في عام 2009 اجتمع فقهاء في مكة المكرمة تحت سقف المجمع الفقهي الإسلامي في لقائه ال 18عشر والذي هو تابع لرابطة العالم الإسلامي ليناقشوا عقد نكاح مرن مستحدث جدا عرف باسم زواج فرند (Freundin heiraten)
. بعد أربعة أيام من مداولات ومناقشات مفصلة ومحتدمة أجاز نخبة من أعضاء المجمع عقد النكاح المستحدث هذا.
المقدمات الموضوعية التي وفرت المناخ لولادة فكرة زواج فرند (Freundin heiraten) ارتبطت منذ البدء بالتراب الأوروبي. فقد كان عندزيارة المهاجرون إلى أوروبا لأقاربهم يحدثونهم عن قوة وجاذبية ثقافة الصديق والصديقة (boy friend – girl friend) الليبرالية على شابّات وشباب العرب والتي قد تشمل ممارسات جنسية خارج إطار الزواج وهدا أمر يزعج الأسر المحافظة.
علما أن الإسلام ليس وحيدا عندما ينادي بأخلاق العفة بل أيضا اليهودية والمسيحية تنادي ب العفة أو “Sexuelle Abstinenz” ولا تبيح المضاجعات إلا في إطار الزواج. مثل هذا موثق إحصائيا. فهناك تقارير مختلفة درست شريحة تتراوح ما بين 7إلى 9بالمئة من الشباب الأوروبي والذين صرحوا بأنهم لا يمارسون الجنس إلا بعد أن يتجوزون. بمعنى آخر هناك قرابة 90بالمئة اعتنقوا القيم الليبرالية وقرابة ال 10بالمئة احتفظوا بالقيم المنحدرة من اليهودية والمسيحية والإسلامية فيما يخص “Sexuelle Abstinenz” أي العفة حتى الزواج. فمن ينظر ويدرس احتياجات هذه الأقلية فوق التراب الأوروبي؟
لا يوجد عندي شك أن المهاجر أمام لا مفريّة من وقوعه في نطاق جذب قوى الاندماج الآخذة به نحو ثنايا الثقافة الأوروبية ذات التراث الليبرالي / المدني/ العلماني من جهة وذات التراث اليهودي المسيحي Judeo-Christianوشيء من الإسلام الأوروبي القديم والحديث من جهة أخرى أيضا. وما عندي شك أن سيادة الدستور في أوروبا الديمقراطية تتيح لكل فرد عاقل بلغ سن التكليف من ممارسة القيم التي يشاءها سوآءا تلك المنحدرة من المرجعيات الليبرالية أو الدينية كما لا يوجد إكراه تحت الدساتير الأوروبية شئنا أم أبينا.
هذا واقع ثقافي لكل من قرر الحياة فوق التراب الأوروبي ولا من مفر من الاندماج به بنسبة وتناسب تتماشى مع سعة عقل وثقافة المهاجر والمهاجرة.
لهذا أنا أحي وأشكر تلك النخبة التي اجتمعت في مكة عام ٢٠٠٩، فهي نخبة لم تدس برأسها تحت التراب بل أخرجته من جحر التغافل والإهمال. حررت عقلها من الإلتزام بكلالتراث الماضوي حيث أنه قد اهترأت بعضمنظومته الفكرية وأصبح لزاماترك بعضه وتجديد بعضه. أحي تلك النخبة لأنها أشغلت فقهها في لحظة عولمية كونية جارفة لا مفر من التعامل معها وذلك بالتفاعل الإيجابي مع مستجدات ثقافية وجسدية مهمة.
عبقرية زواج فرند (Freundin heiraten) يكمن في أنها أطروحة تريد الدخول في الثقافة الأوروبية لتتموضع في ثناياها ولكي تندمج معها وذلك بربط فكرتها بشكل متوازي مع قيرل فرند / بوي فرند boy friend – girl friendذات الإنتشار الواسع بين أتباع الثقافة الليبرالية الأوروبية.
بمعنى آخر إن فكرة زواج فرند لا تلغي قيرل فرند / بوي فرند بل تتخذ من الجماهير المستهلكة ل قيرل فرند / بوي فرند كجماهير محتملة لتستهلك وتقبل أطروحة زواج فرند (Freundin heiraten) كأطروحة محتملة أخرى.كما أنها أطروحة تتجمل خصوصا لتلك الجماهير المحافظة التي تؤمن بالتراث اليهودي المسيحي Judeo-Christianوشيء من الإسلام الأوروبي القديم والحديث ولتوفر لهم طريقا محافظا للتعايش فوق الواقع الأوروبي.
