجوز أن أتجاهل جهلي بثقافة جاري وبعجز قدرتي على الاتصال والتواصل معه فهذا يعيق سبل الحياة.
لابد من العبور إلى جاري لكي أتعرف عليه. ولكن التنوع الثقافي يجلب معه صدمة الاختلاف، صدمة التباين مع بديهياتي ومسلماتي التي ألفتها في ثقافتي الخاصة بي. لذلك نحن المتصوفة نجهز أنفسنا إلى أهم حقيقة قبل العبور إلى الثقافات وهي أنه يجب علي أن أقدم العذر عند اختلافي معه واختلافه معي في فهم الأشياء والأمور. لذلك يقول المتصوفة دائما “قدم بضع وسبعون عذرا لأخيك الإنسان”. فبنشر المتصوفة ثقافة “تقديم العذر” بينهم يكونون جاهزين لتحمل التباين الثقافي وصدمة اختلاف مرجعياته.

قال الشيخ أشرف نحن كمتصوفة جاهزون للعبور إلى كل التنوع الألماني ومستعدون للاستماع إلى كل ما يلوق لنا وما لا يلوق لنا ومستعدون للتعايش. القول بأننا متتعددون يعني أننا أوصال ثقافية وهذا لا يكفي وليس بحل بل هو لا يعدو كونه تشخيص للحقيقة البشرية. نحن كمتصوفة نقول إننا نذهب إلى الحل من خلال إقامة جسور. وبل نخرج من ثكنات ثقافتنا الي الإقامة فوق الجسور لنلتقي هناك مع أتباع الثقافات الألمانية. ثقافتنا التصوفية خاصة بالمتصوفة ولا نفرضها على أحد. من يحب أن يتعلمها برغبة منه نحن نعلمه إياها. إنني أقول إننا نقيم هناك فوق الجسور خارج عن محليتنا الثقافية. نحن فوق الجسور حيث لا نكون سوى أناس يرحبون بلقاء أناس آخرين خرجوا من محلياتهم ليقابلونا فوق الجسور مثل ما خرجنا. بعد ما تتوطد الثقة فوق الجسور وعرفوا الحد الأدنى عنا وعرفنا الحد الأدنى عنهم وإذا أراد الإنسان أن يزورنا في محليتنا الصوفية نرحب به وإذا دعانا إلى زيارة محليته الثقافية فسنزوره بكل رحب وأريحية.

بعد مداخلات من هنا وهناك أنتهى الكلام
وبدأ الشيخ يتمتم بأدعية وانطلق الذكر وتداخلت أصوات النساء والرجال مرددة
“لا إله إلا الله ”
وأصوات الأطفال يركضون ويلعبون وانهمرت من أعين أحدى الجالسات الدموع وانتشت القلوب.
ثم مدت على الأرض سفر بلاستكية ووضع الطعام واشتغل الناس بتناوله
وهنا دفعني فضولي إلى التعرف على الجمع وتقصي المعلومات التي وضعتها بين أياديكم.

د. محمد الزّكري
أنثروبولوجي بحريني
يقيم في ألمانيا

اللحم بين الإعتزال و الإندماج

الفتوحات الألمانية


عندما بدأت الإقامة في أوروبا عملت في كوتبس وهي مدينة ألمانية صغيرة قريبة من العاصمة برلين. في عام 2010 كان عدد العرب لا يتجاوز خمسة أشخاص مع بعض العشرات من الطلبة في جامعة المدينة حيث كنت أدرّس. في هذه الأثناء تعلمنا الذهاب إلى المطاعم والمقاهي الألمانية وتعلمنا طلب ما يناسب مفهومنا للحلال والحرام من قوائم أطعمتها، أي تجنب الخنزير والخمور مع طلب البحريات والمعجنات والخضروات.
بعد عدة سنوات ازداد عدد العرب في المدينة جرآء اللجوء. وسرعان ما افتتح اللاجئون مطاعم شاورما ومحال تموين أغذية عربية ومقاصب صغيرة تبيع لحم ودجاج. بعدها لاحظت أن مع توفر أماكن طعام “الحلال” بدأ العرب بالانسحاب التدريجي من ارتياد المطاعم والمقاهي الألمانية لصالح قصد مطاعم الحلال. شدّ انتباهي ظاهرة إنطلاق مفهوم وافد مع القادمين عن “الحلال”، فكلما ازداد المهاجرين ورواج مفهوم “الحلال” الجديد بيننا تناقصت نسبة اندماجنا مع الألمان بتقلص عدد ترددنا على أماكن مطاعمهم واحتكاكنا معهم.
إلتفت إلى نفسي وما يحصل بي وأصدقائي من تغيرات في سلوكيات التردد على المطاعم في المدينة وبعدها بفترة وجدتني حقا مرتبكا من هذه الظاهرة. ورد على بالي سؤال: كيف لمقصد طعامي أن ينجح في تعطيل مقصد تواصل مجتمعي قرآني. أقصد الترغيب القرآني بالاحتفال بالتنوع البشري العولمي من خلال آلية التعارف كما أخبرنا الله تعالى:”… وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا…” 13 سورة المجادلة.
فكيف يحرم الدين من جهة ذهابنا إلى مطاعم أهل الكتاب ومن جهة يطلب منا الدين التعارف عليهم؟ فالتعارف لا يحصل إلا بالاحتكاك ولا يوجد أفضل من المقاهي والمطاعم للاحتكاك مع الشعوب والقبائل في الكرة الأرضية.
هنا بدأت أشك بوجود خلل ما، ودفعتني حيرتي هذه إلى التناقش مع المهاجرين العرب عن أسباب تحريمهم للحوم الألمانية؟ فوجدتها قائمة على عدة حجج منها:
أنهم أهل كتاب مثلثة، ومنها أنهم تاركين لنصرانيتهم ويهوديتهم ومنها أنهم يصعقون البهيمة قبل نحرها آليا.
لذلك قررت العودة إلى آية الطعام الكريمة:”… وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ…”3 سورة المائدة. بعد فترة من البحث والتقصي عدت إلى أصحابي المهاجرين وقلت لهم إن تاريخ الديانات في جزيرة العرب وما جاورها يخبرنا أن النصارى كانوا مثلثة وقت التنزيل. فقد كانوا أهل صليب حينها وهم أهل صليب في يومنا فلم يختلف شيء. فكيف يمكن أن يكون هذا دافعا لترك طعامهم حيث أنهم مثلثة سابقا ولاحقا؟
الأكثر إثارة أن الله تعالى في آية تحليل طعام الكتابيين لم يقل “أهل الكتاب” بل قال “أوتوا الكتاب”. فلو قال الله لنا “أهل كتاب” لاختلفت الدلالة كثيرا. فمفردة “أهل” تعني أن الكتاب أصبح جزء من حياة ومعاش الكتابي تماما مثل ما أن يكون أهل الرجل (زوجته وأبنائه) جزء من حياته. فعندما يكون المرء من أهل التوراة أو الإنجيل فهذا يعني أنه قرأه وفقهه وعمل به وطبقه. فعند بطلان كونهم أهل كتاب (أي ممارسي محتوياته) فسينقطع الشرط، فعندها يجوز إثارة الشك في حليّة طعامهم. ولكن الله تعالى قال: “أوتوا الكتاب” ولم يقل “أهل الكتاب”. ومعنى أن يقول أحدنا أن فلان أوتي شيء يعني جائه ذلك الشيء ووصل إليه. فوصول كتاب إلي لا يعني البتة إنني قرأته أو اطلعت عليه. فأوتي الكتاب لا تعني سوى أوتي الكتاب. عليه فهذه المفردة لا تفترض أن من وصله الكتاب أن يكون عمل به وطبقه.
إذا تضعف حجة من يعود إلى هذه الآية الكريمة ليقول بالإمتناع عن تناول طعام إلا من عند من يطبق محتوى الكتاب من التوراة أو الإنجيل المباركين.


بخصوص طريقة الذبح اليدوي أو الآلي أو الصعق الكهربائي فهي طرق نحريّة لم تتطرق آية تحليل طعام الكتابيين إليها. فقضية النحر الآلي لا يقع ضمن دآئرة الحلال أو الحرام. بل من تطرق إلى هذا الموضوع هو الرسول ص الذي قال:

“… وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة، ولْيُحِدَّ أحدُكم شفرته، ولْيُرِحْ ذبيحته؛ رواه مسلم.

إذا هناك أمر آخر غير الحلال والحرام هو أمر الذبح الإحساني. هنا يكون السؤال هل الذبح اليدوي أو الآلي ينقص أو ينقض الشرط الإحساني أم لا. فسؤال الإحسان في الذبح ليس سؤال في حلّيته من عدمه. وقرار الإنسان عدم تناول لحم حيوان تعذب في طريقة ذبحه ليس مرتبط في كون لحم ذلك الحيوان حراما بل بكون أن ذلك الحيوان لم يعامل معاملة إحسانية في ذبحه. فنمتنع عن تناول لحمه احتجاجا وتضامنا مع حقوق الذبيحة الإحسانية المنتهكة.
عليه لابد من تحويل السؤال من سؤال فقهي يبت فيه فقهاء إلى سؤال موجه إلى أخصائيين بياطرة وإخصائيين في مجال علم النفس الحيواني ليخبرونا هل الصعقة الكهربائية قبل عملية الذبح الآلي أحسن بالبهيمة أم لا.

بعد ذلك يحسن بنا مراجعة لافتات المطاعم التي تنشر “يوجد لدينا طعام حلال” فوق المطاعم العربية في مدينتنا. فهي جملة غير دقيقة لأنها تتناقض مع القرآن بإيحاء أن اللحم في متاجر الألمان الذين هم من أحفاد الذين “أوتوا الكتاب” ليست بحلال. في حين أن وصف الحقيقة دون زيادة من مثل: “يوجد لدينا لحم نحره مسلمون” أكثر دقة.

ختاما فمقالة “لحمنا حلال ولحمهم حرام” لا تنسجم مع القرآن طعاميا ولا إندماجيا ولا تعارفيا. والذي يجدر بنا بعد كل ما قيل أن يكون معيار الجودة والسعر والمتعة هو المعيار المفضل لاختيار مكان الوجهة الطعامية. هكذا يستوي عندنا الإندماج مع الألمان في مطاعمهم والإندماج مع إخوتنا المهاجرين في مطعامهم وهكذا يرتقي حسنا المجتمعي في المدن الألمانية نحو صيغ تعارفية إكتشافية ممتعة جامعة جامعة غير طاردة.

د. محمد الزّكري
بحريني يعمل في ألمانيا

Danish caricatures as a fiqh catalyst shaping the Sufi/Salafi fiqh based communities 

الرسومات الدنماركية كمحفزة فقهية شكلت الجماعات الفقهية من أتباع الصوفيّة والسلفيّة

A DRAFT

Dr. Muhammad alZekri

The Danish newspaper Jyllands-Postenon 30 Sep. 2005 published 12 caricatures[1]satirizing the Great Prophet of Islam Muhammad (SAWS, d. 632 A.D.). In many Muslim countries, the caricatures were perceived as offensive and led to angry demonstrations in their major cities. The East Arabian society of Bahrain, which is the focus of this study, is one of those societies that was characterized by active public agency towards this issue. This paper attempts to frame religious communities’ debate on Danish caricatures in fiqh (religious reasoning) context. By referring to the Danish caricatures case the paper shall show that both the Sufis as well as the Salafis of East Arabia each had different and distinct fiqh logic yielding different positions. The reader shall note that the Sufis as being grammarian or madhhabiyūn (followers of a madhhab or a school of religious reasoning) are regulated by complex fiqh logic that manifests in their discourse and in their disciplined public behavior. Also, the reader shall observe that the Salafis as being “agrammarian” or la–madhhabiyūn (followers of no-madhhab) are lacking the dense technical fiqh jargons and are flexible to adopt novel fiqh position towards Danish caricatures case.

Methodology

During the years 2005-2006 I was in Bahrain. At that time the Danish caricatures was turning into a cultural calamity. I have observed many debates, conferences and rallying. A few years later, when reflecting upon the event, I realized a deeper fiqh layer which initiated positions-taking and actions-making that brought me back to the field. Seeking some understanding, I made long interviews with number of Sufis and Salafis from Bahrain. Most importantly, I have spent lengthy hours over a number of days with Shaykh Ibrāhīm al-Muraykhī, the current key Sufi faqīh (competent to produce religious reasoning) to document his fiqh based views. I equally invested lengthy hours dialoging with the key Salafi, Shaykh Ibrāhīm Bu-Ṣandal to understand Salafis’ novel fiqh position vis-à-vis the Danish caricatures.

Constructing a fiqh based community through Istiftā’

The interview with the Sufi faqīh, Shaykh Ibrāhīm al-Muraykhī, entailed many fiqh terms. For this reason, this section shall introduce fiqh terms in order to show how fiqh creates and maintains fiqh based community through istiftā’ (the act of seeking a religious edict).

According to Shaykh al-Muraykhī the continuous Muslims act of istiftā’ (seeking a religious edict) about diverse issues has created a religious community linking the mustaftī (the seeker of answers for his/her questions) with the muftī (the Shaykh that answers the religious questions).

Then Shaykh al-Muraykhī went explaining that we should remember that the term sharīʿa is a large body of knowledge that includes Qur’an, aḥādīth (traditions of the Prophet), ʿaqīda (creed), tafsīr (interpretation of Quran), taṣawwuf (study of Sufism), ’akhlāq (ethics), jihād etc.
Fiqh is that body of knowledge that takes from sharīʿa its information to deal with what a Muslims needs to know about worship (‘ibādāt) and diverse life transactions (muʿāmalāt).
A madhhab from a linguistic point of view comes from the verb root of “dhahaba” signifying to pursue a route. Accordingly, a madhhab from a religious point of view signifies taking one specific road within the body of fiqh [Shaykh Ibrahim al-Muraykhī, 2011]. Functionally, a madhhab follower (muqallid al-madhhab) spends his life learning this road, its grammar, and identifies with those who share the same route with him.
Belonging to a madhhab means to belong to a community that pursues a specific religious road map. The Muslim acquires, by means of Divine guidance (hidāyatun rabbāniyah), personal reflection (murājaʿatu al-nafs) and societal conditioning (biḥukmi al-tarbiyati wal tanshi’ati), the quality to care for living a life in accordance to Islamic law. As such, when an East Arabian is faced with a situation (mas’ala) and in order to maintain conformity with Islam, a Muslim initiates a religious enquiry (istifta’). The answer seeker (mustaftī) approaches the answerer (the muftī). In a Bahraini context, a muftī is usually a high rank Shaykh who has qualified himself to answer religious questions in the madhhab (mutaṣaddir fii al-madhhab). Every mutaṣaddir or mufti establishes a majlis, a public place, allowing knowledge seekers to approach him and/or makes his phone numbers public [Shaykh Ibrahim al-Muraykhī, 2011]. Every exercise of istiftā’ entails contextualization . An individual who is known to the mutaṣaddir as being a member of the Māliki/Shāfi’i/Lā-madhhabiyya-Salafi/Shi’a-Uṣuli/ Shi’a-Akhbāri community, comes in specific time to a place for the meeting, to engage in an unmediated encounter, and if it was a phone call then the majlis attendants hear and discuss the mas’ala with the mutaṣaddir following the telephone conversation.
Istiftā’ is a madhhab community discourse. It is an overlapping process of transmitting and transferring knowledge into the sphere of the mufti/mutaṣaddir majlis and beyond into the wider community. Also, the inquirer retransmits the answer to his family, friends and beyond into the wider community. The answer that he/she receives is a fatwa or ḥukum. According to Shaykh I. al-Muraykhī, he, being a Maliki, evaluates the mas’ala based on the Maliki madhhab. If the mas’ala was answered before then he informs the asker that an answer already exists (manṣuṣun fī al-madhhab) and recounts it [2011]. This enhances a sense of identity. It gives it a historical context and sense of continuity through the operation of istiftā’. However, if the mas’ala is exceptional then the mufti’s job is to yield it to the syntax of the madhhab and locate an analogous mas’ala. By means of analogy, he extracts a legal position applicable to the novel mas’ala.
Hence each answer comes with an elaborate explanation for several reasons. Sharing the legal evidence and the legal logic of arriving at a fatwa within a madhhab (al-taḥākum fī al-madhhab) is essential to establish confidence in the community with regard to the validity and acceptance of the fatwa. Al-taḥākum fī al-madhhab educates the mufti’s close students in their madhhab as well as those, who hear their discussions that by careful examination, everyone stands to be corrected (al-trājuʿ ʿan al-fatwā) and to change the position. By enforcing al-taḥākum fī al-madhhab, the mufti would strive to thoroughly examining the evidence and the legal logic for its formulation will be re-examined against illegal religious innovation (bid’a) and subjective desire (al-hawa) [Shaykh Ibrahim al-Muraykhī, 2011].

The Salafi-position setting the local Context


Salafis in Bahrain claims that they don’t follow a particular school of religious reasoning (madhhab). The paradigm of no-madhhab or la-madhhabiyya means that each religious incident is looked at without necessary referring back to any traditional historical positions. At the time of Danish caricatures calamity the key leading Salafi figure was the Bahraini ex-MP Shaykh ʿĀdil al-Muʿāwida (he was until 2007 the head of al-’Aṣāla , a religio-political society) gave a religious edict making it a duty of ʿulamā’ (scholars) to attend a conference, the “International Conference for the Support of the Prophet”, which was organized by himself and took place in Bahrain on 22-23rd March 2006.
The conference, which exclusively discussed the Danish crisis, was attended by approximately 300 clergies. It was attendee by all branch of Sunni Islam including representatives of the Danish Muslim community, however, no Sufi scholar from Bahrain was invited. Shaykh ʿĀdil al-Muʿāwida immediately supported a religious edict that made boycott Danish products a Muslim’s duty. The la–madhhabiyūn, fiqh community followers of no-madhhab went into streets to rally and distributed leaflets promoting boycotting Danish products.
Other than the high emotional talk that charged the moment of calamity no fiqh reasoning was recited by the Salfis to justify participating in a rally or to boycott Danish products. In matter of fact when someone makes an istifta’ regarding the religious permissibility to participate in a rally the published answer and the uttered answer says, “Imitating the people of the book (Jews and Christians) is forbidden” and rallying is the invention of the people of the book and we (Muslims) were told not to imitate them”.

I was perplexed by this paradoxicality I called number of key Salfis figures and managed to meet the Salafi, Shaykh Ibrāhīm Bu-Ṣandal (a close friend of Shaykh ʿĀdil al-Muʿāwda). I asked him if the Salafis have modernized by adopting western (people of the book) instruments of rallying and boycotting? I told him in this regards many locals had observed Salafi de-traditionalizing since the inception of al-’Aṣāla society in year 2002. Do you agree to that?

The Salafi, Shaykh Ibrāhīm Bu-Ṣandal (a close friend of Shaykh ʿĀdil al-Muʿāwda), believes that al-’Aṣāla society was instrumental in exposing (through it) the wider Salafism of Bahrain to the change that arrives with modernity [2011]. He explained that after the 2002 and 2006 parliamentarian election in which al-’Aṣāla wan 6 seats each time, has given them a great exposure to local, regional, and world logic of dealing with challenges . Bu-Ṣandal, the ex-second man in al-’Aṣāla, said we have learned that “the value of self-interest is a Western doctrine. Denmark and other countries have interests to sell their goods and services to us.” Further he explained, “we have our own interest to look after, that is the respect for our Prophet. Yes, it was ‘tit for tat;’ I mean respect us, and we restore trade relationship with you” [Bu-Ṣandal, 2011]. The quick-to-take-place political agency of the Salafis of Bahrain has pointed out to every Bahraini that many alternatives beyond mere protest are at hand.

Danish Caricatures have re-branded Salafism as a religiously-flexible group capable of reinventing novel religious edicts. Let’s remember that la-madhhabiyya by omitting the authority of any madhhab and its legacy has effectively unbounded Salafis with any historical religious paradigm. The Salafis, before the Danish caricature crisis, were of the position that imitating the customs, behaviors, and practices of non-Muslims is strictly forbidden. They have considered public tools such as demonstration and boycotting to fall under such a category of prohibition. However, during the Danish caricature crisis, the free-from-madhhab Salafi scarped its previous religious position and endorsed demonstration and boycotting as religiously acceptable in relation to Danish caricature without giving a religious reasoning for it.

The Sufi fiqh position

The Salafis declined to send an invitation to Sunni Sufis of Bahrain to participate in the “International Conference for the Support of the Prophet” which took place 22-23rd March 2006. Perhaps the cause for this is deeper than the gross religious fault Salafis find with Sufism. The Sufi ʿulamā’ have by far higher madhhab knowledge than any other Sunni branch in Bahrain . The mastery in particularly the Maliki madhhab furnished them with inter and intra madhhab cogency. The madhhab discourse of the Sufis accuses the Salafis of their disordered grammar-less la-madhhabiyya paradigm. To the Sufis, Salafis fail to enable their students and ʿulamā’ to examine their fatwas via al-taḥākum (religious auditing of the fatwa), thus the evidence, subjectivity and fallibility element of any Salafi fatwa is disabled.
According to supreme judge of Sunnism Shaykh Ibrāhīm al-Muraykhī, any scholar who is highly developed in a madhhab knows that the management of Danish caricatures crisis was amiss. The most valid first approach would have been that the Danish ʿulamā’ should have searched for a local solution. They are best fitted culturally and politically to draw a local fatwa. Secondly, in case of the inability of the Danish ʿulamā’ to deal with the situation then a group of a prudent ʿulamā’ from other Muslim lands should fly to Denmark to assist Danish ʿulamā’ to arrive at a religious position.
Shaykh Ibrāhīm al-Muraykhī pointed out that the crisis came to the Bahraini attention only after it was too late to advice the Danish ʿulamā’ (who should have produced a home-based fiqh solution not to internationalize the crises). With Sufi advanced knowledge in madhhab grammar, the Sufi Shaykh al-Habib Ali al-Jafrii (from Yemen) naturally was aware of the second option so he flew to Denmark on 1st of March 2006 in order to aid the Danish ʿulamā’ to arrive to a local suitable fiqh position [I. al-Muraykhi, 2011].

Fatwa audit

Shaykh Ibrāhīm al-Muraykhī explained that the Salafis have propagated two edicts (anti-Danish mass protests and boycotting of their products) that has failed to undergo a fatwa audit from within Salafi fiqh logic or al-taḥākum fī al-madhhab. Shaykh Ibrāhīm al-Muraykhī recounted that it is well-known in the Salafi fiqh that they forbid rallying and boycotting because to them is part of “imitating the people of the book (Jews and Christians). Also, they have not account for the fiqh of the situations (fiqh al-ẓurūf ) as it applies to Denmark. Nor they reviewed the common good (al-ṣāliḥ al-ʿām) and blocking the cause for doing wrong (sadd al-dharā’ʿ ) as it applies in Denmark. He concluded that the crisis happened in the Danish nation and it should have been contained in it.

In (alZekri) the author who lacks a sold knowing about the religious background of the Danish ʿulamā’ but he assumes that they could have lack a well-versing in madhhabiyya and even they might be la–madhhabiyūn. Most importantly al-Habib Ali, the pro-madhhabiyya, by visiting Denmark and speaking to Danish ʿulamā’ was showing the la–madhhabiyūn the Salafis, that they were committing a fiqh error. The Salafis have issued two edicts (approved anti-Danish mass protests and boycotting of their products) . that failed to undergo a fatwa audit al-taḥākum fī al-madhhab.

Shaykh Qaradāwī

Sufi competency in fiqh had provoked wide counter discourses and reactions not only by Salafis but also by both the Ikhwānī (Muslim Brother Hoods). Shaykh Qaradāwī (the key Ikhwānī Shaykh) for a reason not clear was pro internationalizing the Danish caricatures issue. He accused the Sufis of jumping lines by visiting Denmark and trying to contain the Danish caricatures issue within Denmark by contacting Danish ʿulamā’ which was weakening the International collective Islamic united actions needed to solve the caricatures predicament. Immediately after dismay of Sufis visit to Denmark the Sufis were accused of heresy by Salafis social media .

Danish Caricatures on Sufi scale of haqīqa

The Danish caricature, in the view of Bahraini Sufi Mr. Darwish, was not limited to the domain of shari’a-madhahib contestations and argumentative methodology. The esoteric (haqīqa) reflection is a profound aspect of the crisis that should be included in this analysis. When a child is in pain, it shrieks loudly for help. The Danish caricature in the esoteric reading of Mr. Darwish was a cry for help. The Danish, so Darwish argued, required Sufi relief from their spiritual emptiness yelling [2011]. This mean that the Sufi

Danish caricatures and the fiqh based communities

In this study a new attempt is made to reread the Danish caricatures as a fiqh catalyst that enticed fiqh and counter fiqh discourses among Sufis and Salafis of East Arabia. This paper has shown that by framing religious communities’ debate on Danish caricatures in fiqh religious reasoning a new explanatory paradigm has emerged. The Sufis as being grammarian or madhhabiyūn proved to be reluctant to accept the fiqh of the Salafis which uses la–madhhabiyy reasoning approaches. The Sufi travelled to Denmark to defuse the situation and to contain it but failed to achieve their objective. They have engaged in thick fiqh discourse among their fiqh based community in order to keep them “fiqh-ly” informed. The Salafi “agrammarian” approach theoretically sounds that they are susceptible to adopt novel ahistorical new position. They could adopt modernity faster than those who are of a “grammarian” approach but however they also could take up a novel aggressive approach that are unsupported by mature historically accumulated sopper view of the social world.


References

Akram, Aysha (2006), ‘What’s behind Muslim cartoon outrage’, San Francisco Chronicle,
http://www.sfgate.com/cgi-bin/article.cgi?file=/c/a/2006/02/11/MNGRCH6UQK1.DTL (accessed 7-8-2011).

Ali, Muhammad (Aug. 2010), ‘Private Interview’, (Muharraq).

An-Na’im, Abdullahi Ahmed (2008), Islam and the secular state: Negotiating the future of shari’a, Cambridge:

Bu-Sandalal, Sh. Ibrahim (Sep. 2011), ‘Private Interview’, (Muharraq).

Calder, Norman (2010), “The social Function of Fatwa”, in Colin Imber , ed., Islamic Jurisprudence in the Classical Era, Cambridge: Cambridge University Press.

Darwish, Isa (May. 2011), ‘Private Interview’, (Muharraq).

Eriksen, Thomas Hylland (2006), “The Cartoon Controversy and the Possibility of Cosmopolitanism”,
Cosmopolitanism, http://folk.uio.no/geirthe/Cosmopolitanism.pdf. (accessed 7-9-2011.)

Geaves, Ron, Markus Dressler and Gritt Klinkhammer eds. (2009), Sufis in Western Society: Global Networking and Locality, London: Routledge.

Guardian UK (2011), Saudi Arabia prints 1.5m copies of religious edict banning protest,
https://www.sott.net/article/226554-Saudi-Arabia-Prints-1-5m-Copies-of-Religious-Edict-Banning-Protests
(accessed 13-8-2011).

al-Jafri, Sh. al-Habib Ali Sakhr Homepage (2006), The Danish dialogue trip, http://www.alhabibali.com/ar/news/article/3/
(accessed 14-8-2011).

Jonker, Gerdien (2006), “The evolution of the Naqshbandi-Mujaddidi: Sulaymançis in Germany”, in Jamal Malik and John Hinnells, eds., Sufism in the West, London: Routledge.

Lægaard, Sune (2010), “Normative significance of transnationalism? The case of the Danish cartoons controversy”,
in Ethics & Global Politics, Vol. 3, No. 2, 2010, pp. 101_121.

Madani Bookshop Homepage (2007), Cartoons of Hate: Prophet of Love, DVD, http://islam786books.com/main/page_media_habib_ali_aljifri.html ( accessed 14-8-2011).

Majalatu al-‘Asir (2006), Between ‘Amru Khalid and al-Qaradawi,
http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=7576 (accessed 16-09-2011).

Mouritsen, Per, Lindekilde, Lasse, and Zapata-Barrero, Ricard (2009), “The Muhammad Cartoons Controversy in
Comparative Perspective”, Ethnicities, Vol. 9, no. 3, pp. 291-313.

al-Muraykhi, Sh. Ibrahim (Aug. 2011), ‘Private Interview’, (Muharraq).

Nielsen, Jørgen S. and Lisbet Christoffersen eds. (2010), Shari‘a As Discourse, Surrey-UK: Ashgate Publishing.

Nilüfer Göle (2006), “Islam, European Public Space, and Civility”, in Krzysztof Michalski ed., Conditions of
European Solidarity, vol. II, Budapest – New York: Central European University Press.

Pew Research Center (2010), Muslim Networks and Movements in Western Europe, Washington: Pew Research Center.

Taylor, Charles (2004), Modern Social Imaginaries, Durham, North Carolina: Duke University Press Books.

Al-Wasat Newspaper (2006), “11 demonstrations to denounce offending the Messenger”, newspaper, 03-02-2006.

Wael B. Hallaq (2009), An Introduction to Islamic Law, Cambridge: Cambridge University Press.

alZekri, Muhammad (2011), Among Sufi and Salafis: Identity through the majalis of East Arabia, (In preparation
for Scientia Bonnensis, Bonn).

الجّذب الصّوفي


دوافع تّدين العلمانيين في الخليج العربي

د. محمد الزّكري

نشرت المقالة في مدونة الأستاذ محمد فاضل العبيدلي الرابط

الجذب الصوفي.. الشغف المستجد بالتصوف

رصدت عدّة كتب انجذاب الإنسان بشكل عام نحو التّديّن  [1]وبعضها رصد انجذابه نحو الاتّجاهات الرّوحانيّة [2] ومن بين أكثر الحركات الرّوحَانيّة جذبا للمجذوبين هو التّصوّف الإسلامي[3]

الملفت للنظر أنه في صيف عام ٢٠١٠ نشرت جريدة ذي آيرش تايم مقالة بعنوان ”التّصوّف يغري العلمانيين“[4]وقبل ذلك تطرّق كتاب ”التّصوّف والحداثة في الإسلام“ المنشور في عام ٢٠٠٧ [5]عن ظاهرة عودة انتشار التّصوّف بين فئات متعددة من المجتمع. فالمنشوران يتحدثان عن انجذاب فئة من المجتمع تمتاز بثقافتها العلمانيّة إلى الثّقافة الدّينيّة. الخليج العربي أيضا خاضع لذات الظّاهرة الكونيّة الرّاهنة. فهناك إقبال بين صفوف الشّباب والنّاضجين من ذوي الخلفيّات العلمانيّة، اليساريّة، المدنيّة، الليبراليّة واللا أدريّة على خوض (بنسب متفاوتة) تجربة التّصوّف. فبالرغم من إلصاق شتى النّعوت المُنْـقِصَة للتّصوّف كمشروع إنساني تعايشي ديني منذ مطلع القرن العشرين وخصوصا من قبل السّيد رشيد رضا[6]عبر جريدة ”المنار“. ومن ثم من قبل غيرهم انطلاقا بشكل مكثّف من السّبعينيّات من القرن المنصرم[7]  فإننا نشاهد رغم كل ذلك عودة البحث عن التّصوّف والإقبال عليه في المجتمع الخليجي. 

القليل من الباحثين التفتوا إلى ظاهرة التّحوّل الكوني إلى التّصوّف خصوصا بين العلمانيين[8]. ومن أعوز ما نحتاج إلى الإجابة عليه يرتبط بسؤال: ما هي المسّببات التي أثمرت مثل هذه التّحولات باتجاه التّصوّف في المجتمعات العالميّة والخليجيّة. عليه فإن هذا البحث يسعى إلى وضع إطار نظري أو أنموذج تبريري لاستيضاح تلك الخلفيّات الدّافعة إلى هذا التّحول في لحظة تاريخية تمتاز بتجاوزها المرحلة التّقليديّة إلى ثقافة ما بعد التّقليديّة أي مرحلة دخول العالم ومعه منطقة الخليج في أعماق المدنيّة الحداثويّة.

ستبني هذه المقالة أطروحتها فوق ملاحظات لتغيّرات كونيّة وأخرى عربيّة وخليجيّة. على مستوى التّبدلات الكونيّة سنتطرق إلى كيف دخل السلوك التّصوّفي ”المحاسبي“ أو مراقبة الذّات إلى الأكاديميات الأمريكيّة والأوروبيّة ومن ثم كيف اعترف فلاسفة أوروبا مبكرا بأهميّة تطوير ”الذّات المحاسبيّة“ كمنقذ للإنسان في لحظة اضطرام الحداثة. أيضا على المستوى الكوني سنتطرق إلى قضيّة فشل الأطروحة الرأسماليّة في جلب السّعادة من خلال فرضيّة النّجاح المادي وكيف أصبح الحديث عن “الاستيقاظ الروحي” حديثا رائجا في الغرب. هذا المحور الكوني وتطوراته له تأثير على كل المحليّات ومنه العرب ومنطقة الخليج العربي. ولكن على المستوى العربي/الخليجي هناك أحداث خاصة تهيء للانجذاب نحو التّصوّف ومنها: تفكك بنيوي بين العلاقة التقليديّة التي نظمت قنوات التّعلم بين الشيّخ وطالب العلم مما أعطى رُدْهَة من التّحرر ومسافة للتحرّك لطالب العلم والذّهاب بحثا عن المعرفة. فذهب بعضهم إلى المتصوّفة. أيضا ظهور اليوتيوب أو ”الشيخ الرقمي“ سمح لكل متطفل /باحث من الذهاب إلى قنوات التّصوف الرقميّة بدون الحاجة إلى خوض مراسيم مبايعة الشّيخ بناء على النّهج الطّروقي. انتشار الشعر الصوفي قبل الإنترنت بين شعراء الحداثة ذوي شعبية بين جماهير المدنيات والعلمانيات. ومن ثم بزوغ المجتمع المستهلك للرواية وعود الشعر الصوفي القديم جدا كنص يغنيه مغنّيون على أنغام الجاز الحديث كل هذه الظروف فتحت ثغرات بين السائد ولعبت كشروط موضوعيّة ساهمت في انجذاب المجذوبين من فئة عربية خليجية ذات خلفيّة مدنيّة نحو الاستيقاظ الروحي والانجذاب الصوّفي، إن صح التعبير.   

المحور الكوني

”المُحَاسَبَية“ فكرة تصوّفيـّة تقتحم الأكاديميّات العلمانيّة وتتفاعل في صناعة الهويّات المدنيّة 

“الكتابة المحاسبيّة”

شهد العالم الأكاديمي في الثمانينات من القرن المنصرم محنة ”مصداقيّة“. رصد هذه المحنة الكاتب الأنثروبولوجي الأمريكي الكبير جيمس كليفورد في كتابه ذائع الصّيت ”المحنة“ في عالم الثقافة (1988)[9]. أجاد جيمس كليفورد القبض على مجمل الأزمة حينما وصفها بأنها أكاديميّات تنعت، جزافا، ذواتها ”بالموضوعيّة“ في حين أن مخرّجاتها المعرفيّة، نتيجة خلل في مناهجها، أنتجت معلومات تعاني من ”الإنحيازيّة“ التي أغرقتها في الذّاتيّة اللاموضوعيّة اللاعلميّة. و بفقدانها لمصداقيّتها العلميّة إنتشر الشّك بفكرة ”موضوعيّة“ المخرّجات المعرفيّة. 

“الملفت أن جيمس كليفورد جعل من النّهج “المحاسبي“

(Reflexivity)

، وهي رياضة قائمة على محاسبة النّفس ومراقبتها، السّبيل الأنسب لإنقاذ ”المعرفة“ الإنسانيّة العلميّة من براثين التّعصب والميول والانحياز واللاموضوعيّة. 

”المحاسبيّة“ كما تقول الموسوعات الاجتماعيّة البريطانيّة منتشرة عند أصحاب العرفان من أتباع الديانات، ومنهم المتصّوفة. 

فلا يصعب رؤية المتاوزيّة بين ما طلبه جيمس كليفورد من صنّاع المعرفة من أن يمارسوا الكتابة المحاسبيّة بما تحمله من رقابة على ما يخطه قلم الكاتب وبين ما يمارس المتصّوفة من المراقبة على أنفسهم. أهم ما طلبة جيمس كليفورد من الكاتب الإكثار من التساؤل حين الكتابة: ما هي أهدافي الباطنيّة، هل هناك دوافع شخصيّة تدفعني للقول بشيء ما، هل أنا أخفي حقيقة ما بقول شيء ما، هل أنا صادق عندما أؤيد فكرة ما أو أدحض فكرة ما، الخ.

يمكن حصر الفرق بينهما في أن جيمس وضّف منهج المحاسبيّة لإنتاج الكتابة الثقافية في حين أن المتصوّف يوظف المحاسبيّة كمشروع في كافة مجالات حياته.

“الذّات المحاسبيّة “

الحديث عن ”المحاسبيّة“ عاد في عام  1991  مع المفكر البريطاني الكبير أنتوني غيدنز [10]. فبعد أن درس غيدنز المجتمعات الإنسانيّة الأوروبيّة التي بدأت خوض وبعنف حقبة ما يسميها حداثة متأخرة أو مضطرمة. هنا توسع غيدينز في الرفع من أهمية ”المحاسبيّة“ عندما توقع أن المستقبل العلماني العقلاني الأوروبي سيكون باتجاه انتشار هوية فردانيّة تمتاز ذواتها بأنها تعمل بخاصية ”الذّات المحاسبيّة“. فإنسان ما بعد التقليديّة توفرت لدية معلومات ضخمة مباشرة من مصادر شتى مما يسمح للإنسان من ممارسة رقابة ذاتية على تحليل هذه المعلومات ومن ثم إتخاذ موقف خالي من ميولات ونزعات الذّات. فضح النفس أمام النفس يدفع بالأوروبي الذي يمارس نهج “الذّات المحاسبيّة” من عيش حياة أقرب إلى الموضوعيّة.  

بمعنى آخر أنه نتيجة تصدع معرفي (أطروحة جيمس جيرتز) من جرآء كتّاب لم تمارس مراقبة ذاتيّة على أقلامها 

ونتيجة تصدع إنساني (إطروحة غدنز) لأفراد لم تراقب هويّاتها عانت بسببه كل من الأكاديميّات وسيرة الإنسان الأوروبي الكثير. وكان الحل الأنسب هو (كأنما) الاشتراك مع المتصوّفة في ممارسة ما يمارسونه من نهج المراقبة على ذواتهم.

مع الفارق إن دوافع جيمس وغدنز (على التّوالي) لحاجات علميّة ومدنيّة في حين أن دوافع المتصوفة لحاجات دينية. 

الملفت للنظر إن ”المحاسبيّة“ دخلت المعاقل العلميّة العلمانيّة/المدنيّة والليبراليّة لتنتج المعرفة في الأكاديميات التي تخرّج أفواج من العقلانيين. كما أن المحاسبيّة نتيجة تطور البشريّة الإنسانيّة في لحظات حداثتها بدأت تنتشر في مجتمعاتها بشكل عام. هذا الأجوآء تخرج المئات من الطلبة العرب وتشبعهم بمقدمات تجعل منهم بحكم الصّدفة من السهل تقبل شيء من التّصوف في المستقبل. 

فشل أطروحات السّعادة الماديّة والاستيقاظ الرّوحي الكوني

الإنسان في الأطروحة أو المعادلة الرأسماليّة تتشبّع مسامعه بخطابات مفادها أنه عليه التّعلم لأنه بعد الشّهادة يأتي العمل ومعه الدّخل فالسّعادة. فإذا لم تأتي السّعادة يسمع أن عليه الزّواج فمع الزّواج تأتي السّعادة. فإذا لم تأتي فبعد إنجاب الأطفال تأتي السّعادة وإذا لم تأتي فبعد تزوج الأبناء تأتي السّعادة. وإذا لم تأتي ستأتي بعد التّقاعد. مع كل هذا الرّكض الدّنيوي تظل ”السّعادة“ بعيدة[11].

الاستياء من الأنموذج الرأسمالي الذي أخرط الإنسان في نظام روتيني ممل. الاستيقاظ صباحا وزحمة المواصلات وضغط العمل اليومي فمتطلبات الأطفال والحياة سببت ضجر واكتئاب للإنسان. 

ولكن أخذ البعض من البشر غير القليل باكتشاف العديد من المدارس الروحانيّة من خلال الأصدقاء والإنترنت والقنوات الفضائيّة والجرائد. فبدأوا يدركون بوجود التّصوّف / دراسات الطاقة البشرية/ ريكي / الهندوسيّة / البوذيّة / هنا بدأ الإنسان العلماني المدني يلاحظ أن هذه المدارس تتحدث عن السّعادة والأمان والروحانيّة وهي ذات الأمور التي وعدت به النماذج الرأسماليّة دون أن تنجح في جلب السّعادة له.

من الأمور المثيرة هو ظهور كتب تتحدث عن ظاهرة ”الاستيقاظ الرّوحي“[12]. ويقصد به ذلك النّداء الدّاخلي غير المفهوم والذي يدفع بالإنسان نحو طرح أسئلة روحيّة خاصة تبحث عن الله وعن الإنسان ومسار الإنسان في هذه الحياة وغاية حياة الإنسان. ومما عزز هذا الاستيقاظ الكوني اشتهار روايات ذات ميول تصوفيّة في مجتمعات تستهلك الرواية بشكل يوميومنها:

“الخميميائي” (The Alchemist) نزل الكتاب في عام 1988  و هو من تأليف باولو كويلو.

“قوة الآن: الدليل إلى التنوير الروحي” (The Power of Now) نزل الكتاب في عام 1997وهو من تأليف إيكهارت تول.

“السر” (The Secret) نزل الكتاب في عام 2006  وهو من تأليف روندا بايرن.

“طعام، صلاة، حب” (Eat Pray Love) نزل الكتاب في عام 2006وهو من تأليف إليزبيث جيلبرت.

“قواعد العشق الأربعون” (The Fourty Rules of Love) نزل الكتاب في عام 2010وهو من تأليف إليف شافاق.

جلال الدّين الرومي في اليوتيوب

في العقد الأخير اشتهر مولانا جلال الدّين البلخي / الرومي كأنما العالم اكتشف شخصيّة هو بأمس الحاجة إلى نمطها [13]

فهذه الشخصية التي يكتنف سيرة حياتها الكثير من اللااستقرار وتوحش الزمان الذي عاشته حروب وغزو وموت تقلص سبل الحياة وضعف الاقتصاد والسفر من مكان إلى مكان بحث عن الأمان وأسباب الاستقرار كل هذا يبدو مألوفا من أهل زماننا. فحياة الإنسان المعاصر لا تختلف كثيرا عن هذا. ولكن جلال الدين الرومي كان إيجابيا. كتب شعرا “المثنوي” لا يتمكن أفضل الشعراء كتابة ما يجاريه. شعر مليء بالحكمة والحب والأمل والسّعادة[14]. هذا الشعر ترجم وغنّاه الباحثين عن السّعادة بلغات حيّة عدة. فسمعه الكثير ومع الوقت اشتاقوا إلى التّمثل ببعض من حياته مما قادهم إلى التصوّف.

المحور المحلي

تفكك بنيوي بين علاقة الطّالب والفقيه في الخليج والعالم العربي

لاحظ الأمريكي ديل أيكلمان (Dale Eickelmann) بعد أن أجرى بحث معمق في سلطنة عمان في عام [15]1992  تغيّر بنيوي في طبيعة العلاقات الضّابطة بين الشّيخ وطالب العلم. ففي إطار تلقّي المعرفة الدّينيّة التّقليديّة اكتشف ديل أيكلمان أنه مع ارتفاع مستوى التّعليم العالي، أجاد طالب العلم القدرة على تحليل النّص الديني بشكل متطور وبذلك لم يعد الشّيخ هو المصدر الوحيد القادر على تحليل النّصوص المقدّسة. انحسار احتكار السّيادة التّأويليّة أدى إلى اختلال سيادي. فسيادة الشّيخ شبه المطلقة على طالب المعرفة أصبحت تتضاءل بشكل ملفت. 

ثم عاد ديل أيكلمان فيعام 1999[16]في كتاب مهم ليؤكد لنا أن هناك تغير جذري ليس فقط في سلطنة عمان فقط بل في الخليج العربي وفي كافة العالم العربي. توقف أيكلمان مليـّا عند التكنلوجيا (إنترنت، أقمار صناعية، تغطيات أخبار فوريّة) وقال إنها ستغير علاقة الفرد بالجماعة الدينيّة التي ينتمي إليها وبرر ذلك بتغير بنى قنوات المعلومات التي اصطحبت مرحلة الحداثة (أو ما بعد التّقليديّة). حيث أن المجتمع الحداثي في لحظاته المتأخّرة يسمح بحيز أكبر للفرد من الوصول إلى المعلومات التي كان يحتكرها تقليديّا المركز من خلال شخصيّاته. وبعد تمكنه من الوصول إليها مباشرة متجاوزا المركز التقليدي تمكن طالب العلم بقدراته المعرفيّة التعليميّة العاليّة من أن يحلل المعلومات دون الحاجة إلى مساعدة تأويليّة أو تفسيريّة من المركز. هكذا ضعف المركز وضعف احتكاره التأويلي وبهتت قدرته على ترويج المعلومات الممزوجة برؤيته السياسية والهويّاتيّة. 

وهكذا قوي الفرد (طالب العلم) أمام ضعف الشّيخ/الفقيه مما أتاح له ليس في تجاوز المركز التقليدي الذي كان يزوده بالتأويلات للنصوص المقدسة بل قاد طالب العلم بجرأة التّمكن الجديد من الذّهاب إلى مراكز أخرى تنتمي إلى مباني معرفية أخرى غير تلك التي نشأ عليها وذلك لكي يمارس عملية تسوق معرفي بدافع فضول ذاتي ومن ثم بعملية التلفيق الفقهي أو التّرجيح النسبي أو القطع الجذري يتخذ موقف ديني جديد ومختلف.

أنها أجواء حتما تخلخل العلاقات بين الشّيخ والمريد فاتحةً ثغرة لتغير غير مسبوق. نجد جزئيا أو كليا أن الشّيعي يتحرر من سيادة مرجعيّته والعلماني من سيادة أيدولوجياته والمدني من سيادة قناعاته والسّلفي من سيادة مرجعيّاته ومن ثم التّوجه إلى شيخ متصوف والمتصوفة بحثا عن معارف جديدة ولخوض تجربة معرفيّة جديدة.

مجتمع الشّعر في الخليج العربي – حقبة ما قبل الإنترنت

قد تكون الشعوب العربية من أكثر شعوب العالم استهلاكا للشعر. فعند العرب أشعارا تتلوها للمناسبات الصغيرة قبل الكبيرة. أشعار تنسب إلى عرب القدماء وإلى الراهنين منهم. أشعار تتداولها نواديهم باستمرار. والشعر نتيجة رواج سوقه وسعة انتشاره يصل محتواه إلى وعي ووجدان الأمة من خلال قنوات المجالس والصّالونات والمنتديات والراديو والتلفزيون والشبكة العنكبوتيّة. يبقى سؤالنا هو: ماذا لو أن الشعر أخذ من التّراث الصوفي فهل سيكون له تأثير ما في تشكيل وعي المتلقّي؟ ماذا لو أن الشعر الحديث، وهو يَروج أكثر ما يروج بين الطبقة الأكثر تحررا وتعلما ومدنيّة وعلمانيّة، توشح برداء من التصوف والمستسيسم (mysticism) فهل يصل التّصوف إلى عقول الطبقة العربيّة الحداثيّة التي تستهلك الشعر العربي الحديث؟

في دراسة نادرة نشرت تحت عنوان ” توظيف التراث الصوفي في الشعر العربي الحديث“ قام د. حسين السّماهيجي [17]بسبر أغوار مثل تلك الأسئلة. فتطرق إلى أشعار الحداثيّون العرب من ذوي شعبية جماهرية واسعة النطاق من أمثال أدونيس، محمد عفيفي مطر، صلاح عبدالصبور، جبران خليل جبران وعبدالوهاب البيّاتي. فهذه الأسماء اشتهرت بتعاملها مع التّراث الصوفي ووظفته نظريا وإبداعيا وذوقيا في أعمالها الأدبية. 