على المستوى العملي، حال ما تم قبول أطروحة زواج فرند، تقول الفتاة لصديقها إنني أريد أن أنخرط معاك ضمن صداقة زواج فرند ويكون هو قد ألم بهذا المسار الثقافي فيتقبله دون إستهجان. والعكس صحيح أي تكون الفتاة ألمت وعرفت ما يقصد الشاب من هذا الإقتراح.
طبعا أطروحة زواج فرند (Freundin heiraten) لم يتم تداولها ومناقشتها أوروبيا من كافة قيادات الرأي الليبرالية والدينية. فهي أطروحة تعاني من ثغرات عدة بحاجة إلى توافق مجتمعي لأوروبنتها وتدشينها كعرف أوروبي متفق عليه من قبل الشبات والشباب الأوروبي وأسرهم.
المجمع الفقهي في مكة تحدث فقط عن أن زواج فرند في إطار علاقة زواجية مرنة يتوفر فيه أركان الزواج من عاقد وشهود
ويكون فيها عدم التزام أي من الطرفين بتوفير مسكن أو توفير دعم مالي لشريكه. ففي الزواج فرند يمكن أن تبقى القيرل فرند في منزلها والبوي فرند يواصل إقامته في منزله دون أي التزام مالي. مثل هذه المعلومات ناقصة وغير عملية وبحاجة إلى تطوير وتنضيج من قبل صناع الرأي وبعض من التحديث لتتماشى مع مستجدات ثقافية في المجتمعات الأوروبية.
فمثلا هل كل حارة أو مدينة تعقد لها مجلس عرفي لتشرح للأسر والشباب والشابات ما تم الاتفاق عليه من قبل فقهاء أوروبا حول الزواج فرند وما له وما عليه؟ ثم تقييد أسماء الأسر التي اقتنعت ب زواج فرند فيكون التزاوج بين أفرادها؟ ثم لابد من الاتفاق هل يتم خوض الزواج شفهيا أم تقييديا وهل يلزم تواجد العاقد والشاهدين أم أن الجماعة تتفق في حارتها على طريقة بديلة من مثل الإتصال بالهاتف لإخبار الأسرة التي سبق وأن وافقت على ثقافة الزواج فرند عن تطورات شريكين ينويان الإنخراط في زواج فرند. أتصور لكي ينجح زواج فرند أوروبيا لابد من مناقشة قضية العصمة ومن مناقشة تحديدا مقترح ثنائية العصمة أي أن تكون بيد الشابة والشاب في آن واحد لإنهاء العلاقة إذا ما رغب أحدهما. لابد من وجود مهرا ولو بشكل رمزي يتوافق عليه.
ماذا عن الحياة والموت هل توجد ورثة أم أن عرف الزواج فرند يعني التنازل عن الورث؟ ماذا عن الحمل هل تتحمل الأم تكاليف الحمل والوضع والتربية؟ هذه أسئلة ملحة ومهمة لم يناقشها المجمع ويجب على صناع الرأي الثقافي المهجري من التطرق إليه وإيجاد حلول له.