الرسالة الأهم المبثوثة في كتاب د. حسين السّماهيجي أن الشّاعر العربي في لحظة انتقاليّة بنيويّة قلقة. في لحظة يوشك عندها أن يتخذ العربي قرار انتقال يعبر حينها من مبانيه الثقافيّة التقليديّة التي ألفها إلى مباني معارف حداثوية غير مألوفة. هنا يرصد د. السّماهيجي أن الطلائع العربيّة الشعريّة قررت أن توظف التراث الصّوفي ليكون عنوان مألوفا ليدخل معه عالم الحداثة غير المألوف. 

فالتراث الصوفي منذ أن أستعر في صدر الإسلام وهو حالة تجدّدية. فمن الحلاج إلى البسطامي إلى سمنون وابن فارض نحن أمام اللا مألوف. فتراث التصوف المألوف هو تراث اللامألوف المتجدد وهذا الذي جعل شعراء العرب في الخمسينات وما تلاها يوظفون التراث الصوفي لخلق مجدلة توليفة تصالح بين دخول عالم حداثي حديث علينا كعرب مع التصوف. والأهم أن خصلة ”المحاسبيّة“ الصوفية تجعل كل من الشاعر الحداثوي والعربي المستهلك له من أن يمارس جدل ذاتي وموضوعي لا يسعى فقط إلى تطوير القصيدة بلا معها إلى تطوير العربي فالمجتمعات العربية.

 مع كل هذا الحراك للشعر العربي حصل حراك ناعم استطاع من تحميل مع النص الشعري الحداثي بشكل غير مباشر /الصوفي انجذاب إلى التّصوف بين صفوف مريدي أشعارها خرجت بشكل واضح عندما كبرت سن جيل الخمسينيات والستينيات.

الشّيخ الرقمي 

المجتمعات الرقميّة ذات الهواتف الذكيّة والألواح المحمولة وهبوط تكلفة شبكات الاتصال الرقمية ساهم في خلق مجتمع خليجي رقمي هائل[18]. الإحصائيات تسير بشكل تصاعدي لتؤكد أن المجتمع الخليجي يتصدر كثير من الدول بانخراطه الكبير في مواقع التواصل الاجتماعي. هذا الانخراط قاده إلى اكتشاف الشيخ الرقمي. ومن بين هذا شيخ اكتشف شيوخ التّصوّف. الشيخ الرقمي بدل الواقع الصوفي من علاقة قآئمة على تواصل مع الشيخ في حلقته في مجلسه إلى تواصل غير مباشر عبر اليوتيوب. هذا التطور الرقمي في المجتمعات الرقمية سهل عملية الاطلاع على التّصوف دون الحاجة على الالتزام مع الشيخ. وهو أمر يناسب الجيل الحديث ونمط حياته. مما ساهم بتشجيع أعداد كبيرة من الشباب على التطلع على التصوف ومن ثم الانجذاب نحوه.

مجتمع الرّواية في الخليج العربي

في الثمانينيات كان الإقبال على قراءة الروايات أمر غير معهود بين طبقة القرّاء الواسعة في المجتمع الخليجي. كان الشعر أكثر انتشارا وبعده بمسافة شاهقة يأتي استهلاك القصة الطويلة أو القصيرة بمقدار خجول جدا. الأمر بدأ يتغير في التسعينيات ولكن مع دخول الألفية الثانية شهدنا تبدل نوعي بين فئة القراء حيث برز مجتمع واسع وعريض يقبل على طلب جنس الروايات من بين مخرجات الأدب الناطقة باللغة العربية. 

وكما ذكرنا سابقا عن أمثلة من الرّوايات ذات البعد الرّوحاني / الصّوفي وما كان لها من تأثير في إيقاظ الهمم الكونيّة باتجّاه الرّوحانيات والتصوّف فهذه نفس تلك الروايات تترجم إلى اللغة العربيّة وتبدأ التأثير على مجتمع الرّواية في الخليج العربي. هذه قائمة بتاريخ النشر لهذه الأمثلة من الرّوايات: 

نشرت دار الهلال المصريّة أول ترجمة لرواية الخميميائي في عام 1996بترجمة الأستاذ بهاء طاهر.

نشرت دار الخيال اللبنانيّة أول ترجمة لرواية “قوة الآن: الدليل إلى التنوير الروحي” في عام 2007بترجمة مؤيد يوسف حداد.

نشرت مكتبة جرير السعودية أول ترجمة لرواية “السر” في عام 2009.

نشرت الدار العربيّة للعلوم اللبنانيّة أول ترجمة لرواية “طعام، صلاة، حب” في عام 2010بترجمة زينة أدريس.

نشرت دار الأداب للنشر والتوزيع اللبنانيّة أول ترجمة لرواية “قواعد العشق الأربعون” في عام 2013بترجمة محمد درويش.

قواعد العشق للمحبين والشّعر في مجتمع رقمي 

بعد نجاح كبير حققه الشاب الشّيخ الصوفي الليبي المقيم في مصر الشّهبآء محمد عوض المنقوش بين أوساط مجتمع الفيسبوك العربي المتسآئل عن التّصوف قام في عام 2014بتقديم حلقات تلفزيونية / يوتيوبيّة بعنوان “قواعد العشق للمحبين”[19]. قام هذا البرنامج متفاعلا في لحظة تاريخية غير مسبوقة شهدت اهتمام شبابي كبير بالتّصوف. خصوصا بعد البعد الكبير الذي أوجدته رواية “قواعد العشق الأربعون” عندما نزلت أول ترجمة لها باللغة العربيّة في عام 2013بمجهودات ترجميّة قام بها الأستاذ محمد درويش ومن نشر دار الأداب للنشر والتوزيع. الملفت للنظر أن البرنامج تضمن غناء لأشعار صوفيّة لمتصوفة قدماء في قمة الذوق الصوفي بأداء فنان شاب شعره طويل اسمه الفني “زجزاج [20]وهو من اكتشاف الموسيقار المصري الكبير هاني شنودة. أغاني حلقات برنامج الشّيخ الشّاب محمد عوض المنقوش غنّت باصطحاب موسيقى “جاز” من قبل مغني شاب “زجزاج” والنص المُغنى لأسماء صوفيّة قديمة من مثل سمنون المحب (توفي في بغداد سنة 298 هـ)، ابن الفارض (توفي سنة 632 هـ) جلال الدين الرومي (604 هـ – 672 هـ)، عبدالغني النابلسي ( توفي سنة 1050 هـ). اجتمع الماضي بالرّاهن، اجتمع التّقليدي بالحداثي، أنها أطروحة غير مسبوقة. أطروحة تسمح للشباب بالتواصل في الحداثة دون إنقطاع عن القديم الإسلامي.  كل هذا جذب الجيل الجديد من الشباب نحو التّصوف.

خلاصة البحث

سعت هذه المقالة لفهم سر انجذاب فئة علمانيّة من المجتمعات العربية بشكل عام والخليجيّة بشكل خاص نحو التّصوف. بتبيان أن هناك تبدل كوني عام يسير بكافة البشريّة نحو البحث عن الروحانيّات في إطار ما يسمى بالاستيقاظ الكوني بعد تراكم فشل التوجهات الماديّة الكونية والدينيّة الأخرى. هذه الإستيقاضات أخذت تتمدد في إطار ذو بعد محلي يسمح لها بخلق استيقاظ روحي يناسب المحليّة العربية والخليجيّة من خلال محاور الشعر والرواية والتطور الرقمي وتبدل بنيّة العلاقة بين الشيخ وطالب العلم.

الهامش


[1]

للمزيد إطلع على :

Williams, Rhys. “The Desecularization of the World:Resurgent Religion and World Politics.” Sociology of Religion, vol. 62, no. 1, 2001, p. 131. Academic OneFile, Accessed 16 June 2018.

[2]

أفضل كتاب في هذا الموضوع بشكل عام هو:

Jupp, Peter (2006) A Sociology of Spirituality, London: Routledge. 

[3] 

قدم السّيد قبيلي أكمان بحث متميز بجدارة حول عودة الإقبال على التّصوف من خلال دراسة علمية محكمة. للمزيد أنظر إلى:

Akman, Kubilay (2008) “Sufism, Spirituality and Sustainability / Rethinking Islamic Mysticism through Contemporary Sociology”, COMPARATIVE ISLAMIC STUDIES, VOL 4, NO 4.1 / 4.2.

[4]

https://www.irishtimes.com/news/sufism-has-new-allure-for-secular-turks-1.684041

[5]

للمزيد عد إلى :

Bruinessen, Martin and Julia Day Howell, ed. (2007) Sufism and the ‘Modern’ in Islam, London: I.B. Tauris.

[6]

 منذ روّج السّيد رشيد رضا عبر مجلته ”المنار“ فكرة أن التصوّف رمز التّكلس والغياب عن المشاركة العصريّة قام عدّة كتاب بدحض مثل هذا التعميم. مثلا محمد عبدالوهاب أصدر كتاب حديثا بعنوان ”التصوف في سياق النهضة: من محمد عبده إل ىسعيد النورسي“ ليدحض تحديدا تعميمات مقولة رشيد رضا. أمّا ما يخص موضوع المتصوفة كقوة فاعلة ليس فقط بتشرّبهم للحظة المدنيّة الرّاهنة بل بخلق توازن بين الأخلاق الذّوقيّة والمدنيّة الماديّة أنظر محمد الزّكري، ” فقهاء متصوفة في محيط من السّلفيّه: الفقه كهوية مفاهِمِيـّة منتجة لهويّات فرعيّة“ ،تحت الطبع.  

[7]

 التّصوّف الخليجي بصفته مشروع شرعي/ذوقي/فقهي/طروقي/معرفي/طقسي يلعب دور محوري في تكوين الوعي الإسلامي ولتشعب الطرح التّصوفي حيث يلتبس على البعض التّصوف الشرعي وظاهرة التّصوف الشّعبي جلب أعين عليه من هذه النّقطة. كثيرا عند الإلتباس بين فرز التصّوف الشرعي عن ما هو سواه تخرج كتب سجاليّة تهدف فقط إلى إلباسا لتّصوف الشّرعي لباس البدعة والضلال. للإطلاع على المزيد إقرأ عبدالعزيز البداح “حركةالتّصوف في الخليج العربي”.

[8]

السيد منتصر حمادة الباحث المغربي من المفكرين القلائل الذين انتبهوا مؤخرا إلى زيارة التّصوف من قبل الكتّاب العرب كمنظومة فكرية ذوقيّة اجتماعيّة بحثا عن بدائل بعد تراجع التوجهات الأخرى حينما نشر في عام 2018مقالته بعنوان “موسم الهجرة الأوروبي والعربي نحو التصوّف”. للمزيد اطلع على المقالة من خلال الرابط 

https://www.hafryat.com/ar/blog/موسم-الهجرة-الأوروبي-والعربي-نحو-التصوّف

[9]

للمزيد إقرأ : 

Clifford, James, (1988), The Predicament of Culture: 20th Century Ethnography, Harvard, USA: Harvard Printing Press.

[10]

ننصح بالإطلاع على:

Giddens, Anthony (1991), Modernity and Self-Identity. Self and Society in the Late Modern Age. Cambridge : Polity.

[11]

تطرق إلى السيد وليام ديفز (William Davies)حول ظاهرة فشل فكرة السّاعدة في الأطروحة الرأسمالية  . للمزيد إطلع على :

 Davies, William (2016), The happiness industry: How the government and big business sold us well‐being, London, England: Verso.

[12]

الكتب في مجال الاستيقاظ الروحي كثيرة جدا أحدهم:

Moody, Harry and David Carroll (1999) The Five Stages of the Soul: Charting the Spiritual Passages that Shape Our Lives, Rider. 

[13]

للحب عناوين عدة. أحد أشهرها هو مولانا جلال الدين الرومي. للإطلاع على سيرة هذا الحب أنصح بقراءة كتاب:

من بلخ إلى قونيه سيرة حياة مولانا جلال الدين الرومي من تأليف السّيد بدیع الزمان فروزانفر وترجمة الأديب السوري السيد عيسى علي العاكوب من إصدارات دار الفكر الدمشقيّة.

[14]

“مثنوى مولانا جلال الدين الرومى من أروع كلاسيكيات الآداب الإسلاميّة، إن لم يكن أروعها جميعًا. وعلى الرّغم من أن النص كتب في القرن السابع الهجرى، إلا أنه لم يفقد جدته؛ حيث يقدم أفكارًا جديده، وإلمامات إلى ما يصادفه القارئ من مشاكل في تعامله مع نفسه ومع المجتمع، وفى سعيه الحثيث نحو التّسامي فوق صراع الحياه ومتطلبات العيش فيما يقرب من ثلاثين ألف بيت من الشعر الراقي. قدم المؤلف من خلال عمله عالمه الخاص، كما حاول صب كل المعارف الإسلاميّة فيه.” (https://www.goodreads.com/book/show/24933568–).

 للمزيد إطلع على ترجمة د. إبراهيم الدسوقي شتا “مثنوي مولانا جلال الدين الرومي” والمنشور في ستة مجلدات من نشر عام  2015المركز القومي للترجمة المصري.

[15]

للمزيد إطلع على: 

Eickelman, D. (1992), “ Mass Higher Education and the Religious Imagination in Contemporary Arab Societies”, American Ethnologist, Vol. 19, no. 4. 

[16]

Eickelman, D. (1999), New Media in the Muslim World: The Emerging Public Sphere, Indiana-USA, Indiana University Press. 

[17]

السّماهيجي، حسين (2012) توظيف التراث الصوفي في الشعر العربي الحديث، البحرين: دار فراديس للنشر والتوزيع.

[18]

ظاهرة المسلمون الإفتراضيون عنوان لكتاب مهم يتحدث عن المجتمعات العربية الرقميّة من تأليف جاري آر-بانت وترجمة علاء الدين محمود ومن إصدار دار سطور الجديدة المصريّة في عام 2011. في عام 2017نشرت جريدة الحياة اللندنيّة معلومات نشرتها مؤسسة “مؤشر” عن الإعلام الرقمي أن السعوديّة إحدى أبرز الدول التي تغذي أخبار شبكات التواصل الاجتماعي في العالم وفي الشرق الأوسط بالتحديد، مؤكداً أن 70 في المئة من موادها تأتي من دول الخليج، مبيناً أن نسبة استخدام الإنترنت في السّعوديّة وصل إلى 70 في المئة، وتعدتها دولة الإمارات التي بلغت فيها النسبة 99 في المئة من إجمالي عدد السكان. للمزيد عد إلى الواصل التالي:

http://www.alhayat.com/article/872516/70-في-المئة-من-مواد-شبكات-التواصل-الاجتماعي-تأتي-من-دول-الخليج

[19]

هذا البرنامج أعد من خلال “النهار نور” وهي قناة إجتماعيّة دينيّة تابعة لـشبكة تليفزيون النّهار. عدد حلقات “قواعد العشق للمحبين” أحد وثلاثون حلقة (31)وهذا الواصل لأول حلقة منها:  https://www.youtube.com/watch?v=vgEDYYg_T6Q&list=PLlLuqtMQeaE4RtBMvR044WMACLpl5ZNRW

[20]

للتعرف على المزيد حول المُغَنّي “زجزاج” إقرأ المقالة ” أخر عنقود فرقة المصريين “الفنان الشاب زجزاج ” : أغنى لإرضاء كل الأذواق والتعبير عن هموم الناس ومنحهم أمل في الحياة”  من خلال الرابط:

http://www.rosaelyoussef.com/news/113515/أخر-عنقود-فرقة-المصريين-الفنان-الشاب-زجزاج-أغنى-لإرضاء-كل-الأذواق-والتعبيرعن-هموم-الناس-ومنحهم-أمل-فى-الحياة

الدكتور محمد الزّكري القضاعي أنثروبولوجي بحريني يعمل في المانيا نال درجة الدكتوراه في علم الثقافة الأنثربولوجية في المجتمعات الإسلامية (دراسة حالة شرق الجزيرة العربية) من جامعة إكستر البريطانية، معهد دراسات العرب والإسلاميات. يهتم ابن الزّكري بدراسة المعرفة في المجتمعات الإسلامية وطرق إنتاج هويّاتها في الخليج العربي. بالإضافة الى دراسة الجماعات “العربيّة/الإسلاميّة” خصوصا المتصوفة ودراسة الأماكن المرتبطة بالمعارف خصوصاً المجالس والحلقات إضافة الى اهتمامه بشبكة الاتصالات بين الجماعات وهياكل التواصل بين الخليجيين وموضوعات التراث والاتصالات الثقافية من منظور أنثروبولوجي.
من مؤلفاته:
الزّكري، محمد (2018)، فقهاء متصوّفة في محيط من السّلفية: الفقه كهويّة مفاهميّة منتجة لهويّات فرعية، تحت الطبع. (لغة إنكليزيّة).
الزّكري، محمد (2014): “التنقيب في الثقافة من خلال الأحلام: المكان، المعرفة والإتصال“، بون-ألمانيا: (لغة إنكليزية).
الزّكري، محمد (2004): ”مداخلات دينيّة بين المتصوّفة والسّلفيّة في شرق الجزيرة العربية: موضوع الهوّية“، إكستر: جامعة إكستر البريطانية (لغة إنكليزية)

تحولات التصوف الإباضي وصيغ تمظهره … قراءة رقم 2

في كتاب التصوف في عمان 

بقلم: د. محمد الزّكري

منذ عام 2016 ونحن في حالة ذهول معرفي غمرنا مذ نشرت مجلة الفلق الإلكترونية ومكتبة الغبيراء كتاب “التصوف في عمان”.[1] كان الكتاب ثمرة مدارسة عميقة بين الاستاذ خميس بن راشد العدوي، السائل، وفضيلة الشيخ الأستاذ أحمد بن سعود السّيابي، المجيب. قد يكون سبب الزوبعة العلمية التي أثارها الكتاب أن المفكرين كشفا لأول مرة عن تصوف إباضي يغيب عن وعي الكثير منا. وكما ذكرت في الجزء الأول من قراءتي لهذين الاستاذين الكريمين ان نتاجيهما النصي انتبه إلى أن للإباضية نهجاً في الأخذ من “التصوف” يناسب المذهب. والأهم على الإطلاق أن الأستاذ السّيابي التفت إلى أمر دقيق حين أشار في أكثر من موقع في الكتاب إلى أن لكل عصر عماني زهديات إباضية تميزه عن تقشفات عصور إباضية أخرى. لذلك عمدت الى تسمية إشارات فضيلة الشيخ السيابي بتمظهرات التصوف عند الإباضية في صيغ سلوك العزابة أو نصوص كتابية أو نصوص شعرية أو أدعية مناجاتية أو الخ.

 الشيخ الأستاذ أحمد بن سعود السّيابي

توظيف اللواح لشعره في قضايا “بيع الخيار”

تطرق الاستاذ السّيابي إلى اللواح، سالم بن غسان الخروصي، (و. 895- 981 هـ) كإباضي ارتبط شعره بملامح تصوفية. ولكن قبل ان تجرنا ذوقيّات اللواح، سالم الخروصي[2]، الى عالم تجاربه الصوفية دعونا نستكشف أهم معالم زمانه.
فعندما كان اللواح طفلا كانت نزوي وبهلا تُداران من قبل السلطان سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني. وعندما عدّى أحد عشر عاما أي في عام 906هـ بويع محمد بن إسماعيل بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل الحاضري القضاعي النزوي اماما. (سالم السيابي، 2001). دامت إمامة محمد بن إسماعيل 36 عاما وانتهت بوفاته في عام 942 هـ. حضر اللواح يوم وفاة الامام محمد مع القاضي عبدالله بن عمر الشقصي لمبايعة ابنه بركات خلفا لأباه إماما الذي حكم الي عام 964 هـ. (البطاشي، 2004). في هذه الفترة تحديدا وقعت الديار العمانية في تجاذبات فقهية حول “بيع الخيار”. فهل كل أنواعه باطلة أم أن بعض أنواعه جائزة وبعض أنواعه باطلة (راجع مادة “الخيار” في موقع مركز الدراسات الإباضية، http://www.taddart.org/?p=1629).

نجد ان الشاعر اللواح لعب دور الناصح للمجتمع النزوي بترك (غير واضح بعض أنواع أو كل أنواع) بيع الخيار [3] الذي عده في شعره من أنواع الربا. إذا نحن مع شاعر يشارك بشكل إيجابي في إرهاصات ومنعطفات مجتمعه. رجل وظف شعره لتأييد موقف فقهي معين لإرشاد مجتمعه للخروج مما كان يراه مثالب “تلبيسات ابليس” في تزيين المعاملات السّوقية غير السّوية.

اللواح وامتداد مدرسة التلميح

أمام كل هذه الهموم التي حملها ضمير الشاعر نجد ان قريحته تتدفق شعرا وجدانيا عميقا يحمل في طياته التصوف الهائم في ملكوت البديع اللطيف. وعند انعطافي للتنقيب عن كثب عن الشاعر سالم الخروصي، رحمه الله، استوقفني لقبه “اللواح” الذي ذكرني بأبيات لابن الفارض (576 هـ – 632 هـ) المتصوف المشهور

وعنى بالتلويح يفهم ذائـــــــق.  غنى عن التصريح للمتعنـت
بها لم يبح من لم يبح دمه   وفى الإشارة معنى والعبارة حدت

مما دفعني لفتح قواميس اللغة فوجدت أن إسم لَوح من مصدر لاحَ / لاحَ إلى، ويشتق منه اللَّوْحُ أي كُلُّ صفيحة عريضة من   خشب أو غيره، فهناك أيضا لَوْح وهي من مصدر لاحَ ومن مشتقاتها لوَّح بالشَّيء في كلامه: لمَّح؛ أشار إشارات خفيَّة. (قاموس  المعاني.

فهل لقبه مرتبط بألواح الخشب او بنهج التلويح الشعري الذي ينتهجه؟ أقدر انه سؤال شاغر يبحث عن دراسة عميقة في هذا الشأن.

بعيداً عن تجاذبات الأسماء ومشتقاتها فهذا ابن الفارض كما وضح الأستاذ شعبان أحمد بدير (2009) قد مال إلى الرمز والإشارة في شعره ونعته ب “التلويح”. وبهذا يضع ابن الفارض عنوان “التلويح” ليشير الي الشعر الصوفي الرمزي. فعليه فان اطلاع اللواح على إرث ابن الفارض أمر بادي وسنثيره لاحقا.
وكما يقول المفكر د. يوسف زيدان في حلقاته التلفزيونية المشهورة “الأولياء” أنه منذ صلب أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج (309 هـ) ومنذ قتل السهروردي (586 هـ) آثر المتصوفة مثل ابن الفارض عدم البوح الجلي عن تجاربهم.
فإذا ما استخدم المتصوف لغة جلية للتعبير عن استلاب وهيام وجدانياته سيصعب على من هو ليس في ذلك الحال من إدراكه. فالتباين في الفهم سبب تراجديات في التاريخ الإسلامي ما زلنا نتحدث عنها. لذلك اتجهوا إلى استخدام لغة تلويحيّة رمزية لا يتمكن أحد أمام غموض هذه الجمل من ان يوجه إليهم تهم الزندقة.

التمظهر الثالث الشعر الصوفي

يبدو لي أن اللواح امتداد لنهج ابن الفارض التلويحي. فهذا هو يجعل من التصوف لغة شعرية تنطق عباراته رموزاً هائمة لا تستطيع تفعيلات الفراهيدي من تقييد ايحاءاتها. ففي قصيدته ” أحن إلى ليلى” نجده يرمز الى الكعبة بليلى. وليلى عشق العاشق واشتياقه ولهفته إليها وهي بجنبه فما بالك إذا ابتعدت؟ إذا هكذا تكون مشاعر المؤمن عميقة بشوقه إلى التقرب إلى الله تعالى والتوجد في ربوع صفاته بدوافع العشق كما كانت عليه رابعة العدوية وليس فقط بدوافع الخوف من عذابه او طمعا بإحسانه.

أحن إلى ليلى وليلى منى قلبي
حنين خماس أو فروق على سقب
ومن لائمي إن ذاب قلبي صبابة
لليل وحق أن يذوب لها لبي
تعلقتها طفلاً وشيخاً ويافعاً
وعشت بها صب الهوى أيما صب
وحسبي بما بي من جوي وصبابة
لليل وحسبي ما شغفت بها حسبي
ومن لي إلى الركب الحجازي أنني
أخو لوعة تعنو إلى ذلك الركب
أقول لصحبي أيمنوا بي إلى الحمى
وعوجوا على وادي العتيق بنا صحبي
يقولون لي ليل الشريفة بينها
وبينك ما بين الركاب على الغبي
وترجو لها وصلاً ومن دون وصلها
تنايف سهب قد أضفن إلى سهب
فقلت لهم أني إلى اللَه راغب
وأسأله وصلاً إلى تلكم الحجب

فكأنما برع اللواح في صقل شعره ليبث رسالة الي المتلقي الإباضي والعربي مفادها أن على أصحاب الأذواق ممارسة رياضة تدبر الحقائق الماثلة خلف الوقائع. بمعنى آخر مثل ما انه دفع المستمع الى فهم ان ليلى اسم ظاهري وأن الله، المضمر الباطني، هو المقصود. هكذا يتعلم المتلقي معنى الظاهر والباطن ويتعلم مقاصد الشريعة وخفايا الحقيقة. ويكون بذلك قد أطلق اللواح نهجاً للشعر الصوفي المتزن يناسب المذهب الإباضي ويناسب الذوق العماني الرصين. وبمثل هذا المقاربات يقول الأستاذ أحمد السّيابي معلقا على زمن اللواح “في تلك الفترة بدأت تصل إلى الفكر الإباضي في عمان علامات التصوف في شعرهم وأدبهم،….” (ص. 38)

جدلية التصوف الشرعي / الفلكلوري

أشار فضيلة الأستاذ أحمد بن سعود السّيابي إلى ظهور انتكاسات في مسيرة التصوف بعد رحيل ابن اللواح عن هذه الدنيا الفانية. حيث تفشت “الشكلانية” الزهدية المتوشحة بزي أهل الفضل مع شيء قليل من العلم والفقه وثوابت الشريعة. على أن هذه الظاهرة التي شخصها الشيخ السّيابي قديمة وليست جديدة. فعلى المحور الشرعي عمل الأوائل من المتصوفة الشرعيون على مقاومة العقل السحري “الأوافقي” “الطلاسمي” الذي كان يؤسس لتصوف شعبي فلكلوري ينافس التصوف الشرعي، فمثلا هذا أبو يزيد البسطامي (ت. 261 هـ) يحذر المتصوفة من الانزلاق في المعتقدات الفلكلورية والأعتقاد بالقدرات السوبرمانية الخارقة ويحث على ضرورة عدم الإبتعاد عن معاقل الشرع ليعمل المسلم بأدواته وينطلق من اراضيه: “لله خلق كثيرون، يمشون على الماء، لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطير، فلا تغتروا به، حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشرع” (“سير أعلام النبلاء”، 13، 88، و”الحلية”: 10/40.). فأغلب متصوفة الجزيرة العربية (خصوصا الإحسائيون) هم بالأصل فقهاء يمثلون شتى مدارس الفقه ويطلبون السلوك علما بأهمية طلبه لذلك تجدهم حريصون على تعزيز التصوف الشرعي ومقاومة التصوف الفلكلوري.

كما يحسن بنا ذكر أن الباحثة في تاريخ التّصوف الدكتورة باربارا ديجورد بينت أن التصوف عندما انطلق في صدر الإسلام كان يجمع بين فهمه الإحساني السّلوكي الزُهدي مع الفقه وعلوم الشّريعة (ص. 34). لذلك لم تقتصر ألقاب الشيخ الصوفي القديمة على تسميات تصوفية، فكما يذكر الدكتور محمد عبد الوهاب أن ألقاب الشّيخ الصّوفي القديمة تشير إلى علو منزلته في علوم الشريعة والفقه. فذكر (مثلا) من بعض ألقاب الإمام الجّنيد ما يلي: إمام الأئمة في الشّريعة، العالم بمودع الكتاب، العالم بمحكم الخطاب، قطب العلوم، إمام الدنيا في زمانه، شيخ عصره، شيخ الطّائفة، إمام الصّوفيّة، تاج العارفين…إلخ” نقلا عن أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد البغدادي (ص. 385.)
وما تحذيرات الأستاذ أحمد السّيابي في هذا السياق الا امتداد لذلك الرشد الإسلامي القديم الملتحم بالشريعة التحاماً وثيقاً ومنفتحاً على السلوكيات الحميدة والتدبرات الروحانية السامية والتي يجب على كل مسلم ومسلمة مراعاته.


التمظهر الرابع التصوف الصّـُحُبي

توقفا المفكران السّيابي والعدوي في كتاب “التصوف في عمان” ليثيرا خبر خلو “التصوف الطـّـُرُقي” [4] من الثقافة الإباضية مع تأكيدهما عن تمكن الجانب السلوكي العام من أخذ موضعه في الثقافة الإباضية. إذاً السلوك أو ما أسمية “التصوف الصّـُحُبي” (وليس التصوف الطـّـُرُقي) هو الذي تمظهر منذ القرن الثاني عشر بين إباضية عمان. هنا يجب علينا البحث عنما
يقصد بالتصوف الطـّـُرُقي مقابل التصوف الصّـُحُبي لكي نستوعب ابعاد ما يطرحه “كتاب التصوف في عمان”.

أولا: ما هو المَعْني بالتّصوف الطّرقي؟ انه ذلك التّصوف المبني على أصل “البيْعَة” ولبْس الخرقة و”السّنَد”.
فمن أساسيات الطـّـُرُقية تقديم عهد “البيّعة”، وهو نوع من التّعهد يتعهد “المريد” الراغب بالإلتزام بحضور مجلس الشّيخ الصوفي لتعلم رياضة الذّوق الصّوفي ومعانيه الرّوحيّة العميقة. بالرغم من أن البيّعة توثّق العلاقة بين الشّيخ والمريد بنوع من الالتزام إلا أنها ليست أصلا صوفي بل ممارسة طارئة طرأت عليه. وبعد البيعة يلتزم المريد بلبس الخرقة أي يرمي على كتفة قماش بلون أخضر أو أبيض إشارة الى مريديته. فالتصوف الطرقي بجزئية البيعة ولبس الخرقة ليس أصلا صوفي.
ولكن هناك قضية جيدة في التصوف الطرقي وهو الإسناد. حيث انه يفترض أن على الشيخ الصوفي أن يمتلك مَسَانيد. والمسانيد سلاسل تربط الشيخ بشيوخه من أتباع طريقة صوفية ما (النّقشبندي/القادري، الخ) وبمن قبله زمانا. كما أن الشّيخ يسند بعض تلامذته بربطهم بما هو تحت يديه من سلاسل مسنديّة تربطهم بطريقة الشّيخ الصّوفيّة (النّقشبندي/القادري، الخ). فالسّند نهج تصوّفي قديم يؤرّخ لعمق جذور التّصوّف التّاريخيّة العابرة عبر الزمن لتصل بالشّيخ المقيم في زمننا بسيد ولد آدم، محمد، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. السّند مهم لأنه يهب الشّيخ مصداقيّة عند جماهير المتصوّفة المهتمة بالسّلاسل المُسْنـَـديّة.

ثانيا: هناك أكثر من خبير في الدراسات الصوفية يؤكد أن الطـّـُرُقية لست فكرة قديمة بل حديثة نسبيا، حيث أشارت مثلا الأستاذة باربارا ديجورد أن التّصوّف القديم لم يقم على علاقة معقّدة من البيّعة ولبس الخرقة الطـّـُرُقية. وأشارت أن فكرة “الطُرقيّة الجّماعيّة” نشأت متأخرة في أفريقيا الإسلامية (ص. 36). في حين ان التصوف القديم قام على نهج الصحبة. صحبة المريد لشيخه بدون الانخراط في طقوس الطـّـُرُقية. بمعنى آخر إن نهج التصوف الصّـُحُبي يمثل بقايا نادرة للنهج الإسلامي التّصوفي القديم جدا. نهج يدغم فيه الفقه (الشّريعة) مع الطّريقة التي تنشر المعارف العرفانيّة الإسلاميّة. نهج لا يقوم على فكرة “الأخّوة الطُرقيّة الجماعيّة” بل على نهج الصّحبة والمُجالسة المفتوحة غير المغلقة.
عليه يمكن ان نختم القول بأن الشيخ من منظور التصوف القديم كان فقيها متصوفا وكانت علاقته مع مريديه قائمة على أسس الصّـُحُبية ولم تقم على أسس الطـّـُرُقية. وكان الشيخ يعلم تلامذته التصوف والفقه والشريعة في ان واحد.
يخال لي أن مثل هذا الذي كان يشير اليه الأستاذ أحمد السّيابي في ص. 46 ارجو ان تمكنت من توصيل الأفكار على خير ما يرام.

انتهى الجزء الثاني

الهوامش
1-

قصة حصولي على كتاب “التصوف في عمان” مرتبط بالكرم العماني المنقطع النظير. فعندما كنت في مدينة نزوى تحدثت مع صاحب مكتبة غاية المراد السيد حمد البوسعيد فبعث بسيارة الى مدينة بهلا وجلب لي كتاب “التصوف في عمان” ثم أصر ان يهديني الكتاب مع مجموعة كبيرة من الكتب وأسطوانات ممغنطة من انتاج مركز غاية المراد للصوتيات والمرئيات وقال لي: تذكر إننا أهل نزوى وأهل عمان نحب الجميع ونتعايش معهم بقيم التآخي والسلام. لا أدرى ما أقول امام هذا الرجل الكبير غير جزاك الله خير يا سيدي وجزى الله كل أهل عمان المباركين الطيبين خيرا وأسعدهم سلطانا وشعبا ببعض.

2-

للمزيد عن سيرة اللواح سالم الخروصي وتحليل اشعاره اطلع على رسالة ماجستير للأستاذ راشد بن حمد هاشل الحسيني بعنوان “اللواح الخروصي سالم بن غسان حياته وشعره”.

3-

في غياب تفاصيل واضحة يرجح الكاتب ان المقصود ببيع الخيار ذلك الذي بغلة. وذلك إذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض؛ ليأخذ غلة المبيع، ونفعه في مدة انتفاع المقترض بالثمن، ثم يرد المبيع بالخيار عند رد الثمن، فلا خيار فيه؛ لأنه من الحيل.

4-

التفت الأستاذ خالد محمد عبدة إلى نقطة في غاية الأهمية مفادها أن الطريقة ليست ضرورية لتحقيق روح ومقاصد التصوف. للمزيد اقرأ “التصوف: ما بعد الطُرقية”.

المصادر:
1-

بدير، شعبان أحمد، ( 2009)، “الرمز الشعري واغتراب اللغة في المنظور الصوفي”، مجلة ديوان العرب،

(أطلع عليه بتاريخ: 25-10-2018)

http://www.diwanalarab.com/spip.php?article19317

2-

البطاشي، سيف بن حمود (2004)، “إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان”،


3-

الجنيد، أبو القاسم محمد (2003)، السر في أنفاس الصوفية، تحقيق عبدالباري داود، القاهرة: دار جوامع الكلم.


4-

الحسيني، راشد بن حمد هاشل (1994)، “اللواح الخروصي سالم بن غسان حياته وشعره”، رسالة ماجستير، المملكة الأردنية الهاشمية : الجامعة الأردنية.
5-

ديغورغي، باربارا (2006)، من الزهد إلى السياسية: تطور التصوف الأخوي، واشنطون: مطبعة الأكادمية الجديدة. (لغة إنكليزية).
6-

السيابي , أحمد بن سعود (2016)، “التصوف في عمان”، مدارسة خميس العدوي، عمان: مجلة الفلق ومكتبة الغبيراء.

7-

السّيابي، سالم بن حمود بن شامس (2001)، “عمان عبر التاريخ”، ط5، عمان.


8-

عبده، خالد (2017)، “التصوف: ما بعد الطرقية”، موقع رقمي: صحيفة شؤون عمانية؛ https://shuoon.om/?p=8323 نظر إليه في تاريخ 12-3-2018.


9-

عبدالغني، محمود (2013)، ”الصوفية والمجالس العلمية في الحجاز الحديث“ في المسبار، التصوف في السعودية والخليج، دبي-الإمارات: المسبار.
10-

عبدالوهاب، محمد (2018)، التصوف في سياق النهضة: من محمد عبده إلى سعيد النورسي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
11-

عبدالوهاب، محمد (2009)، ولاة وأولياء: السلطة والمتصوفة في إسلام العصر الوسيط، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

الدكتور محمد الزّكري القضاعي أنثروبولوجي بحريني يعمل في المانيا نال درجة الدكتوراه في علم الثقافة الأنثربولوجية في المجتمعات الإسلامية (دراسة حالة شرق الجزيرة العربية) من جامعة إكستر البريطانية، معهد دراسات العرب والإسلاميات. يهتم ابن الزّكري بدراسة المعرفة في المجتمعات الإسلامية وطرق إنتاج هويّاتها في الخليج العربي. بالإضافة الى دراسة الجماعات “العربيّة/الإسلاميّة” خصوصا المتصوفة ودراسة الأماكن المرتبطة بالمعارف خصوصاً المجالس والحلقات إضافة الى اهتمامه بشبكة الاتصالات بين الجماعات وهياكل التواصل بين الخليجيين وموضوعات التراث والاتصالات الثقافية من منظور أنثروبولوجي.
من مؤلفاته:
الزّكري، محمد (2018)، فقهاء متصوّفة في محيط من السّلفية: الفقه كهويّة مفاهميّة منتجة لهويّات فرعية، تحت الطبع. (لغة إنكليزيّة).
الزّكري، محمد (2014): “التنقيب في الثقافة من خلال الأحلام: المكان، المعرفة والإتصال“، بون-ألمانيا: (لغة إنكليزية).
الزّكري، محمد (2004): ”مداخلات دينيّة بين المتصوّفة والسّلفيّة في شرق الجزيرة العربية: موضوع الهوّية“، إكستر: جامعة إكستر البريطانية (لغة إنكليزية)

مجالس المتصوفة في مدينة المحرّق

مدخل إلى معرفة عوامل بقاء التصوف الشرعي 

د. محمد الزّكري

باحث بحرينــي

بشكل عام هناك عدّة فراغات معرفيّة تعاني منها دراسات المتصّوفة. قد تكون دراسة كيف حافظ المتصوفة على تواجدهم في الفضاء الإسلامي منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا من أكثر المحاور إهمالا. تخصيص المجلس التصوفي في مدينة المحرّق[1]البحرينيّة [2]بالدّراسة للكشف عن العوامل التي أبقت على أماكن المتصوفة حيّة في المجتمعات الإسلاميّة يعود لأهميّة دور المتصوفة القادمين مع القبائل العربيّة واللذين ساندوا الشّيخ عبدالله بن أحمد آلخليفة (حكم، 1820 – 1843) بجعل المحرّق أحدث عاصمة عربيّة تلد في شرق جزيرة العرب. وثم للأهميّة المضاعفة التي اكتسبتها مدينة المحرّق بعد ما قام الشّيخ عيسى بن علي آل خليفة (حكم، 1923-1869) بتطوير عمران العاصمة بطريقة ذكيّة مما سمح لمجالس المتصوفة، وهي أيضا خليّات معرفيّة تعليميّة، من أن تشارك في بناء هويّة ثقافة المملكة الفتيّة [3]. ومما يزيد دراسة مجالس المتصوفة في مدينة المحرّق أهميّةً أن نشاط متصوفتها له وزن مرموق ومعتبر بين مجتمعات الخليج العربي قاطبة. 

من الناحية البحثية أُخْتِزَلَ في مجالس متصوفة مدينة المحرّق تاريخ التّجربة الإسلاميّة الصوفيّة عندما مرت بمنعطفات ومنحنيات وتجارب صعود وانحدار كتلك التي خاضها متصوفة البصرة والمدينة المنورة وبغداد في صدر الإسلام مما يجعل من المحرّق موقع مهم للباحثين لإجراء بحوثهم لكي ّ يتعرفوا على قدرات متصوفة المحرّق ومن ثم فهم قدرات المتصوفة على مر التاريخ في تجاوز موجة الانحسار الذي شهده التّصوف [4]بشكل عام. 

عليه يسعى هذا البحث من خلال دراسة مجالس المحرّق الراهنة كخليّات معرفيّة أن يميط اللثام عن تلك القواعد الأساسيّة التي يتبعها المتصوفة في إدارة أماكنهم كأماكن عامة يزورها متصوفة وغير متصوفة من عامة المجتمع قواعد خفيّة صانت بقاء التصوف خلال المحن والأهم مكنتهم من الانبثاق بحيويّة بعد كل تجربة بتحويل أماكنهم إلى مجالس جاذبة للجيل الإسلامي الذي تتزامن معه من خلال تفهم متطلباته.

مقدّمة نظريّة حول دراسات المكان وافتراضيّة البحث 

متأثران بشكل غير مسبوق بأطروحات المفكر الألماني يوهان هابرماس [5] قام كل من ديل آيكلمان الأنثروبولوجي الأمريكي  وزميله أرماندو سلفاتور[6]المتخصصان بالدّراسات الإسلاميّة بإعمال نقلة نوعيّة في طريقة دراسة المجتمعات الإسلاميّة. حيث بحثا في ”أماكن“ المجتمع المسلم القديمة والرّاهنة وكيفيّة تحوّلها إلى فضاءات [7]عامة تثير بين الجّماعات خطابات وحوارات تساهم في تطوير مجتمعاتها. أهم ما خلصا إليّه أنّ المجتمع الإسلامي مجتمع يلتقي في أماكن شتّى في مدينته لخوض حوارات معرفيّة ذات طابع ديني واجتماعي وثقافي. أماكن تطلق العنان للمسلم لمراجعة بديهيّات ثقافته ومسلمات عاداته والدّخول في عملية مسائلة يتم فيها ضبط أو حذف أو تعديل ثقافته، مسلماته، أو بديهياته بمقادير متفاوتة. ولاحظا أن الأماكن لا تنتج وعي واحد بل عدة أماكن تنتج عدّة توعيّات متفاوتة [8]، وعليه قالا أنّ الزعم بأن المسلمين ذوي عقليّة واحدة وثابته خطأ ارتكبته الدّراسات الغربيّة في حق فهم المسلمين. هذا البحث الذي بين أيديكم يصبو إلى أن يتفاعل مع التـّطورات المعرفيّة الباحثة في “المكان” [9] ومن الدّفع بها أماما من حيث توقفت أعمال السّيدان ديل آيكلمان وأرماندو سلفاتور. فقد ترك الباحثان فراغات معرفيّة لم يتم إشغالها بأجوبة كافيّة منها؛ كيف يتم المحافظة على استمرار تكثـّـف نوعية من المعارف في مكان ما بمادة معرفيّة خاصة؟ دعونا نعيد صيغة السؤال بشكل يناسب بحثنا هنا 

كيف يبقى مجلس المتصّوفة قادرا على استدامة صون هويـّته، بشقيّه الملموس والمحسوس، ليتميز عن أماكن عامة من مثل المنتديات أو الصالونات الثقافية أو من أن يتميز عن مجالس خاصة من مثل أهل الحديث ومن أهل التّوجهات السّلفية أو من أهل التّفسير دون أن يذوب/يندمج أو من أن يتماهى مع أماكن معرفيّة أخرى في المجتمع؟

ولكي يتمكن كاتب هذا البحث من الإجابة على هذه الأسئلة كان من الضّروري إقحام أفكار المفكر الألماني نيكلاس لومان (ت 1998). وأعني تحديدا أطروحته المعروفة بـ”نظريّة الأنظمة الاجتماعيّة“ والتي توّجته كواحد من أعظم من كتب في علم الاجتماع الحديث[10]. لقد ربط نيكلاس بطريقة ذكية (إن صح التعبير) بين قضية البقاء وعلاقته بالمكان والمعرفة ونهج الاتصال[11]. وفي هذا الإطار تحدث لومان عن ”خلايا معرفيّة“[12]تتموضع في مكان يناسب احتضانها ومن ثم شخّص الشّرطين اللازم توافرهما لتبقى الخليّة المعرفيّة في مكانها دون أن تتفكك أو تذوب في محيطها. الأول ما أطلق عليه “الحدود” والثاني ما أطلق عليه “الاختزال”.

وعن شرط “الحدود” تحدث عن أهميّة أن تُطـَوّق الخليّة المعرفيّة نفسها بحدود أو غلاف مُحْكَم ليس به مسامات أو ثغرات أو نوافذ. غلاف متماسك لا يسمح بنفاذ معارف إليها من البيئة التي تحيط بها أو من خلايا معرفيّه منافسة تقطن في البيئة، فهذا الشرط مهم لكي تحافظ الخليّة على نقاء ما عندها من معارف، أي لكيلا تتلوث بمعارف دخيلة من خلايا أخر. ثم تحدث نيكولاس أنه لا يمكن بناء الحدود إلا من خلال تطوير وضبط وإتقان الخليّة المعرفيّة للغة خاصة بها. لغة غير متجانسة (heterogeneous) مع لغات الخليّات المنافسة لها في البيئة المحيطة بها. لغة تمكـّن أتباع الخليّة من إنتاج معرفة لا يجيد منطقها ومبانيها والتحدث بسلاسة بها سوى أتباعها. 

كما تحدث لومان عن شرط آخر مهم ينظم “علاقة” معرفيّة بين من هو في داخل الخليّة لفهم ما يجري خارج الخليّة وذلك من خلال آليّة سمّاها “الاختزال”. ويقصد بذلك أن على قيادات المعرفة في خليّة معرفيّة ما من إعادة تبسيط كل التّعقيدات المعرفيّة الصّادرة من قبل خلايا معرفيّة منافسة الواقعة في البيئة المطوّقة للخليّة. بمعنى آخر على خليّة معرفيّة ما إيجاد تأويلات مفهومة يفهمها من هم وهن في داخل الخليّة المعرفيّة حول ما يحدث في البيئة الخارجيّة من أحداث وطفرات وخطابات وتطورات مستخدما ذات اللغة والمنطق المفهوم بينهم لتحقيق ذلك الاختزال. وفي حالة فشل عمليّة الاختزال سيدفع ذلك بعض من هم بالدّاخل من استخدام تأويلات مقبولة أنتجتها خليّات منافسة مما سيؤدي إلى تصدّع في جدار الخليّة وفتح في جهة من جهات حدودها ثغرة. وهذه الثّغرة ستضعف تحصينات الخليّة المعرفيّة ويعرضها إلى الانجذاب بقوّة معارف الخليّة المتفوّقة الجّاذبة ومن ثم قد تندمج فيها.

لتقريب ما يقوله نيكلاس دعونا ننظر إلى كيف أن المتصوفة يشيدون حدودهم من مفردات ومصطلحات وتعاريف عرفانيّة لا يعرف معانيها بشكل واضح سوى اتباع الخليّة المعرفيّة التصوفيّة[13]. فكل خليّة معرفيّة تصوفيّة تحصن خليتها المعرفيّة من الاندماج في أهل الحديث أو في أهل التّفسير أو في أهل الفقه أو من الذوابان فيهم بتطويق أماكنها المعرفيّة بلغة خاصة بهم مشحونة بمصطلحات وممارسات وألحان وأناشيد تفهم من قبل أتباع الخليّة ولا تتكثف بهذه الطريقة في أماكن أخرى. 

كما أن الشّيخ عميد المجلس التصوفي يقوم بشكل متواصل برصد كل المستجدات وتوفير تأويلات مستخدما لغة التـصوٌف لشرح وتبسيط لمريديه كل ما يستجد من أمور وتطورات وخطابات يفعلها أهل الحديث أو أهل العلمانيّات أو أهل المدنيّات.

بالرغم من قوة أطروحة نيكلاس والتي سنستخدمها في هذا البحث لكنها تعاني من مثلبة حرجة جدا. ففي أطروحة نيكلاس نجد أن فكرة تطويق الخليّة المعرفيّة بغلاف صلب مشيّد من مصطلحات غير متجانسة مع خلايا معرفيّة أخرى تقطن البيئة المحيطة بها وذلك لصون بقائها يعني عمليّا وفعليّا وواقعيّا أنها مع فعل الزمن ستتقادم وستتكلس وستفقد لياقتها اللازمة لتتعاصر مع متطلبات أزمنة متواليّة متغيّرة. مما دفع بكاتب هذه المقالة إلى الانضمام إلى أفكار الفريق العلمي الذي يقوده الألماني بيتر ميسبرجر[14] ت.2017 

خصوصا تلك الأفكار التي وردت في مقالته الموصومة بـ ”التكثّف المكاني للمعرفة“. تحديدا النقطة التي أثارها بيتر ميسبرجر حول أهمية إتقان لغة متجانسة (homogeneous) ضروريّة لكي تقوم أي خليّة معرفيّة باستخدامها كلغة كونيّة مشتركة يستخدمها أعضاء كافة الخلايا المعرفيّة فتسمح لأتباع خليّة معرفيّة ما من التّحدث والاتصال والتّواصل من خلالها مع أتباع خلايا معرفيّات أخر.

فبإتقان لغة مشتركة مفهومة تُمَكن، على سبيل المثال، الصّوفي من التّحدث مع أهل الحدّيث، الفقه، العلمانيّة، المدنيّة، الليبراليّة مما يتيح لأتباع الخليّة التصوفيّة فرصة بناء جسور تعايشيّة تصالحيّة مع خليات أخرى. فبدون لغة مشتركة ستتقلص قدرة الخليّة المعرفيّة من إقامة حججها وجدليتها المعرفيّة بشكل بياني مفهوم لمنتمون إلى خلايا منافسة مما يضيع عليها فرص تجدّد حيويتها ومن مشاركتها الوقتيّة الآنيّة بشكل فعّال في البيئة المحيطة بها. فقدان المشاركة هذا سيؤدي إلى تصدّع في حدود الخليّة مما يعرّضها تدريجيا إلى الذّوبان. عليه فإن إضافة تعديلات الألماني بيتر ميسبرجر مهمة لتكملة أطروحات نيكلاس.

هدف البحث 

بعد تبلور الأطروحة النظريّة وفرضيات البحث يتضح لنا ما يجب أن يحققه البحث وهو

 هل مجلس متصوفة مدينة المحرّق البحرينيّة مكان تمكيني يمكن روّاده ليخوضوا تجارب تبتدأ في المكان الصوفي ومن ثمّ لتحلقهم في فضاءات جديدة؟ مشتقة من أسئلة ديل آيكلمان وأرماندو سلفاتور

هل مجلس متصوفة المحرق مكان معرفي[15]يمكّن مُرِيديه بالتّحدث بلغة خاصة بهم ذات رموز وإشارات عرفانيّة تسمح لهم بتشييد خليّة معرفيّة خاصة بهم وتمييزهم بمُهَوِّيآت هَوِيـّاتيـّة تكون لهم علامة فارقة عن بقيّة المجتمع؟ مشتقة من أسئلة نيكلاس لومان

هل الشيخ/أعمدة مجلس متصوفة المحرق يقومون بإختزال التّعقيدات المحيطة بهم بشكل متواصل وذلك برصد كل المستجدّات وتوفير تأويلات مستخدمين لغة التّصوف لشرح وتبسيط لمريديهم كل ما يستجد من أمور وتطوّرات وخطابات يحدثها أهل الحديث أو أهل العلمانيّات أو أهل المدنيّات؟ مشتقة من أسئلة نيكلاس لومان

هل أجاد مجلس متصوّفة المحرّق تدريب أتباعه بالتّحدث بلغة مشتركة تمكنهم من خوض حوارات تعايشيّة / جدليّة بلغة يفهمها أتباع الخليّات المعرفيّة الأخر (من أهل الفقه، الحديث، التفسير، العلمانيّة، المدنيّة، اللادينيّة، الإجتماعيّة، الإقتصاديّة، السّياسيّة)؟ مشتقة من أسئلة بيتر ميسبرجر)

المنهج التطبيقي

قمت بمعاينة منازل شيوخ التّصوّف في المحرّق عدّة مرّات عند ضُحيّات النّهار وأخرى تحت سَجِيّات الليالي وذلك خلال الأوقات العاديّة التي لا تشهد مناسبات صوفيّة. ولتقليص حجم البحث قرّرت التّركيز على منزل الصّوفي الشّيخ راشد الـمُرَيْخِي لما له من سُمعة مشهورة عند أهل التّصوف في البحرين وفي جزيرة العرب وفي مصر وفي الهند. 

مجلس المتصوفة كحلقة اتصال 

ولا بد ابتداءً من الإشارة إلى أن هذا البحث يعتبر المجلس المكان التصّوفي المادّي الأهم[16]مَوْضِعاً في دورات الحيّاة التي تجمع بين طبقات المتصّوّفة وعامة النّاس. فمجالس المتصّوفة تجويفات جدرانيّة بين ثناياها يُعَمّر روّادها ذوقا وفقها. ومن أهم عُمّارها راعي المجلس الشّيخ (المُضِيْف)، شيخ آخر زائر، المريد (طلبة الشّيخ الباحثين عن: تزكيّة أنفسهم، وترقيّة أذواقهم، وعن أجوبة لأسئلة عقليّة وروحيّة وفلسفيّة وفقهيّة وحياتيّة)، وعامة النّاس. فالمجلس التصّوفي مَكان تَـمْكِيني. فيه يَتَمَـكّن وَعِي رَاعِي المجلس أي الشّيخ (المُضِيْف) من التـقاطع مع وَعِي شتّى فئات الزّوار. فهو مكان تواصلي يُمكّن عمليّة الاتصال والتواصل. اتصال الشّيخ بالشّيخ، الشّيخ بالمريد، المريد بالمريد، الشّيخ بعامة النّاس، المريد بعامة النّاس، وعامة النّاس بعامة النّاس.

المجلس ينطلق من المسجد في ليالي مناسبات الذّكر العام

في ليلة حلق الذّكر مع أذان صلاة العشاء يخرج الشّيخ راشد سيراً على الأقدام قاصد المسجد الذي يبعد قرابة الـ 200 مترا عن منزله. في تلك الليلة يكون المسجد عامراً بالمصلـّين الرّاتبين عليه من أهل الحارة، وبمصلين زائرين يتواجدون في تلك الليلة خصّيصا لحضور مجلس الشّيخ راشد. هنا يقوم الشيخ راشد بالتّأسيس للتصوّف الشّرعي المتوشح برداء الفقه (المالكي في حالة الشيخ راشد) أمام كل الحضور من خلال إلتزامه بالصّلاة في المسجد وبسننها وفي هذا ترسيم لمَلمَح مهم من ملامح التصوّف المحرّقي وهو يلعب دور قيادي في تكوين الهويّة الإسلاميّة الشرعيّة. 

بعض إتمام صلاة العشاء يعطي الشّيخ راشد الحضور فرصة لأداء سُنن صلاة العشاء ومن ثم يُشْهِر البدء في نقل المسّجد من مكان لأداء الصّلوات الرّواتب إلى مكان لتلاوة القرآن. فيعطي الإشارة لأحد طلبته بالشّروع في تلاوة آي من الذّكر الحكيم. وفي هذه اللفتة يؤكد التّصوف المحرّقي إرتباطه المتين بالقرآن كأول وأهم صور الذّكر. وفي كل هذه النقلات فإن الشّيخ لا يؤكد فقط على تمسك الطرق الصّوفيّة المحّرقيّة بالشّريعة بل إنه يرد على كل الهجوم الذي يتلقّاه من أتباع الفرق الدينيّة المناوئة له حول مدى شرعيّة التّصوف[17]. بمعنى آخر هو يوفر أجوبة لأتباعه؛ من أننا أتباع الشّريعة، فلا يزعجكم ما تسمعون حولنا. أي إنه إختزل التعقيد الهآئل من الكتب والخطب التي تَصِمُ التّصوف بشتى التّـقييمات السّلبيّة برد بسيط وهو الصلاة الراتبة وتلاوة القرآن في كل لقاءاتهم. 

فالشّروع بالذّكر

وبعد نقل المسّجد إلى مكان لتلاوة القرآن يقوم الشّيخ بنقله تارة أخرى إلى مكان” رَوْضِيّ” من رياض الجنّة، قائلا بصوت مسموع: عن أنس رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ” إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا ” قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: ” حلق الذكر ” (رواه الترمذي. 

هنا أيضا ليس عرضا إنتقاء هذا الحديث لإعلان إنطلاق الشروع بطقس الذكر. فمتصوفة المحرق يردون أيضا على من لا يوافقهم على ممارسة الذكر في حلقة بالربط بين ما يمارسونه وبين ما ورد في الحديث الشريف من لفظة ”حلق الذكر“. وفي هذا أيضا يكون إختزال للتعقيدات المحيطة بالتّصوف بلغة بسيطة وسهلة يفهم إشاراتها أهل التّصوف.

ويقول الشّيخ راشد:

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تقوم السّاعة حتى لا يقال في الأرض الله الله. (رواه الإمام أحمد).

وفي هذا الحديث أيضا ينتج متصوفة المحرّق التـّبرير الشرعي بإفراد ذكر لفظ الجلالة ”الله“ في أذكارهم وهم بذلك يردون على كل من أنكر عليهم صيغة الإفراد. بل هم يذهبون في إشارتهم، التي يفهمها المتصوفة، إلى أبعد من هذا. فهم كأنهم يـُمَنّون أنفسهم بأنهم أهل التّعبد بلفظة ”الله الله“ وأنهم المعنيون في الحديث الشّريف وأنهم سيكونون آخر من يبقى على وجه الأرض يتعبد الله حتى أن تقوم الساعة. هكذا يدُقّ متصوفة المحرّق وتد انتماء في الأرض المحرقيّة لا يزول إلا بزوال الكرة الأرضية ذاتها، أي حين قيام السّاعة. 

وبعد ذلك يشرع معظم الحضور بالتـحلق حول الشّيخ راشد على شكل دائرة. هنا ومع مرحلة الذكر يتحول المسجد إلى مكان يُـمَـكّن لحِضَانة علاقة جديدة. فكلنا يعلم أن الصلاة تنظم أجساد المصلين في نسق خطي صفي من إمام ومأموم وهذا مهم لتنظيم المجتمعات. أمّا في حالة حلقة الذكر فإنها تنظم أجساد الذاكرين المنتمين إلى كافة البيئة (من متصوفة وغيرهم) في نسق دائري. سلسلة بشريّة كل فرد فيها نقطة من نقاط الدائرة. كل نقطة مهمة لإكمال الدائرة، ولكونها دائرة فلا يوجد فيها رئيس ولا مرؤوس. فلا يوجد في الدائرة سوى مركز واحد أبدي وكل القلوب تشتاق إليه بذكره، الله. والبقية لا يَعْدَوْن سوى طوّافون حول المركز. 

ففي الدائرة لا يعدو الشّيخ سوى كونه واحد من النّاس وهذا نوع من أنواع الإنكسار حيث يمارس الشّيخ سلوك إكسَار لذاته وهنا يتعلم المتصوفة أهمية الإنكسار وكبح جماح حب الذات. الشّيخ من كونه إمام في نسق خطي وقت الصلاة يتحول إلى منسق مندمج مع المريد في نسق دائري وقت الذّكر. فالشّيخ يردد مع أفراد الحلقة كل أوراد الذكر مِثْلَه مِثْلَهِم مع إختلاف طفيف حيث يقوم الشّيخ بإعلان بدأ النشاط تلو الآخر. 

حلقة الذكر يتكشّف فيها ملامح “الطّريقة” حيث يمارس إقامة الذّكر لله في كيفيّتين في نفس الجلسة. حيث يجمع الشيخ راشد بين الصّيغة السّريّة (النّـقشبنديّة) والصّيغة الجّهريّة (القادريّة). فعند أداء الذكر السّرّي يقول الشّيخ (مثلا): “سبحان الله” مئة مرّة، فيصمت هو والحضور للإتيان بالتّسبيح سرّا مئة مرة. كما يمارس الشّيخ راشد الذّكر الجّهْري بأن يقول (مثلا): “لا إله إلا الله” بصوت مسموع للجميع ثم يردد مع الحضور الجّهر بالتّهليل. الحركة بين الجّهر والسّر تُعَلـّم المريد أن المتصوّف في جهره يجهر بذكر الله وفي خلواته وصمته يُسِّر بذكر الله. يتعلم المريد الإستقامة عندما يقيم في مقام إسم الله “الظّاهر” ويتعلم الإستقامة وهو يقيم في مقام إسم الله “الباطن”.

المراوحة، من ناحية، بتحويل المكان من مكان لأداء الصّلوات الراتبات إلى مكان لتلاوة القرآن الكريم وثمّ إلى مكان لفِلاحة رياض الجنـّة ومن ثمّ إلى مكان لتشييد حلق الذكر، وبالمراوحة، من ناحية أخرى، بتحويل المكان من مكان أشبه بخَلوة عامرة بذكر سرّي لله تعالى إلى مكان جماهيري يضج بالجّهر بذكر الله، هي مراوحات مهمة جدا لكل من الشّيخ والمريد وعامة النّاس. 

فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الحكيم. “إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي “ سورة طه، آية 14. كما أن الله سبحانه وتعالى يقول في قرآنه العظيم: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ “ سورة العنكبوت، آية 45. 

فالمراوحات الذكريّة والصلاتيّة هذه في المسجد مهمة جدا حيث يتعلم المريد أنه كمتصوف قد امتثل بما ورد في القرآن أكثر من بقية الجماعات فهو بسلوكيّاته الشّرعيّة/الطرقيّة أقام الصلاة وتلى القرآن وتحلق في رياض الجنّة بممارسة الذّكر. فالمسجد ينكشف رويدا رويدا في وعي المريد ليس كمكان ذو تمكين واحد بل كمكان ذو عدّة تمكينات. فهو مكان صلاة ومكان قرآءة قرآن ومكان ذكر. كما يتعلم المتصّوف لغة تخصه من خلال طقس الذّكر بكل ما تحمله من سلوكيّات ومفردات وممارسات. يتعلم المتصّوف أن له طقس يميزه عن بقيّة المكونات الدينيّة والمجتمعيّة.

أيضا يتعلم المتصّوف معنى الفضاء. يحصل هذا عند إنتقال المسجد من كونه حيز مطوق بحدود المكان إلى فساحة ورحابة الفضاء الرّوحي غير المحدد بحدود. فيدرك المتصّوف أن المكان ليس إلا نقطة الإنطلاق إلى مجالات فكريّة وروحيّة وسلوكيّة وذوقيّة ذات فضاء واسع ليحتوي كل التّمددات الإنسانيّة المتصوفة.

المجلس التصّوفي كمكان عام 

بعد الإنتهاء من الزّمن المقدّر لتواجد الشّيخ راشد الـمُرَيْخِي مع مُرِيدِيه ومع عامة النّاس في المسجد ينهض الشّيخ وينادي بصوت مسموع قائلا: تفضلوا معنا إلى المجلس. ومن ثم يوجه دعوات لإناس بعينهم قائلا: يا فلان ويا فلان ويا فلان تفضلوا معنا. فيخرج الشّيخ وقد يسبقه إلى المجلس من هم أسرع وأنشط منه. كما ذكرنا انفا كل من هم في مرمى إبصار المنزل ستوقض إضاءاته حاسة البصر لديهم. كما أن الإبقاء على بوّابة المنزل مشّرعة على مصاريعها رمزا يحمل في طياته إشارة الترحيب بالخطّار العابرين دونه. وكما أن طيب العود المحتبسة في تجويف المجلس تخبر بلغة حاسة الشّم أنهم في إيوان شيخ يكرّم زائريه بأطايب الطيب. 

في ليالي الذكر مدخل منزل الشّيخ والممر المؤدي إلى المجلس وإيوان المجلس يكتسب لبضع ساعات مقومات ”مكان عام“. فهو حينها يستقبل في تجويفاته أي إنسان من عامة الناس، سواءا أكان معلوما لدى الشيخ أو لم يكن معروفا. يكاد لا يخفى على الضّيف أن يلمح لوحة كـتب عليها: “اسعد قلبي بالصّلاة على النّبي، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا”. مباشرة عند الدّخول يشاهد الوافد أنه في مجلس مشحون برسائل غير لفضيّة عديدة. فجدران المجلس مليئة برفوف خزانات الكتب. وعلى تيجان الأعمدة وفوق صناديق خزانات الكتب وضع الشيخ إطارات عديدة تعرض صور لشيوخ يعتز المجلس بأن الشّيخ المريخي يرتبط بطريقة ما بهم. فقد يكون الشّيخ راشد تلقى العلم على يدهم، أو إنهم شيوخ شيوخه، أو أنه لاقاهم في مجالس زارها، أو أنهم زاروه يوما ما في مجلسه.

 مقاعد المجلس فصّلت خصيصا لتجاري انحناءات جدرانه غير المستقيمة. ولبست وسائد المقاعد ومساند ظهورها بقماش يعكس الذوق العربي. حيث أنها أقمشة مستوحاة من رسوم وتطريزات وألوان السّدو البدوّي المشهور عند أبناء جزيرة العرب. أرضيّة المجلس مغطـّاة بسجاد صناعي بلون أخضر نباتي. يجلس الشّيخ في قصبة المجلس. وهو أبعد نقطة من الباب ولكن تقع في قبالته. فكل داخل يلمح الشّيخ مباشرة ويلمحه. علما أن هناك اداب أو قواعد ذوقيّة عرف بها أهل المحرّق بشكل عام وأهل التّصوّف بشكل خاص تنظم سلوكيات الدّخول والمُكث والخروج من المجالس المحرّقيّة. ففي الفقرات التّالية سنختصرها لأهميّتها.

بعض أداب المجالس

أداب الدخول

نظراً لمحدوديـّة مساحة المجلس وامتثالا لآية المجالس في القرآن الحكيم: ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)“ سورة المجادلة، فإن المجلس الصّوفي يـُنَظـّم عمليّة تدفّق الزّائرين من خلال توافق جماهيره على مجموعة سلوكيات تبرز عند الدّخول والجـّلوس والتـّوسعة والخروج في إطار قواعد ثقافية تؤطر لحسن الأداب الجَـمَعيّة.

هناك أكثر من طريقة يتّبعها الزّائر عند دخوله المجلس. أكثرها شيوعا هو أن يرفع الزّائر صوته، عند الدّخول، مؤدياً تحيّة السّلام لكافة الحضور. ثم يقصد الشّيخ (راعي المجلس) ليصافحه مسلما عليّه، ثمّ يتبادلا إستفساراتهما عن أحوال بعضهما. بعد ذلك يصافح مسلما على شيوخ آخرين وعلى كبار روّاد المجلس الجـّالسين عن يمين وعن يسار عميد المجلس، الشّيخ. ومن ثم يبدأ بمصافحة من هم على يمين الشّيخ فردا فردا حتى يكمل دورة طوافه مصافحا كافة الحضور مما يعني أنه عندما يعود إلى يسار الشّيخ يكون قد فرغ من مصافحة كافة الحاضرين. بعدها يطلب الشّيخ من الزّائر، إذا كان يريد مواصلة الحديث معه، من الجلوس قريبا. هنا يقوم من جلس بالقرب من الشّيخ سابقا بمبادرة طيبة وهي الإنتقال الطـّوعي إلى أطراف المجلس تاركا مقعده للزائر حديث الوصول ليتمكن من التّحدث مع الشّيخ دون الحاجة إلى رفع صوته. قد يقول له الشّيخ، تأدبا، للضيف المتطوع بإخلاء مقعده إبقى هنا ولكنه يعلم أن عليه تفريغ مقعدة للضيف حديث الحضور. مجلس الشّيخ راشد هو مجلس يسمح لمن لم يخض تجربة الإنكسار من أن يمارس السّمو بالجلوس في مكان يعتقد النّاس أنه سامي. ولكن هو أيضا مكان ترويضي يروض النّفس على التنازل من إدعآد السّمو. مكان المتصوّفه مكان يكتسب فيه مريده آلية التّـفاسح وسلوكيّات الإفساح. حركة يجد فيها الزّائر الأحدث مكانا ما ويجد فيها الزّائر الأقدم مكانا آخر مما يتيح له التّواصل بشكل حميمي مع الأقرب إلى ميمنته وميسرته ومن ثم ينتقل إلى كرسي آخر فيتواصل بشكل حميمي مع مجموعة أخرى وهلما جرى. 

إنها آلية تبادل مواقع الجّلوس تحمل بين طيّاتها معاني الذوق الرّاقي من ناحية ويسمح بأقصى درجات الاتصال مع أفرد المجلس. والأهم أنه ثقافة يعمل به أهل البحرين في كافة مجالسهم العامة ولكنّها تتكثف في مجالس المتصوفة بشكل ملفت للنظر. وهذا يعني أن المتصوّف يدير أماكنه العامة من خلال ثقافة مشتركة ولا يفرض ثقافة مبهمة على رواده الذين ينتمون إلى خليّات معرفيّة أخرى.

تفاعل المجلس الصّوفي مع الواقع

مجالس المتصوفة لا تنفصل عن الواقع المــُعَاش. فالمتصوّف كما قلنا آنفا هو “إبن زمانه”. وإبن الزّمان لابد له من التفقه بواقعه الرّاهن. وجرْيا على منهج مُعلـّمه الشّيخ محمد يعقوب حجازي[18](ت 1996) يستهل الشّيخ راشد مجلسه بإعطاء فرصة البدء لروّاد مجلسه من طبقة عامّة النّـاس. الخبرة التّراكمية التي يتمتع بها عميد المجلس، الشّيخ راشد، ودِرَايَتِه بميولات زوّاره وفراسته في إستبصار ملامح الرّغبة في التّحدث تدفعه إلى إستفتاح الحديث بإستئثار ذلك الزّائر من بين عامّة الحضور. قد يكون صياغة الإستفتاح: نعم يا فلان هل من جديد في الأمر الفلاني؟ فيفهم الزّائر أن الشّيخ أعطاه إشارة الإذن ببدأ إنطلاق الحديث العام. 

كما قلنا فإن روّاد المجلس بكونهم ينتمون إلى خليّات معرفيّة متعددة يثيرون قضايا متعددة. قد تكون سياسيّة، اقتصاديّة، إجتماعيّة، مذهبيّة مما يسمح للشيّخ ولمريديه من أهل التّصوف أي سكّان الخليّة الدائمين من الاطلاع على حجج خلايا معرفيّة عدة وذلك بالتّعرف على عوالم تقع خارج أماكنهم. هكذا يبدأ مجلس المتصّوفة كمكان مختلف عن مكان المسجد بتَمْكينَات لرواده الخاصين والعامين بتوسيع اطّلاعهم ومن تبادل المعلومات فيما بينهم. 

فالمعلومة من خليّة أخرى اختلاف يوعّي المتلقي المتصوف بوجود طرق عدة للعقل ولرؤية العالم. ومن ثم يختزل الشّيخ راشد ما ورد إليهم من معلومات ومستجدات تحمله البيئة الاجتماعية المحيطة بمجلسهم بمقاربة ما يَسْتَجِد من طواريء الأمور بإستعارة مصطلح مناسب من مصطلحات التصوف لوصف الأمر المهم بلغة يفهمها روّاد المجلس.

يتمكن المتصوف في هذا الفضاء الاتصالي أيضا من النّزول من معَالي المثاليّات إلى تدبّر مواقع المعاشات في عالم الدنيا. ففهم الدنيا ومجريات أحداثها فاتحة العلم بكيفية الأخذ بالأسباب. ففي المجلس وبعد طول نقاش يتعلم المستمعون أن بعض الأسباب يُرْفَضْنَ مع شرح لما هن أسباب غير شرعيّات. في حين تحظى بعض الأسباب الأخريات بموافقة أصحاب الحكمة والمشورة والدّراية على أنهن أسباب صالحات وجائزات فقها وشرعا. المريد يتعلم “فقه الواقع” ويتعرف على رجاله وممثليه ممن يترددون على مجلس الشّيخ راشد كجزء من كونه متصوف مطلوب عليه من أن يكون “ابن زمانه” لذلك فإن استقبال هذا الكم الهائل ممن هم ليسوا بمتصوفة لا يذيب التّصوف بل يعززه فتكوين صداقات مع أفراد متعاطفين مع التصوف وإن كانوا من خارج دوائره يكشف للمتصوف عن أحوال النّاس لكي يخدمهم خدمة تناسب مقامهم الذي هم فيه. 

مداخلة الشّيخ راشد مع أفراد ينتمون إلى خليّات معرفيّة يعني أن الشّيخ راشد يتحدث معهم من خلال إستخدامه لغة مشتركة. لغة ليست منغمسة في مصطلحات يجيدها فقط الشّيخ راشد بكونه صوفي، وليست بلغة إقتصاديّة أو سياسيّة أو ليبراليّة يجيدها من ينتمي إلى خليّاتها المعرفيّة. بل إنه يتحدث لغة عامة تسمح بالتّواصل بين صوفي ومع ليبرالي أو مع أهل الحديث أو مع أهل الإقتصاد أو مع أهل السّياسة. هذه اللحظات المهمة في مكان إسمه مجلس متصّوفة المحرّق تمكن مريده من إدراك أهمية هذه اللغة المشتركة ومن استخدامها لبناء جسور تعايشيّة تصالحيّة مع أفراد ينتمون إلى خلايا معرفيّة مختلفة ومتباينة.

إندماج أهل الواقع بعالم الحقائق

لا يقتصر مجلس المتصوفة وهو في حالته كمكان عام منفتح على كل الـجّماهير على مجرد فتح عقول وقلوب روّاده للتعايش مع الواقع. بل هو، ومن خلال تصالحه مع من ينتمون إلى خليّات معرفيّة متفاوتة يمكن زوّاره من التحليق في فضاء الذّوقيّات والرَوْحانيّات. فبعد تحول المكان إلى مكان يعج بالكلام والعقل والدنيا لردهة من الزمن يشير الشّيخ راشد إلي أحد أصحاب الأصوات المتقنة إلى تلاوة آي من الذكر الحكيم. القرآن الكريم يهيئ مزاج الحضور ليتحولوا من عالم الكلام إلى عالم الكتاب (القرآن). وسرعان ما يتحول المكان إلى مكان صوتي عندما ينشد الشّيخ قصيده تصوفية. عادة يشارك من يرى رغبة من الحاضرين بترديد البيت الأول أثناء وصلة الترديد. 

مع تداخل أصوات من ينتمي إلى خليات معرفيّة أخرى مع أهل التصوف من خلال ترديدهم للبيت الأول للقصيدة المغناة يحصل حالة من الإندماج والتّوعي لأمور روحانيّة تخالج مخيلة وتلامس نفسية كل مشارك بشكل ما لا يعرف طبيعته على التحديد أحد سوى كل ذات بذاتها.

كما يشعر الحاضرون من عامة الناس ومن أهل التصوف بأخوّة صوتيّة لفْضِيّة نتيجة إشتراكهم في حلقة ذكر مشتركة. بمعنى آخر فإن المجلس الصّوفي يـُمكـّن عمليّة اندماج تدمج الحضور في بوتقة الأخوّة. وبعد هذا الإندماج مهما طال الزمن سيبقى كذاكرة مرتبطة بالمكان. وسيتحول مجلس الشّيخ الصّوفي إلى جزء من الذّاكرة المشتركة التي تؤهل لعمليات مستقبليّة من الإندماج. وهذا أعلى رتبة من مجرد التعايش بين مكونات منفصلة.

الطعام والمشروبات 

مجلس المتصوفة يحتفظ بكرم يميز المكان بطريقته الخاصة. فهو مكان لا يقدم القهوة والشّاي ولا صحون الفواكه والحلوّيات وبعض الطعام إلا عند انتهاء طقس الذّكر والإنشاد. 

فهو من ناحية معقول وهو من ناحية من الأدب. فمن المعقول ألا يشغل المرددون أفواههم بالأكل أو الشراب إذا ما أرادوا المشاركة في ترديد بعض الأبيات مع المنشدين. كما أنه من الأدب أن يتناولوا الطعام عند الإنقضاء من جميع النّشاطات في المجلس. يقوم أحد المتطوّعين بحمل دلّة القهوة، المصبّ، المعالجة بأطيب البهارات من هيل وقرنفل وماء ورد بتقديم القهوة بصبّها في فناجين إبتداءا من يمين الشّيخ إلى يساره. وتصب القهوة بالعادة ثلاث مرات بكميّات قليلة وهذا الذي تسميه عرب الخليج ب “قهوة كيف”. كما يقوم صبّاب القهوة بوضع فناجين القهوة في إناء صغير يسمى ”المَلّة“ به ماء لغسلها. خلف صباب القهوة يقوم شخص آخر بندل الشّاي من دلّة الشّاي في أكواب الشّاي وتسمى ”إسْتِكانَه“. بعد تناول الشرابات الدافئة يقوم المشرفون على برنامج إكرام الضّيف في المجلس بتوزيع شيء من الطعام وتسمى ”خفايف“. وبعد ذلك تقدّم الفواكه والحلويّات وعادة ما يعاد تقديم القهوة كختم المسك. في هذه المرحلة ومع الأكل يتحول المجلس إلى مكان صالة طعام يضم الأحبّة والأصدقاء. فمع شرب القهوة والشّاي وبعد ذلك تناول بعض الطعامات تزداد المودّة والمحبّة بين الحاضرين. خصوصا بين عامة النّاس وبين أهل التّصوف. السّلوك الذّوقي المَحلّي يكشف عن معدن المُحرّقيين العربي الطيب والذي هو مفخرة لعراقة أهل البحرين الأصيلين. 

 الخليّة المعرفيّة التصوفيّة بتوظيف الطّعام كوسيطه من وسائط التـواصل الجميل في لحظة الختام وليس في لحظة الإنطلاق له فعل خفي مهم. فكما قرأنا سابقا أن المجلس الصوفي كمكان عام يجذب أفراد ينتمون إلى خلايا معرفيّة متفاوتة لكل خليّة لغة ومنطق خاص بها فمن المحتمل أن يسبب التّعبير الشفهي لشخص ما حول موضوع ما شيء ما في نفس شخص زائر آخر ينتمي إلى خليّة معرفيّة لها نظرة مغايرة. فالطّعام عند الختام له فعل قوي بتهدئة النـّفوس التي لم تتعود على أجواء ثقافة التّعدد والتـّنوع الخطابي الذي يتيحه المكان التصّوفي.

أدب الإنصراف وإعادة صفة حرمة الخاص على منزل الشّيخ 

مع إنتهاء تناول الشرابات والطعام قد يبقى بعض الخاصة لخوض أسئلة فقهية تشغل بال خاصة الشّيخ من مريديه وطلبته. ومن خلال التحدث بصوت منخفض يسمعه الجالسون في محيط ضيق تنطلق حوارات خاصة. هنا قد يبدأ بعض الحاضرين بمصافحة الشّيخ راشد منصرفين إلى منازلهم. وهكذا يَنْسَـلّ بأدب روّاد المجلس. ويستمر الإنصراف حتى آخر ضيف عندها يُغْلَق بوّابة المنزل وباب المجلس إيذانا بتحويله من مكان عام إلى مكان خاص. 

 الجماعة الطُّرُقِيّة والفرديّة الطّقُوسِيّة بين الشريعة والفلكلوريّة 

لا يمكن فهم قدرة مجلس متصوفة المحرّق على صون خليّـته المعرفيّة للتعامل مع مستجدات البيئة المحيطة به دون التطرق إلى دينمكيـّاته المحوريّة كمكان “شرعي” وكمكان “طريقة” وكمكان تتكثف فيه المعارف الصّوفيّة تحت مسمى “الحقيقة”.

على المحور الشرعي فقد قاوم الأوائل من المتصوفة الشرعيون العقل السحري الذي كان يؤسس لتصوف شعبي فلكلوري ينافس التصوف الشرعي فمثلا هذا أبا يزيد البسطامي يحذر المتصوفة من الانزلاق في المعتقدات الفلكلورية: “لله خلق كثيرون، يمشون على الماء، لا قيمة لهم عند الله، ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطير، فلا تغتروا به، حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشرع” (“سير أعلام النبلاء”، 13، 88، و”الحلية”: 10/40.). فأغلب متصوفة شرق الجزيرة العربية هم بالأصل فقهاء يمثلون الفقه المالكي، الشافعي والحنفي لذلك تجدهم حريصون على تعزيز التصوف الشرعي ومقاومة التصوف الفلكلوري.

كما يحسن بنا ذكر أن الباحثة في تاريخ التّصوف الدكتورة باربارا ديجورد تبين أن التصوف عندما انطلق في صدر الإسلام كان يجمع بين فهمه الإحساني السّلوكي الزُهدي مع الفقه وعلوم الشّريعة (ص. 34). لذلك لم تقتصر ألقاب الشيخ الصوفي القديمة على تسميات تصوفية فكما يذكر الدكتور محمد عبد الوهاب أن ألقاب الشّيخ الصّوفي القديمة تشير إلى علو منزلته في علوم الشريعة. فذكر (مثلا) من بعض ألقاب الإمام الجّنيد ما يلي: إمام الأئمة في الشّريعة، العالم بمودع الكتاب، العالم بمحكم الخطاب، قطب العلوم، إمام الدنيا في زمانه، شيخ عصره، شيخ الطّائفة، إمام الصّوفيّة، تاج العارفين…إلخ” نقلا عن أبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد البغدادي (ص. 385.

الجماعة الطُّرُقِيّة

الملفت أن دارسي التصوف لم يكتفوا بتقسيمة شرعي-شعبي بل وانتشر مؤخرا مصطلح “الطرقيّة” ومصطلح “الطقوسيّة”. وهنا سنوضح كيف أن “الشريعة” و”الطريقة” و”الحقيقة” مازالت بادية عند قراءة أحوال المتصوفة الرّاهنين [19]من خلال ثنائيّة الطُّرُقِيّة والطّقُوسِيّة.

فالمَعْني بالتّصوف الطّرقي ذلك التّصوف المبني على أصل ”السّنَد“ وأصل ”البيْعَة“ ولبْس الخرقة. فالمَسَانيد التي يمتلكها الشيخ راشد المريخي كثيرة. وهي سلاسل تقيّده بشيخه النّقشبندي/القادري محمد يعقوب حجازي وبمن قبله زمانا. كما أن الشّيخ راشد يسند بعض تلامذته بربطهم بما هو تحت يديه من سلاسل مسنديّة تربطهم بطريقة الشّيخ الصّوفيّة المتأرجحة بين بعض من نهج النّقشبندية في الذّكر وببعض من نهج القادريّة في الذّكر. فالسّند نهج تصوّفي قديم يؤرّخ لعمق جذور التّصوّف التّاريخيّة العابرة عبر الزمن لتصل بالشّيخ المقيم في زمننا بسيد ولد آدم، محمد، صلى الله عليه وآله وسلم. السّند مهم لأنه يهب الشّيخ مصداقيّة عند جماهير المتصوّفة المهتمة بالسّلاسل المُسْنـَـديّة. كما أن لدى الشّيخ مساند في قرآءات أمهات الكتب ولبعض الأحاديث مما يعني أن الشّيخ راشد يسند تلامذته ليس فقط بطريقة المتصوفين بل أيضا بالشّريعة أي بطريقة الفقهآء المتشرّعين. 

من أساسيات الطريقة تقديم عهد ”البيّعة“، وهو نوع من التّعهد يتعهد ”المريد“ الراغب بالإلتزام بحضور مجلس الشّيخ راشد لتعلم رياضة الذّوق الصّوفي ومعانيه الرّوحيّة العميقة ومعه يتعلم المريد من الشيخ راشد (والذي هو أيضا فقيه) مبادئ علوم الشريعة. بالرغم من أن البيّعة توثّق العلاقة بين الشّيخ والمريد بنوع من الإلتزام إلا أنها من بعد الثمانيّات من العقد المنصرم فترت ولم تعد من لوازم حضور مجلس الشّيخ راشد. فترت ولكن لم تتلاشىى فمثلا السّيد سمير الفايز قد بايع الشّيخ وهو ملتزم بحضور مجلس شيخه ليس فقط رغبةً بل بيعةً. 

هذا يعكس قدرة المجلس على التـّكيّف وعلى إعادة ترتيب مجلسه مع أولويات جماهير مجالس المتصوفة. فعندما كانت الناس تهتم “بالأخّوة الطُرقيّة الجماعيّة” كان المجلس يعمل بالسّند والبيّعة وعندما فترت الإقبال على التصوف من بوابة الطرقية استمر المجلس يستقبل جماهيره بلا طرقية[20].

علما أن هناك من يؤكد أن الطرقية لست فكرة قديمة بل حديثة نسبيا حيث أشارت باربارا ديجورد أن التّصوّف القديم لم يقم على علاقة معقّدة من البيّعة والطّريقة. وأشارت أن فكرة “الأخّوة الطُرقيّة الجّماعيّة” نشأت متأخرة في أفريقيا الإسلامية (ص. 36). بمعنى آخر إن نهج مجلس الشّيخ راشد المريخي بعد حقبة الثمانينات يمثل بقايا نادرة للنهج الإسلامي التّصوفي القديم جدا. نهج يدغم فيه الفقه (الشّريعة) مع الطّريقة التي تنشر المعارف العرفانيّة الإسلاميّة. نهج لا يقوم على فكرة “الأخّوة الطُرقيّة الجماعيّة” بل على نهج الصّحبة والمُجالسة المفتوحة غير المغلقة.

 الطّقُوسِيّة الذّكريّة

أما التّصوّف الطـّـقُوسي فالمَعْنِي به ما ينصح به الشيخ ليمارسه المريد من ذكر بشكل خاص ويعرف بطقس ”الذّكر الوظيفة.

الذّكر الوظيفة وِرْد يحدد نصّه المشتمل على أعداد محددة من تسبيح وتهليل وتحميد الشّيخ راشد بناء على تشخيصه وفهمه لشخصية المريد وما يحتاج إليه من أوراد ليُـنـَمّي بها روحه واتصاله مع الله تعالى. فالشّيخ راشد يعطي شريحة ”الذّكر الوظيفة“ بأذكار تختلف من مريد إلى آخر. 

ومن الذّكر ما هو “ذكر جماعي” وهو أقرب من أن يكون في منزلة بين منزلتين، بين الطقوسية الذكرية الفردية وبين الطرقية الجماعية. حيث أن الذكر الجماعي يمارس في حلقة مفتوحة يشارك فيها المريد مع عامة الحضور. والذكر الجماعي طقس طرقي أسبوعي للذكر يمارس في ليلة اللقاء الأسبوعي، ومع الذكر يمارس طقس طرقي آخر وهو تلاوة البُردَة ويوم آخر لدراسة الفقه وأحكام الشّريعة وهذا لتعزيز الشريعة.

مجلس الشّيخ راشد المريخي مكان تتجذر فيه الشريعة، الطريقة والحقيقة. المعرفة والممارسة وهو في حالة تطور دائم. فقد كان تصوف “الأخّوة الطُرقيّة الجماعيّة” الشّرعي من سماته البادية في حقبة الثمانيات. أما اليوم فهو مجلس متعدد المستويات. بعضها ظاهر وآخر غآئب. فمن ناحية فإن المجلس مفتوح لكل من يريد الحضور بشكل عام ليمارس التصوف الطقوسي بشقية الذكر الوظيفي الفردي أو الذكر الجماعي في أجواء التصوف الشرعي وبشكل أقل ليمارس تصوف “الأخّوة الطُرقيّة الجماعيّة” الذي قل الطلب عليه.

فمجلس الشّيخ راشد المريخي إستطاع مجاراة متطلبات الوقت الراهن. أي إنه مجلس تصوفي ”شرعي/طرقي/طقوسي“ غير جامد بل متحرك وتتشكل مقادير أنسابه ومعايره وجرعاته على نوعية زواره ومستويات وعيهم ومتطلبات زمانهم. بمعنى آخر فإن المجلس الصّوفي المحرّقي مكان يـُنَمِّي في وعي مريديه تصوّف مرن سائل غير جامد قادر على أن يكون مطواعا ليتشكل في قوالب زمانه. وهذه المرونة تعد من أسباب استدامة مجلس متصوفة المحرّق وصون مكانه من التكلس والإنكفآء خارج مستجدات الوقت وأولوياته.

المجلس التصّوفي كمكان غير مُسْتـَمْلـَـكْ ومُنْضَبط بالإدارة اللا إكراهيّة 

الإنفِعال الصّوفي في المكان ليس فقط حصاد مداخلات آنيّة منقطعة عن التّاريخ بل هو أيضا إنفعال لإرث صوفي عمره عدة قرون. ما يهمنا هنا هو أن نستحضر ما أشتهر به تاريخ التّصوّف من نزعته إلى خدمة مصالح القيم العليا أو ما يطلق عليه بكليّات المقاصد الإسلامية [21].

معلوم أن قيم التّصوف المشهورة تتضمن خصال مراقبة النـّفس، العدل، الإنصاف، السّلام، والتّعايش. وبالمقابل، أيضا، فإن المتصوف لا يعثر في تاريخ مشايخه من أقطاب التّصوف أحدا نأى عن طريق خدمة القيم وانزلق إلى خدمة مصالح النّخبة والنّـفس. هذا التاريخ عندما يتكثف في المكان التصوفي المحرّقي ينتج وعي تصّوفي “قِيمي” بامتياز. فالمباني الصّوفية تنتج معارف على نقيض بنيوي مع بقية أماكن الفرق التي عمرت مبانيها بثقافة التفضيل الفئوي والتمييز النـّخبوي. ولكي تستمر بنية المكان التصّوفي من خدمة مصالح القيم الإسلاميّة الشّرعيّة والذّوقيّة مارست عملية “الفنآء”.

فأفنت الملكيّة للمكان بتحويل المجلس التصّوفي المحرّقي إلى مكان غير مُسْتـَمْلـَـكْ من قبل أي جماعة حتى من قبل المتصوفة أنفسهم. فمثل ما انتشر في أماكن الجماعات السنية والشيعية كما يذكر د. نادر كاظم (ص.32)أمراض طبائع الإستملاك للميادين العامة والمغلقة، فنجد أن مجالس متصوفة المحرّق تحصن أماكنها بقيم “اللا إستملاك” حتى إشتهرت أماكنهم كأماكن جاذبة، جذبت كافة المكونات البحرينيّة لتتردد عليها دون أن تشعر أنها مستفزة أو منتقصة بتواجدها هناك.

بعد هذا التوضيح يسهل علينا رؤية مجلس الشّيخ راشد المريخي كميدان شبه عام غير مُسْتـَمْلـَـكْ من قبل أي نخبة حيث يجد البحريني أنه في “مكان مشترك” يُـتَحَدّث إليه من خلال لغة مشتركة، حيث نجد كل فرقة في المكان الصّوفي أنها في مكان يتيح لها ولو بشكل نسبي فرصة أن يمثل المجلس بعض أفكارها والبعض الذي لا يمثلها لا يلغيها: لقد انصاع الشّيخ راشد المريخي لأوامر آية “لا إكراه في الدين” ويتكشف هذا الإنصياع من خلال تعميمه في مجلسه لمبدأ “تقديم العذر” بين أتباعه لكي لا يمارس أحد من مريديه أي نوع من أنواع الإكراه بينهم وفي أماكنهم. فثقافة “تقديم الأعذار” مع الوقت يتحول إلى سلوك لا إكراهي يسهل رصده في الأماكن الصّوفيّة. ومن خلال هذا السّلوك 

“اللا إكراهي” الذي يقدم العذر ينجح المتصوف في إستيعاب كل هذه الجماعات المتعددة والمتنوعة المتضاربة والمتضاددة والمختلفة التي تتردد على أماكنه. في هذا السياق يحسن بنا ذكر أن الدكتور عبد الله حمُّودي في كتابه “الشّيخ والمريد” فهم أن علاقة الشيخ بمريده قائمة على مفهوم إستملاكي إكراهي لكي يتمكن الشّيخ من ضبط سلوك المريد. متناسيا أن المريد طواعيةً يخوض تجربة الفناء الأصغر في دآئرة الشيخ ومكان مجلس الشيخ ليتريّض بعدها على خوض تجربة الفناء الأكبر في حب الله. فهناك فرق شاسع بين الإكراه والفناء طواعية في حب الله.

بمعنى آخر، المتصوّف المعتّق في ثقافة معارفه هو مديرللتنوع الذي يعج في أماكنه. والمدير يحتاج إلى آلية لضبط كل هذا التّنوع الذي يعج في المكان. فالتّنوع الهائل الذي يجذبه المكان التّصوفي اللامُسْتـَمْلك يعني أنه يجلب أفراد ينتمون إلى خليّات معرفيّة كل فرد يفكر من خلال معرفة خليـّته غير المتجانسة مع أتباع الخليّات الأخرى. إكتضاض المكان الصّوفي بكل هذه الأضداد المَعرفيّة يحتم على المدير الصّوفي وضع آليّة لضبط ما يعج به المكان من معارف معرضة للتصادم فيما بينها بشكل شبه وشيك. ولكان لو أقدم المتصوّف بتطوير ثقافة خاصة به لضبط التنوع يعني أنه سيستملك المكان بفرض ثقافة إنضباطية خاصة به مما سيسبب إلى فقدان مكانه لأهم عنصر جذب بكونه مكان لا إكراهي وغير مستملك. 

لجأ الشّيخ الصوفي إلى قواعد وأعراف ثقافة أهل المحرّق أنفسهم والمعلومة بتفاصيلها عند كل أهالي المحرق لضبط مكانه بضابط الثقافة العامة المشتركة ذات رموز مشتركة ومفهومة من كل المحرّقيين والبحرينيين. حيث أنه من خلال اعتماده لأداب الدخول والجلوس والمشاركة والإنصراف المعمول بها عند كل المجالس المحرقيّة والتي تطرقنا إليها لأهميتها تمكن الشّيخ الصّوفي من عدم فرض أي سلوك تصوفي خاص لا يعرفه سوى الخاصة على العامة من الزّوار. هكذا يجد كل فرد ينتمي إلى شتى الخليّات المعرفيّة في المكان الصّوفي أنه مكان جاذب له بخاصيّتة اللا إستملاكية واللإكراهية المنضبطة بثقافة عامة مشتركة.

الخاتمة

البحث في المجالس التصوفيّة المحرّقيّة خطّ مسودّة أفكار تسعى إلى إماطة اللثام عن: كيف بقي مجلس المتصوفة قادرا على استدامة صون هويـّته، بشقيّه الملموس والمحسوس عبر التاريخ الإسلامي؟ يقترح البحث أن سر دوام التصوف يرجع إلى قدرته على توظيف عدة أدوات منها: تطويره للغة داخلية غير متجانسة بمفرداتها ومصطلحاتها مع مفردات بقية الجماعات، ومن تطويره للغة خارجية متجانسة ومفهومة لكي يستطيع التحاور مع كافة الجماعات، ومن خلال لا استملاكه لأماكنه بجعلها أماكن للجميع، ومن خلال لا إكراه زوّاره على اعتناق توجهاته تاركا لكل شخص قناعته دون نزاعا، ومن خلال تحول الشيخ إلى مدير للتنوع وليس قائدا للتخصص، ومن خلال الالتزام بالشّريعة والطريقة والحقيقة. ومن خلال معرفة اهتمامات جماهير لحظته ليوازن بين بين جرعات الطقس والطريقة. كل هذه الأدوات والمواقف والسلوكيات سمحت لأماكن المتصوفة عبر الأزمنة العربية الإسلامية من التـّميز عن بقية المجالس من مثل مجالس أهل الحديث ومن أهل التّوجهات السّلفية أو من أهل التّفسير دون أن تذوب/تندمج أو من أن تتماهى مع أماكن معرفيّة أخرى في المجتمع.

=========

*الدكتور محمد الزّكري القضاعي أنثروبولوجي بحريني يعمل في المانيا نال درجة الدكتوراه في علم الثقافة الأنثربولوجية في المجتمعات الإسلامية (دراسة حالة شرق الجزيرة العربية) من جامعة إكستر البريطانية، معهد دراسات العرب والإسلاميات. يهتم ابن الزّكري بدراسة المعرفة في المجتمعات الإسلامية وطرق إنتاج هويّاتها في الخليج العربي. بالإضافة الى دراسة الجماعات “العربيّة/الإسلاميّة”خصوصا المتصوفة ودراسة الأماكن المرتبطة بالمعارف خصوصاً المجالس والحلقات إضافة الى اهتمامه بشبكة الاتصالات بين الجماعات وهياكل التواصل بين الخليجيين وموضوعات التراث والاتصالات الثقافية من منظور أنثروبولوجي. 

من مؤلفاته: 

الزّكري، محمد (2018)، فقهاء متصوّفة في محيط من السّلفية: الفقه كهويّة مفاهميّة منتجة لهويّات فرعية، تحت الطبع. (لغة إنكليزيّة)

الزّكري، محمد (2014): “التنقيب في الثقافة من خلال الأحلام: المكان، المعرفة والإتصال“، بون-ألمانيا: (لغة إنكليزية).  

الزّكري، محمد (2004): ”مداخلات دينيّة بين المتصوّفة والسّلفيّة في شرق الجزيرة العربية: موضوع الهوّية“، إكستر: جامعة إكستر البريطانية (لغة إنكليزية).

الهوامش والمصادر 

——————

آيكلمان، دايل 2002))،المقدمة: الفضاء الديني العام في المجتمع المسلم الأول“،في الفضآء العام في آيكلمان، المجتمعات الإسلامية، تحرير ميريام هوكستر وآخرون.ألبني: مطبعة جامعة ولاية نيويورك.

آيكلمان، دايل وأرماندو سلفاتو2004))، الفضاءالإسلامي والصالح العام، لايدن: بريل.

البداح، عبدالعزيز(2015)،حركة التصوف في الخليج العربي.

بووانو، إدريس (2012)، ملامح الفكر المقاصدي في الخطاب الصوفي عند الشيخ أحمد زروق، بيروت: دار الكتب العلمية.

الترابي، عمر ((2013،”التصوففي البحرين والكويت” فيالمسبار، التّصوف في السّعودية والخليج، دبي-الإمارات: المسبار.

توآن، يي-فو (2001)،الفضاء والمكان، مينوبولس-الولايات المتحدة: مطبعة جامعة منيسوتا. (لغة إنكليزية)

الجاسم، راشد (2016)، البحرين وعمقها العربي والاسلامي، بيروت: منشورات الدار العربية للموسوعات  

الجنيد، أبو القاسم محمد (2003)، السر في أنفاس الصوفية، تحقيق عبدالباري داود، القاهرة: دار جوامع الكلم. 

الحفني، عبدالمنعم (1980)، معجم مصطلحات الصوفية، بيروت: دار المسيرة. 

حمُّودي، عبدالله (2000)، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، الدار البيضاء-المغرب: دار توبقال للنشر. 

خوالدية، أسمآء (2014)، الرمز الصوفي بين الإغراب بداهة والإغراب قصداً، الرباط-المملكة المغربية:منشورات الاختلاف.

ديغورغي، باربارا (2006)، من الزهد إلى السياسية: تطور التصوف الأخوي، واشنطون: مطبعة الأكادمية الجديدة. (لغة إنكليزية) 

الزّكري، محمد (2018)،فقهاء متصوّفة في محيط من السلفية: الفقه كهويّة مفاهميّة منتجة لهويّات فرعية،تحت الطبع. (لغة إنكليزيّة)

الزّكري، محمد (2014)،التنقيب في الثقافة:المكان، المعرفة والاتصال، بون-ألمانيا:سيانتيا بونينسيس. (لغة إنكليزية)

الزّكري،محمد،بريتا رودولف (2014)، “شبكة من المعارف التقليدية: التراث غير المادي لتوزيع المياه في البحرين”مجلة التراث غير المادي الدوليّة،المجلد. 9(1): 83-97. (لغة إنكليزية)

الزّكري، محمد،بريتا رودولف(2013)، ”تشظي علاقات الشيخ-المريد: فراغات القوى ودمقرطة التّصوف الديني“في العربي الصديقي ومجموعة، تحولات ديمقراطيه، لندن: روتدلج. (لغة إنكليزية)

الزّكري، محمد (2004)، ”مداخلات دينيّة بين المتصوّفة والسّلفيّة في شرق الجزيرة العربية: موضوع الهوّية“، رسالة دكتوراة، إكستر: جامعة إكسترالبريطانية. (لغة إنكليزية)

عسكر، سامح (2012)،” جدليةالعلاقة بين الحداثة والتصوف في الفكر العربي الإسلامي“، موقع رقمي: شبكة واحة العلوم الثقافية؛ http://azhar.forumegypt.net/t8188-topic(نظر إليه في تاريخ 12-3-2018).

عبدالوهاب، محمد (2018)، التصوف في سياق النهضة:من محمد عبده إلى سعيد النورسي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

عبدالوهاب، محمد (2009)، ولاة وأولياء: السلطة والمتصوفة في إسلام العصر الوسيط، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

عبدالغني، محمود(2013)، ”الصوفية والمجالس العلمية في الحجاز الحديث“في المسبار،التصوف في السعودية والخليج، دبي-الإمارات: المسبار.

عبده، خالد (2017)، “التصوف: ما بعد الطرقية”، موقع رقمي: عمانية؛ https://shuoon.om/?p=8323(نظر إليه في تاريخ 12-3-2018).

العجم، رفيق(1999)، موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.

لعجال، طارق و أحمد إبراهيم (2012)، التصوف بين التوظيف السياسي والثابت التاريخي“، مجلة التمدن،7(1)، الصفحات 163-184.

كاظم، نادر (2007)، طبائع الإستبداد: قرآءة في أمراض الحالة البحرينيّة، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

لومان، نيكولاس(1996)،أنظمة إجتماعية،ترجمه إلى الإنكليزية جون بدنارز و ديرك بافكر، ستانفرد: مطبوعات جامعة ستانفرد. )لغة إنكليزية)

لوو، سيثام و دينيس لورنس-زونيغا (2003)، المكان والفضاء: تحديد موقع الثقافة، هوبكنز-أمريكيا: وايلي بلاكويل. )لغة إنكليزية)

مرزوقي، حسن(2012)،”الإسلام الطرقي ومستويات التّأصيل“،دورية عمران،(2)1، الصفحات 44-15.

المسبار، هيئة التحرير (2016)، التّنوع العرقي والمذهبي في الخليج بين الواقع والتوظيف، دبي-الإمارات: المسبار.

المسبار، هيئة التحرير (2011)، ”التصوف في البحرين والكويت“في المسبار، التصوف في الخليج، دبي-الإمارات: المسبار.

ميسبرجر، بيتر (2009)،”أوساط الإبداع: دور سياقات المكان، البيئة، والفضآء“، فيبيتر ميسبرجر ومجموعة، سيكولوجيات الإبداع، هولندا: سبرنجلرز. (لغة إنكليزية)

ميسبرجر، بيتر (2000)،”التكثّف المكاني للمعرفة“، في إردكوندي54: 352–.64 (لغة إنكليزية) 

هابرماس، يوهان (1962) التّحول البنيوي في الفضاء العام، ترجم من الألمانية إلى الإنكليزية. 

هيلاغن، فرانسيس (2016)، إستيقميرجية كميكانيكية عالميّة تنسيقيّة” أبحاث في أنظمة المعارف، ج(38) ص 4-13. (لغة إنكليزيّة)


([1]

من أجل كل الحب الذي يكتنزه قلبي لهذه المدينة العريقة، من أجل المحرّق وكل عشاق المحرّق كتبت هذه المقالة متفاعلا مع حدث: المحرّق، عاصمة الثقافة الإسلاميّة لعام 2018. 

[2])

 يعتبر مجلس الشّيخ محمد يعقوب حجازي (ت 1996) المجلس الصوفي الأهم في الحقبة الحديثة في تاريخ البحرين.في هذا المجلس تم تركيز عقيده فتح باب المجلس الصّوفي لكافة مكونات المجتمع.للاطلاع على أهم قسماته أنظر محمد الزّكري ”تشظي علاقات الشّيخ/المريد:فراغات القوى ودَمَقرَطة التّـصوّف الدّيني. 

[3])

لقد أثرت كتابات السيد بشار الحادي المكتبة العربية وسيجد المتفحص بها حجم دور المتصوفة في بناء المعرفة الإسلاميّة على مر القرون في جزيرة البحرين وفي شرق جزيرة العرب. للمزيد اطلع على سبيل المثال لا الحصر “أعيان البحرين في القرن الرابع عشر الهجري”.  

وفي هذا السياق أيضا اطلع على الموسوعة التي كتبها الأستاذ راشد بن عيسى الجاسم “البحرين وعمقها العربي والإسلامي

[4])

منذ روّج السّيد رشيد رضا عبر مجلته ”المنار“ فكرة أن التصوّف رمز التّكلس والغياب عن المشاركة العصريّة قام عدّة كتاب بدحض مثل هذا التعميم.مثلا محمد عبدالوهاب أصدر كتاب حديثا بعنوان ”التّصوف في سياق النّهضة: من محمد عبده إلى سعيد النورسي“ ليدحض تحديدا تعميمات مقولة رشيد رضا. أمّا ما يخص موضوع المتصوفة كقوة فاعلة ليس فقط بتشرّبهم للحظة المدنيّة الرّاهنة بل بخلق توازن بين الأخلاق الذّوقيّة والمدنيّة الماديّة أنظر محمد الزّكري، ” فقهاء متصوّفة في محيط من السلفية:الفقه كهوية مفاهِمِيـّة منتجهلهويّات فرعيّة“، تحت الطبع. 

[5])

قام في عام 1989كل من ثوماس برغر وزميله ريدريك لورانس بأول ترجمة لكتاب ”التحول البنيوي في الفضاء العام“من تأليف المفكر الألماني الكبير يوهان هابرماسمن اللغة الألمانية إلى اللغة الإنكليزية. وهو كتاب يبحث في الجذور المؤسسة للذهنية التحاورية، نواة الديمقراطية، في المجتمعات الأوروبية. فقد نقب هابرماس في الصالونات الأوروبية (المجالس إن صح التعبير) ووضح أن في هذه الأماكن فضاء عام يتعلم فيها الإنسان الأوروبي أوتيكيت التحاور ومن ثم ليتأهل ليمارس المشاركة في عملية ديمقراطية مجتمعية أوسع.

[6])

 يعود الفضل بالتعريف بأطروحات يوهان هابرماس بين المتخصصين في دراسات المجتمعات الإسلامية إلى أعمال كل من ديل آيكلمان وزميله أرماندو سلفاتور.

[7])

لقد ميّز الفيلسوف الأمريكي توآن (الأكثر فاعلية في تشكيل علم الجغرافيا الانسانيّة) بين دلالات مفردة فضاء/فضاءات (space ) و مفردة مكان/أماكن (place) الجهويّة. فالمكان عنده فراغ محاط بمؤطرات جداريّة أو سياجيه أو عمرانيّة تطوقه بحدود. في حين أن الفضاء عنده رمز للفراغات غير ذات حدود مقيّده لحيّزهِ الوجودي. ووظّف توآن افتراضاته في دراسة عمران الإنسان الجغرافي للفضاءات وتحويلها إلى أماكن. متأثرا ب توآن قام كل من لوو سيثام و دينيس لورنس-زغاون بتحرير عدة دراسات مكانية. 

[8])

خلص عنده ديل آيكلمان وأرماندو سلفاتور  من أن كل مكان في المجتمع الإسلامي ينفرد بتكثيف معارف خاصة به بين ثنايا تجويفاته. فعندها يمكن لنا أن نقول إن المسجد كمكان تتكثف فيه (مثلا) معارف فقه الوضوء وفقه الصّلاة، فقه صلاة الجماعة وفقه صلاة الفرد و أداب الدخول إلى المسجد ومنهياته. في حين أن مثل هذه المعارف لا تتكثف مثلا في مجلس اجتماعي عام. ففي المجلس الاجتماعي العام نجد أن الأحاديث حول الغلاء والمعيشة ومتطلبات الحياة تتكثف فيها بشكل ملحوظ. ولو نظرنا إلى مجلس تعقد فيه حلقة لدراسة كتاب ما سنجد أن نوعيّة المعارف التي تتكثف فيه تحوم حول أدب التحلّق حول شيخ وكتاب. كما تتكثف فيه معارف نظام طرح الأسئلة ونظام الاتفاق على الأجوبة. فما يتكثف في مكان حلقة الكتاب من معارف لا يتكثف في مكان البقّالة مثلا. ففي البقالة يتكثف معلومات عن البضاعة المباعة وفن المساومة عند التّسوق وشروط البيع أو الشراء.

[9])

اهتم أيضا الكاتب البحريني السيد فهد حسين بدراسة المكان. وقد قام بإجراء باستعراض توظيف المكان في الأدب البحريني. وهو كتاب مهم لكل من يرغي في اكتشاف المكان كمنهج تحليلي للأعمال الأدبية. مثل ذلك قام الأستاذ د. عبدالحميد المحادين بدراسة المكان في الرواية الخليجية في دراسة أكاديمية عميقة ومهمة جدا. أيضا قامت الأستاذة فاطمة الوهيبي بدراسة المكان في القصيدة في دراسة لا تقل في أهميته عن محورية المكان في القصيدة العربية. 

[10])

 للمزيد اطلع على نيكلاس لومان، أنظمة اجتماعية,ترجمه إلى الإنكليزية جون بدنارز و ديرك بافكر، ستانفرد:مطبوعات جامعة ستانفرد.

[11])

 للمزيد حول تداخل المكان في المعرفة ونهج الاتصال اقرأ المقدمة النظرية في كتاب محمد الزّكري التنقيب في الثقافة: المكان، المعرفة والاتصال. أيضا اطلع على محمد الزّكري و بريتا رودولف، شبكة من المعارف التقليدية: التراث غير المادي لتوزيع المياه في البحرين.

[12])

 لومان نيكلاس كان مولعا بدمج فهمه للعلوم الطبيعة والتقنيات والاجتماعيات في مجدلته المعرفية. لذلك قررت استخدام خلية معرفية عند التحدث عن أفكاره لكي يربط القارئ بين أطروحته وبين العلوم الطبيعية التي اطلع عليها لومان لتطوير أفكاره.

[13])

 وبشكل عام فقد كتب الكثير كشافات يكشفون بها عن الغموض الذي يكتنف مصطلحات المتصوفة. فالمتصوفة أجادوا تطوير لغة خاصة بهم بشمولية أوسع من اللغات الخاصة التي تمكن أهل الحديث والفقه من تطويرها. فلغة التصوف تجول في عالم الشريعة والذوق والسلوك والروحانيات والطقوس والشريعة في حين أن لغات المدارس الأخرى تخرج أتباعها من الشمولية إلى خصوصيات المهنة المعرفية. لقد التفت أسماء خوالدية إلى قضية امتناع لغة المتصوفة عن الإدراك العام وكتبت كتاب في هذا مهم جدا بعنوان ” الرمز الصوفي بين الإغراب بداهة والإغراب قصداً“. حول مثل هذا أنظر عبدالمنعم الحفني ”معجم مصطلحات الصوفية“وانظر رفيق العجم ”موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي“.

[14])

 تركزت أهم أعمال البروفسور بيتر ميسبرجر حول المكان والمعرفة. ومن أعماله المهمة في هذا المجال ”أوساط الإبداع:دور سياقات المكان، البيئة، والفضاء”المنشور في عام 2009.

[15])

إلتفت السيد سامح عسكر إلى أن التصوف الإسلامي كمصدر معرفي له جذوره التاريخيه. كما تحدث عن خمس مراحل تصوفيه مهمة وهي:

1 مرحلة الزهد:القرن 1و 2هـ إستمرت عدة قرون،رابعة العدوية.

 مرحلة الزهد:القرن 1و 2هـ إستمرت عدة قرون،رابعة العدوية.

 2مرحلة التصوف الخالص: القرن 3و 4هـ كعلم مكتمل,و طريق للمعرفة بعدما كان مجرد طريق للعبادة، الحارث المحاسبي، البسطامي، الحلاج.

3مرحلة التصوف الإسلامي السني: القرن5هـ،القشيري و الغزالي، مذهب أهل السنة والجماعة.

4 التصوف الفلسفي: القرن 6و7هـشهاب الدين السهر وردي الإشراقي، محي الدين ابن عربي.

5 الطرق الصوفية: و قد تكونت الطوائف الصوفيّة بشكل واسع كاد يعم العالم الإسلامي,وأصبح ” الشيخ له منزلة بين مريديه,وقد اختلفت الطرق الصوفية باختلاف شيوخها.

[16])

تطرق محمد عبدالغني في دراسة نادرة حول مجالس الصّوفيّة في الحجاز. وهناك الحاجة إلى المزيد من دراسات أماكن التّصوّف للتعرف على مساهماتهم في تطوير الوعي المجتمعي الذوقي.

[17])

التّصوّف الخليجي بصفته مشروع شرعي/ذوقي/فقهي/طروقي/معرفي/طقسي يلعب دور محوري في تكوين الوعي الإسلامي ولتشعب الطرح التّصوفي حيث يلتبس على البعض التّصوف الشرعي وظاهرة التّصوف الشّعبي جلب أعين عليه من هذه النّقطة. كثيرا، عند الالتباس بين فرز التصّوف الشرعي عما هو سواه، ما تخرج كتب سجاليّة تلتبس فتلبس التّصوف الشّرعي لباس البدعة والضلال. للاطلاع على المزيد اقرأ عبدالعزيز البداح” حركة التّصوف في الخليج العربي”.

[18])

 للإطلاع على آلية عمل مجلس الشيخ محمد يعقوب حجازي (ت 1996) أنظر محمد الزّكري ”تشظي علاقات الشيخ-المريد: فراغات القوى ودمقرطة التصوف الديني“. 

لقد فصل السيد سامح عسكر التنقيب في محوري الطرقية / الطقوسية. للمزيد إطلع على بحثه في هذا الشأن. ([19]

[20])

التفت الأستاذ خالد محمد عبدة إلى أن الطريقة ليس ضروري لتحقيق روح ومقاصد التصوف. للمزيد اقرأ “التصوف: ما بعد الطُرقية”.  

[21])

المصادر التي تحدثت عن العقل المقاصدي في الإطروحة التصوفيّة كثيره. من بينها “ملامح الفكر المقاصدي في الخطاب الصوفي” من تأليف إدريس بو وانو. 

مجلس الشيخ راشد المريخي في مدينة المحرق – مملكة البحرين

تحولات التصوف الأباضي وصيغ تمظهره ج١

“قراءة في اطروحات الشيخ أحمد بن سعود السّيابي ومسائلات الأستاذ خميس بن راشد العَدَوي في كتاب “التصوف في عمان

تحولات التصوف الأباضي وصيغ تمظهره

نشرت الدراسة في مجلة شؤون عمانية الرقمية بتاريخ ٢٢-١١-٢٠١٨

الحلقة الأولى

بقلم: د. محمد الزّكري

منذ سنوات قليلة ينتبه رموز المذهب الأباضي[1] في عمان إلى ان شبابه يخوض مرحلة تتوافد معها معارف بعضها مرفوض وبعضها مقبول وآخر يحتاج إلى صقل ليقبل محليا. 

. في هذه اللحظة القلقة ذات التغيرات الحميدة والتحولات المتشنجة عمد فضيلة الشيخ أحمد بن سعود السّيابي[2] من خلال مسائلات الأستاذ خميس بن راشد العَدَوي[3] إلى الإقرار بأن الثقافة الأباضية النّزوية/الرّستاقية تقوم بإعادة فتح ملفات التصوف حيث بدأ إقبال بعض الشباب عليه. 

كتاب “التصوف في عمان” مهم لأنه يكشف لأول مرة عن تصوف أباضي يغيب عن وعي الكثير منا. هو مهم لأنه يؤرخ للزهد الأباضي. وهو مهم لأن الشيخ السّيابي انتبه أن للأباضية نهج في الأخذ من “التصوف” يناسب المذهب[4]. والأهم على الإطلاق أن الأستاذ السّيابي التفت إلى أمر دقيق حين أشار في أكثر من موقع في الكتاب إلى أن لكل عصر عماني زهديات أباضية تميزه عن تقشفات عصور أباضية أخرى. 

لذلك عمدت الى تسمية إشارات فضيلة الشيخ السيابي بتمظهرات التصوف عند الأباضية في صيغ سلوك العزابة أو نصوص كتابية أو نصوص شعرية أو أدعية مناجاتية أو الخ.  

التمظهر الأول: نظام العزابة السلوكي

في محض استعراضهما تاريخ التصوف الأباضي ذكر السيد العدوي والشيخ السيابي كتاب ” قناطر الخيرات”. الكتاب من تأليف الشيخ الليبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي الأباضي[5] (ت. 750هـ) رحمه الله. يحمل ذكر هذا الكتاب جملة من الفوائد أهمها على الإطلاق إنه التمظهر المكتوب الأول لصيغة تصوفية أباضية (الجيطالي، 2001). وسنتطرق اليها تدريجيا ولكن دعونا قبل ذلك نتخيل اهم معالم زمن الجيطالي.

لم يشهد زمن إسماعيل بن موسى الجيطالي (ت. 750هـ) إمارة أباضية “تامة” قائمة لتدير البلاد والعباد وفقا لتعاليم المذهب الأباضي لقرابة ثلاثة قرون. في تلك الفترة الأباضية الأفريقية كانت المجتمعات الأباضية تدار من قبل المجتمع المدني / الديني / التطوعي وفقا لشروط “العزابة”[6]. والعزابة نوع من أنواع فقه الإدارة يمارسه أباضية أفريقيا لإدارة شؤونهم في غياب الدولة السياسية الأباضية. (موقع “أهل البيت”، 2018).

وأول من أطلق فكرة “العزابة” هو العالم الأباضي الليبي أبو عبدالله محمد بن بكر بن يوسف الفرسطائي النفوسي (و. 345هـ ت. 440هـ) درس أبو عبد الله الأوضاع العرفية التي كانت تحكم المجتمع الأباضي مستنداً إلى تشريعات الإسلام فوضع دستوراً عرف “بنظام العزابة” يعتبر من أقدم القوانين التي وضعت في المجتمعات الإسلامية. وكان أبو عبدالله أول من شرع في تطبيق مبادئ هذا النظام في أوَّل حلقة له بغار في «تين يسلي»، وهي «بَلْدَة اَعْمَر» بالقرب من مدينة تقرت – جنوب شرق الجزائر حاليا -، وذلك سنة 409هـ.

الملفت أن السيد روبيرتو روبيناتشي (Roberto Rubinacci)، في كتابه “العزابة” وصف أباضية نهج العزابة بالنساك وبالمتصوفة. الذي دعاه الى نعتهم بالتصوف والزهد والتجرد في الحياة هو سلوكياتهم العلمية المتحلقة حول شيخ وسلوكيات الصحبة وسلوكيات الأوراد وسلوكيات الاقتصار على لبس البياض ومن التقليل من عدد الزوجات ومن الالتزام بحفظ القران واتيان مواعظه واجتناب نواهيه. (روبيناتشي، 2006.

التمظهر الثاني: من السلوك الى المكتوب وميلاد “قناطر الخيرات”

زمن إسماعيل بن موسى الجيطالي كان قد تراكمت في طياته ثقافة العزابة. زمن تغرب فيه المذهب الأباضي بغياب دولة أباضية ترعاه. هذا المشهد الشمال أفريقي لا يختلف كثيرا عن عمان في تلك الحقبة فهذا الرحالة المغربي ابن بطوطة (و. 703 هـ ت. 779هـ)، قد وصل في عام 731هـ إلى عُمان إثناء حكم الشوافع ملوك بني النبهان (أبي محمد نبهان بن كهلان). وكانت سيطرة بني النبهان على الأرض العمانية غير وافية. ففي بعض أطرافها كانت تقع تحت النفوذ الهرمزي. ولقد طبق ملوك بني النبهان نظام حكم غير ملتزم بالخط الأباضي. فمع هذا الفتور المذهبي العماني المشابه لشمال أفريقيا يمكن للإنسان أن يتفهم أهمية ضخ الأفكار المتصوفة في كتاب الجيطالي. فكأنما كان الجيطالي ينشر أفكار العزابة الأخلاقية الصوفية عبر كتابه “قناطر الخيرات” لكي ينتشر بين اتباع المذهب الوازع والرادع الذاتي في زمن خلى من رقابه دولة سياسية تشرف على مجتمع المذهب الأباضي.   

التواصل المعرفي العماني مع شمال أفريقيا

ما هي درجة تأثير كتاب الجيطالي على علماء عمان؟ سؤال يصعب إجابته بشكل دقيق. لكن يحسن بنا وضع حقيقة الارتباط المعرفي بين أباضية عمان وشمال أفريقيا في اعتباراتنا. فحول عملية التواصل المعرفي العماني الأفريقي قام فضيلة الشيخ الدكتور فرحات الجعبيري بالتوسع في شرح كيف أخذت العلاقات العلمية تتوطد من خلال تبادل الكتب والتناقش والتدارس في مجالس موسم الحج أو من خلال زيارة مباشرة بين أباضية عمان وأباضية شمال أفريقيا. (الجعبيري، فرحات، (1994). كما اثرى في ذات الموضوع فضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي بكتابه “التواصل الأباضي بين عمان و البلاد المغاربية”.  وفي ذات السياق قام د. أحمد حسن عمر بتأليف مقالة مهمة بعنوان “مظاهر العلاقات الثقافية بين سلطنة عمان وبلاد المغرب العربي عبر القرون.

فعلى سبيل الذكر لا الحصر قام عبد العزيز بن الأوز من فقهاء تيهرت الرستمية برحلة إلى عمان أو البصرة  في عصر الأمير الرستمي أبي اليقظان محمد بن أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمــــن بن رستم (ت. 281 هـ). (بكير بحاز، 2010، ص: 313، 393، 394).

أما الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة (و. 300هـ ت. 363هـ) فقد استقبلت مدرسته المعروفة ب “الصرح” في مدينة بهلا العمانية العديد من إباضية المغرب العربي. كان من كبار فقهاء عُمان وله عدة كتب أهمها: كتاب الجامع، وكتاب الموازنة، وكان محباً للعلم وطلابه. (أحمد حسن عمر، 2015، ص 295).

وهناك ابن الجمعي وهو عالم وتاجر إباضي معروف. رحل إلى المغرب في القرن الرابع الهجري، درس العديد منهم أبو الربيع النفوسي التابديوتي وأبو يزيد مخلّد بن كيداد وابن زرقون. وانتهت اليه قصبة التعليم في مدينة سجلماسة المغربية [7]. (الدرجيني، 1974، ج1، ص: 110-112).

كما أن أبو الأصبع إبراهيم بن عيسى الأزدي كان من أسرة أزدية قديمة استقرت في الأندلس، ثم انتقل منها إلى سجلماسة، التي بقي يتولى فيها القضاء إلى أن وافته المنية، سنة 627هـ. (وزارة التراث القومي والثقافة، 1989). 

أيضا دعونا نستذكر ما ذكره أبو القاسم البرادي الدمري (كان حيا حوالي 810 هـ) عن قيام الحاج عيسى بن زكريا بزيارة لسلطنة عمان. ومن ثم طلب منه العمانيون تأليف كتاب عن سير الأباضيين في شمال أفريقيا. وعندما عاد الحاج عيسى كلف أبا العباس أحمد بن سعيد بن سليمان الدرْجِيني (و. 600هـ، ت. 670هـ) [8] بكتابة “طبقات المشايخ بالمغرب” (البرادي، ص 215).

أما الشيخ محمد عبد الله العماني فقد وصل إلى المغرب سنة 894هـ وصحب الشيخ بدر الدين أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي اليفرني (ت. 928 هـ). والشيخ الشماخي هو مؤلف كتاب السير وشرح مختصر العدل والإنصاف و شرح متن العقيدة. وقد أجرى الشيخ الشماخي مع الشيخ محمد العماني عدة مناظرات. (أحمد الشماخي، 1987، ج2، ص23).

تأثير الشيخ الجيطالي رحمه الله لم يقتصر على متصوفة المذهب الأباضي بل تعداه كثيرا. فهذا الشيخ المغربي المتصوف المالكي المذهب أبو عبد الله محمد بن سليمان الجزولي (807-870هـ) يأتي قرابة قرنا من الزمان بعد رحيل الشيخ الجيطالي ليؤلف واحدا من أهم كتب التصوف شهرة ” دلائل الخيرات” مقتبسا عنوانه من عنوان كتاب الجيطالي “قناطر الخيرات”.

انتهى الجزء الأول

المصادر 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

ابن الأبار (1982)، “المقتضب من كتاب تحفة القادم”، تحقيق ابراهيم الأبياري، القاهرة: دار الكتاب المصري.

بحاز، بكير ( 2010)، “الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية”، الجزائر: الفا.

بدير، شعبان أحمد، ( 2009)،  “الرمز الشعري واغتراب اللغة في المنظور الصوفي”، مجلة ديوان العرب، (أطلع عليه بتاريخ: 25-10-2018)

http://www.diwanalarab.com/spip.php?article19317

البرادي، أبو القاسم ابن إبراهيم (2014)، “الجواهر المنتقاة”، تحقيق السيابي، لندن: دار الحكمة. 

الجعبيري، فرحات، (1994)، علاقة عمان يشمال افريقيا، بحث قدم لندوة عمان في التاريخ، جامعة السلطان قابوس

(أطلع عليه بتاريخ: 11-10-2018) https://css.edu.om/pdf/book_three.pdf

الجيطالي، إسماعيل بن موسى، (2001)، “قناطر الخيرات”، بيروت: دار الكتب العلمية.

الدرجيني، أحمد بن سعيد (1974)، “طبقات المشائخ بالمغرب”، تحقيق إبراهيم طلاي، قسنطينة – الجزائر: مطبعة البعث.

روبيناتشي، روبيرتو (2006)، “العزابة”، ترجمة لميس الشجني، تقديم موحمد ؤمادي، ليبيا: مؤسسة تاوالت الثقافية.

السيابي , أحمد بن سعود (2014)، “التواصل الأباضي بين عمان و البلاد المغاربية”، عمان: مكتبة الظامري للنشر و التوزيع.

السيابي , أحمد بن سعود (2016)، “التصوف في عمان”، مدارسة خميس العدوي، عمان: مجلة الفلق ومكتبة الغبيراء.

الشماخي ،أحمد (1987)، “السير”، تحقيق أحمد سعود السيابي، مسقط-عمان: منشورات وزارة التراث القومي والثقافة.

عمر، أحمد حسن (2015)، “مظاهر العلاقات الثقافية بين سلطنة عمان وبلاد المغرب العربي عبر القرون”، مجلة جامعة بخت الرضا العلمية، ع 14، ص: 291-307. الدويم-السودان: جامعة بخت الرضا.

موقع “أهل البيت”، (أطلع عليه بتاريخ: 3-10- 2018)،

http://www.ahlulbayt-libya.com/2018/05/15/3055/).

موقع “الموسوعة التونسية المفتوحة”، (أطلع عليها بتاريخ: 1-10- 2018)،

http://www.mawsouaa.tn/wiki/أحمد_الدرجيني.

وزارة التراث القومي والثقافة (1989)، “السير والجوابات لعلماء وأئمة عُمان”، ج2، تحقيق سيدة اسماعيل كاشف، سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة. 

 * الدكتور محمد الزّكري القضاعي أنثروبولوجي بحريني يعمل في المانيا نال درجة الدكتوراه في علم الثقافة الأنثربولوجية في المجتمعات الإسلامية (دراسة حالة شرق الجزيرة العربية) من جامعة إكستر البريطانية، معهد دراسات العرب والإسلاميات. يهتم ابن الزّكري بدراسة المعرفة في المجتمعات الإسلامية وطرق إنتاج هويّاتها في الخليج العربي. بالإضافة الى دراسة الجماعات “العربيّة/الإسلاميّة” خصوصا المتصوفة ودراسة الأماكن المرتبطة بالمعارف خصوصاً المجالس والحلقات إضافة الى اهتمامه بشبكة الاتصالات بين الجماعات وهياكل التواصل بين الخليجيين وموضوعات التراث والاتصالات الثقافية من منظور أنثروبولوجي. 

من مؤلفاته:  

الزّكري، محمد (2018)، فقهاء متصوّفة في محيط من السّلفية: الفقه كهويّة مفاهميّة منتجة لهويّات فرعية، تحت الطبع. (لغة إنكليزيّة)

الزّكري، محمد (2014): “التنقيب في الثقافة من خلال الأحلام: المكان، المعرفة والإتصال“، بون-ألمانيا: (لغة إنكليزية).  

الزّكري، محمد (2004): ”مداخلات دينيّة بين المتصوّفة والسّلفيّة في شرق الجزيرة العربية: موضوع الهوّية“، إكستر: جامعة إكستر البريطانية (لغة إنكليزية).


[1]

سنختصر مفردة إباضي كما عرفها ابن خلدون بانه ذلك المسلم الذي لا يشترط القرشية فيمن يصل الى سدة الحكم. 

كما أفاد فضيلة الشيخ الخليلي مفتي سلطنة عمان أن الإباضية في سلطنة عمان يمثلون نسبة 75% من الشعب العماني، في جنوب الجزائر” وادي ميزاب”، وجنوب تونس، شمال ليبيا “جبل نفوسه”، سلطة عمان، غانا ومالي والكنغو وتنزانيا” ويتراوح عددهم بين 6 و7 ملايين بالتقريب” وذلك لعدم وجود إحصائيات دقيقة.

[2]

فضيلة الشيخ أحمد بن سعود السيابي شخصية عمانية ذات عطاء معرفي ثري. يعمل حاليا أمين عام مكتب المفتي العام لسلطنة عُمان. وقبل ذلك عمل مدير دائرة المدارس القرآنية، مدير مكتب المفتي، مدير عام للشؤون الإسلامية، مدير عام لمكتب الإفتاء، مستشار للأوقاف والشؤون الإسلامية، قائم بأعمال وكيل للأوقاف والشؤون الإسلامية. تلقى تعليمه التقليدي في مسجد الخور بمسقط في اللغة العربية والشريعة الإسلامية. ثم نال الليسانس من جامعة بيروت العربية، كلية الآداب: قسم اللغة العربية. بعد ذلك حصل على دبلوم عال في الشريعة الإسلامية من دار العلوم، جامعة القاهرة. ثم نال درجة الماجستير في الشريعة الإسلامية من جامعة الزيتونة – بتونس. ألف كتب كثيرة منها: 

1-    الصحابي العماني مازن بن غضوبة. 2-    الرفع والضم في الصلاة. 3-    التاريخ: كتاب منهجي لمعهد القضاء الشرعي في السلطنة بالاشتراك مع الدكتور محمد قرقش. 4-    كتاب السير للشماخي {تحقيق}. 5-    الأحاديث القدسية ومكانتها من الوحي الإلهي. 6-    أصول بيت المال في عُمان وأثرها الحضاري في عهد آل بوسعيد. 7-    الوسيط في التاريخ العماني. 8-    معالم السيرة النبوية. 9-    البيئة في الخطاب الإسلامي. 10-    التواصل الأباضي بين عمان والبلاد المغاربية. 11-    الدعوة عند الإباضية بين الماضي والحاضر. 12-    المرأة المسلمة حقوق وواجبات. 13-    السيرة النبوية (رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية)، تحت الطبع.

[3]

تخرج الأستاذ خميس بن راشد العدوي من كلية أصول الدين في جامعة السلطان قابوس. يرأس المفكر خميس بن راشد مجلس مؤسسي مكتبة الندوة العامة ببهلا. ؛ما إنه واسع التأليف والنشر ومن كتبه: 1-  “رواية الفرقة الناجية: المنطق والتحليل”. 2-  “السنة – الوحي – الحكمة”. 3-  “سنة الله في غير المسلمين”. 4- “الوحدة الإسلامية”. 5-  “الإيمان بين الغيب والخرافة”.

[4]

هذه المقالة ليست استعراضي بل “قراءتي” لكتاب “التصوف في عمان”. لقد استرسلت في زوايا التصوف واستخدمت تعابير للكشف عنه كما أفهمها شخصيا. بالرغم من إنني في هذه المقالة أنطلق بشكل كلي من أطروحات الشيخ الفاضل الأستاذ أحمد السيابي ومدارسات الأستاذ خميس العدوي ولكن هناك شيء من التوسع في قضية التصوف ببعض الأمور هي ليست بالضرورة كما وردت في الكتاب ولأجل ذلك وجب التنويه. 

[5]

نشأ في مدينة جيطال في جبل نفوسة -ليبيا. فقيه، عالم بالأدب، من أعيان الإباضية. من أهل نفوسة كان يتردد إلى جربة بالسفن قبل بناء القنطرة (وقد بنيت في أيام عبد العزيز أبي فارس سلطان أفريقية المتوفى سنة 737 هـ‍) وحبس مدة في طرابلس الغرب. ومات بجربة. لقِّب ب”فيلسوف الإسلام”، تشبيها له بأبي حامد الغزالي. ومن مصنفاته: 1. «قناطر الخيرات»، في ثلاثة أجزاء، وهي موسوعة فقهية وأخلاقية (مط). أما الجزء الأوَّل – الذي يحوي قنطرتي العلم والإيمان – فقد حقَّقه الدكتور عمرو خليفة النامي، وطبع مرتين. 2. «كتاب الحساب وقسم الفرائض» (مخ). 3. «شرح نونية أبي نصر في أصول الدين»، ثلاثة أجزاء (مخ). 4. «الحج والمناسك»، (مط). 5. «قواعد الإسلام»، طبع بتحقيق الشيخ عبد الرحمن بكلِّي. 6. «عقيدة الشيخ إسماعيل»، (مط). 7. «تذكرة النسيان وأمان حوادث الزمان»، وهي عبارة عن وصيته المادية والأدبية، غير أنها تحمل الكثير من المعلومات التاريخية والجغرافية. منها نسخة مخطوطة وحيدة بمكتبة إروان بالعطف، وقد طبعت في ملحق دليل مكتبة إروان. وللشيخ تآليف أخرى لم تصلنا، منها كتاب جمع فيه «فتاوى الأيمَّة» في ثلاثة أجزاء. يمتاز الجيطالي في كتاباته بأسلوب رفيع، وبمنهج رصين، ويوصف أدبه بالسهل الممتَنع.ذكر أنَّه كان يحفظ أمَّهات الكتب في عدَّة فنون، حفظاً راسخاً منها: دعائم ابن النضر، ومقامات الحريري، وكتاب العدل والإنصاف للوارجلاني، وجمل الزجَّاج. وجربة التي احتفت بالشيخ حيا، آوت رفاته بعد وفاته، في المقبرة المجاورة للجامع الكبير.

[6]

نظام العزابة: اشتقت كلمة عزابة من العزوب عن الشيء وهو البعد عنه، أو العزابة بمعنى العزلة والغربة ويقصد بها في هذا الاستعمال الانقطاع إلى خدمة المصلحة العامة والأسباب التي أدت إلى تطبيق هذا النظام، هي الظروف التي مرت بالإباضية منذ نهاية القرن الهجري الثالث، فسعى العلماء إلى وضع أسس يمكن عن طريقها تطبيق الشريعة الإسلامية بين تجمعات الإباضية ما دامت الدولة القائمة عاجزة عن ذلك وما دامت الظروف لا تمكنها من إعادة بناء دولتهم. وأول من تصدى لهذا العمل هو العالم الأباضي “عبد الله محمد بن أبى بكر” القرسطائي في أواخر القرن الرابع الهجري درس أبو عبد الله الأوضاع العرفية التي كانت تحكم المجتمع الأباضي مستنداً إلى تشريعات الإسلام فوضع دستوراً عرف “بنظام العزابة” يعتبر من أقدم القوانين التي وضعت في المجتمعات الإسلامية ثم جاء بعد أبي عبد الله عدد من العلماء عنوا بدراسة هذا القانون وأضافوا إليه بعض المواد أطلق عليه سيرة العزابة.

 .فالعزابة، هي هيئة محدودة العدد تعمل وفقاً لضوابط معينة للأشراف الكامل على شئون المجتمع الأباضي الشئون الدينية والاجتماعية والسياسية ويمثل العزابة الإمام ويقومون بعمله في حالة غياب الدولة الإباضية ويجب توفر شروط محددة في الشخص لكي ينضم في حلقة العزابية من أهم هذه الشروط حفظ كتاب الله تعالى، واستكمال مراحل الدراسة مع الرغبة في مواصلة العلم، وأن يكون الشخص متديناً عفيفاً طاهر الباطن والظاهر هذا من الناحية العلمية، وعلى الشخص أيضاً المحافظة على زي العزابة الرسمي، وألا تكون له مشاغل دنيوية تجعله يتردد على الأسواق والمحال العامة حفاظاً على مهابته، وقد روعيت هذه الشروط بدقة في قبول الشخص في الحلقة وذلك للمهام الكبرى التي توكل إليه من داخل حلقات العزابة . ومن مهامه :-

1- الإشراف العام على كل ما يتعلق بالمجتمع الأباضي وهي الوظيفة البديلة لوظيفة الإمام، ويقوم بهذا المنصب شيخ حلقة العزابة.

2- القضاء فيما يقع بين الناس من مشاكل والفصل في القضايا، ورد الحقوق إلى أهلها وتأديب العصاة والمجرمين وحفظ الأموال ومراقبتها والحراسة على أموال الناس.

3- ضبط ميزانية الحلقة بالإشراف على الأوقاف وتنميتها وصيانتها ورصد الصادرات والواردات.

4- الإشراف على الشئون الاجتماعية وتفقد أحوال الناس لتقديم المساعدات سواء من ميزانية الحلقة أو بتكلف ذوي اليسار أو بإيجاد الأعمال لمن له القدرة على ذلك.

5- الإشراف على التعليم والعمل على إتاحة الفرصة لكل الأطفال لينالوا قسطا” منه ورصد جزء من ميزانية الحلقة لأعمال التعليم وإعانة الطلبة

.6- الإشراف على العلاقات الخارجية بين المجموعات الإباضية وبينها وبين غيرها وتنظيم تلك العلاقات في حالتي السلم والحرب.

نص قانون العزابة على تكوين حلقة عزابة في كل بلد أو قرية، يُراعى في الاختيار شروط العضوية ما أمكن ذلك، ثم تكون مجالس على مستوى المناطق تمثل فيها حلقات القرى والمدن ومن مجالس المناطق يكون مجلس أعلى للعزابة يسمى “الهيئة العليا للعزابة” يرأسه شيخ العزابة الذي يمثل الامام ومقر هذه الهيئة هو مركز البلد أو عاصمتها وتعقد الهيئة العليا اجتماعات دورية مرة كل ثلاثة أو ستة أشهر ومتى دعت الحاجة إلى الاجتماع، ويحضر الاجتماعات الدورية ممثلون لجميع حلقات العزابة تنظر الهيئة العليا في الاحداث الكبرى كمسائل الحدود والامن العام وتطرح فيه المصاعب التي تواجه حلقات العزابة الصغرى .

ومقر حلقة العزابة هو المسجد ولذلك يقام إلى جانب المسجد بيت خاص بالعزابة تكون مقراً لحلقاتهم وفي العادة تتكون الحلقة من عشرة إلى ستة عشر عضواً توزع عليهم الاعمال المنوطة بهم، وإلى جانب المهام السابقة يوكل إلى أفراد الحلقة مهام أخرى إذ يخص أفراد لمهمة الأذان وحقوق الموتى من غسله والصلاة عليه ودفنة وتنفيذ وصيته.

وقد وضعت ضوابط لمعاقبة من يخرج على نظام الحلقة من أعضائها فإن ارتكب أي عضو مخالفة يوقع عليه العقاب بقدر الخطأ فان كانت المخالفة صغيرة عقد له مجلس تأديب سري يراجع فيه العضو، وقد يبعد عن الحلقة لمدة تقررها الحلقة، أما إذا كان الخطأ كبيراً يتصل بمعصية الله حكموا عليه بالبراءة ولا يرفع عنه هذا الحكم حتى يتوب علناً وليس له الحق في الرجوع إلى حلقات العزابة.

تتمتع افراد العزابة بمكانة كبيرة في نفوس المواطنين لسلوكهم الحميد ونزاهتهم وتفانيهم في خدمة المجتمع ولذلك فان قراراتهم كانت تنفذ بدقة وترضى بها كل الأطراف، وتوجيهات العزابة يعمل بها عن رضى وقناعة واذا حدث وانحرف شخص عن دين الله أو تصدى لأحكام العزابة أعلن عليه حكم البراءة وتعني عزل الشخص وتبرؤ كل المؤمنين منه وينفذ ذلك الصديق والأهل ويقطع الناس معاملتهم معه إلا بالقدر الضروري فيضطر إلى الرجوع لحياة الجماعة وإعلان التوبة والندم. 

يوجد مجلس استشاري للعزابة هو” منظمة ايروات “وهم جماعة من حفظة القرآن والمشتغلين بالدراسة ولهذه المنظمة القوة الثانية بعد العزابة أو كمجلس النواب بالنسبة للشيوخ وقد يسند إليها العزابة بعض الأعمال. (موقع “أهل البيت”، 2018).

[7]

“سِجِلْماسَةُ مدينة تاريخية كانت تقع وسط واحة كبيرة جنوب الأطلس الكبير، مقابلة لمدينة الريصاني في تافيلالت الحالية، واليوم تعتبر المدينة موقعا أثريا يضم الآثار والخرب والأطلال، وتقع ضمن حدود المملكة المغربية الحالية”.

[8]

“هو أبو العباس أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف التمجاري الدرجيني الإباضي، عالم من علماء الشريعة، ومتكلم في قضايا العقيدة والإيمان على مذهب الإباضيّة، وله ولع بالتراجم وتقييد أخبار العلماء والأدباء، واهتمّ بالشعر وغلب فن التاريخ على أغلب تصانيفه. ويبدو أنّ ولادته كانت بمنطقة درجين السفلى بنفزاوة. وهو ينحدر من أسرة بربريّة كانت تسكن تمجار وسط جبل نفوسة بليبيا، وقد هاجر جدّه الأعلى الحاج بن يخلف إلى بلاد الجريد، التي كان أغلب سكّانها إباضيين. كان والده من أوّل الشّيوخ الذين أخذ عنهم العلم والأدب، وفي ورجلان تلقّى علوم الدين وفقه الشريعة عن أبي سهل يحيى بن إبراهيم أحد علمائها وأيمتها المشاهير. وفي سنة 633هـ / 1235م. استأنف طلب العلم بتوزر وهناك أقبل على النظر في كتب التاريخ ومصنّفات المناظرة والجدل، وما لبث أن اتجه إلى جربة حيث أشير عليه بأن يأخذ في تأليف كتاب طبقات المشايخ وهو ما يذكره البرادعي في الجواهر المنتقاة”. (موقع الموسوعة التونسية المفتوحة)

الشيخ أحمد بن سعود السّيابي