والأهم أنه بعد مناقشة زواج فرند فقهيا بين نخبة فقهية تنويرية واقعية يبقى لزاما تدشين الفكرة ثقافيا من خلال المسلسلات الأوربية وبرامج التلفزيون. ختاما بعد قرابة عشرة أعوام من قرارات المجمع الفقهي المكاوي نعيد فتح ملف زواج فرند (Freundin heiraten) متسائلين هل ستتقبل الثقافة الأوربية ذات التراث اليهودي المسيحي Judeo-Christianاستضافة مصطلحات إسلامية تعالج مشاكل المسلمين في أوروبا؟
أحترم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (13 شوال 194 هـ – 1 شوال 256 هـ) لأنه عالم صاحب مشروع تعددي توافقي في الأمة إنكشف لي هذا الأمر بعد دراسة القواعد التي إنتهجها في إنتقاء رواة الأحاديث التي أوردها في صحيحه. بعد دراسة لعدة أشهر وتمعن في سير رواة صحيح البخاري وجدت أن لدية نهج ثابت لا يَشُذّ عنه. بعد إمعاني وتعمقي إتضح لي أن البخاري صاحب مشروع يشَرْعن لتعدد الأمة أنتجه البخاري من خلال المجتمع المصغر الذي كونه بطريقة إنتقآء رواة أحاديث صحيح البخاري. فإذا كانت هناك علاقات بين رواة الحديث وهم من أتباع فرق مختلفة فلما لاتكون ذات العلاقة بين أفراد الأمة من غير أهل الحديث؟
دعونا نشرح فمن نهج البخاري إن كل باب يعنون له البخاري بعنوان مثل باب فضل العلم أو باب الخروج في طلب العلم ألخ يفتحه بحديث يسميه أهل الحديث الحديث الشاهد. أي أن هذا الحديث يشهد على صحة تأسيس هذا الباب ويشهد لما بعده من أحاديث في ذلك الباب. بعد الحديث الشاهد تجد أن البخاري يسرد أحاديث بصيغ وألفاظ وزيادات تحوم حول فكرة الحديث الشاهد، ويسمي أهل الحديث هذه الأحاديث بالأحاديث المتابعة للحديث الشاهد. عندما درست الرواة في الحديث الشاهد والرواة في الأحاديث التابعة وجدت سر عظيما لم يهتدي إليه إبن حجر العسقلاني وهو صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري. وجدت أن البخاري يوظف الحديث الشاهد في سياق يختلف عن سياق الأحاديث المتابعة ولكن السياقان يتداخلان ليخلقا علاقات بين مجتمعات فرق الأمة الإسلامية. كيف؟ إعتنى البخاري في إنتقاء رواة كل حديث شاهد ليكونوا من أتباع الفرقة التي ينتمي إليها البخاري في حين أنه إعتنى في إنتقاء رواة الأحاديث التابعة ليكون من بينهم أتباع فرق الأمة. فتجد من بينهم من أتباع:العثمانية، من العلوية الشيعية، ومن الخوارج، ومن النواصب، ومن الأموية، من القدرية، من المعتزلة. “البخاري بمشروعه تقدم واختلف بمراحل عن بقية أصحاب كتب الأحاديث” لقد شفر البخاري في طيات صحيحة إعتراف بتعدد الأمة واعتراف بكافة فرقها. والأهم إنه لم يلغي الفرق في
مجتمع رواة صحيه. كما إنه لم يجعل من فرقته مصدر وحيد للحديث. لقد ذهب البخاري إلى أبعد مما نعتقد حينما إعترف بوجود علاقات إجتماعية بين أتباع الفرق كلهم. بمعنى أن في الحديث المتابع تجد أن راوي من فرقة باء ينقل عن راوي من فرقة جيم. يعني قد يكون راوي من جماعة البخاري روى من راوي خارجي نقل عن راوي شيعي نقل عن صحابي ففي هذا إعتراف ضمني من قبل البخاري أنه كانت هناك صحبة مجتمعية تربط بين أتباع الفرق لذلك تصادقوا لذلك رَوَوْهُ عن بعض . حتى شرط العدالة الذي يجب أن يتوفر في الراوي لكي يروي عنه البخاري وهو شرط البخاري لم ينصب الفرقة التي ينتمي إليها كمعيار لعدالة الراوي. فموضوع عدالة الراوي كانت لغزا على ابن حجر العسقلاني ولم يفطن إليها. فقد وجدت أن قضية عدالة الراوي عند البخاري تقييم يطلقه الجماعة التي ينتمي اليها الراوي عليه وليس الجماعة التي ينتمي إليها البخاري. في حين أن ابن حجر إلتبس عليه الأمر وحاول أن يقنعنا أن العدالة تقييم يطلقه جماعة البخاري على رموز الفرق الأخرى. عند البحث وجدت أن هذا لا يستوي. فقد روى البخاري عن من هم ليسوا بعدول عند جماعته ليس سهوا من البخاري كما يعتقد ابن حجر العسقلاني، بل بعد البحث وجدت أن الراوي عدل عند الفرقة التي ينتمي إليها وهذا هو شرط البخاري الحقيقي وليس الذي يعتقده ابن حجر العسقلاني. رحمنا الله جميعا .بمعنى آخر لم يؤسس البخاري لفكرة فرض قيم العدالة لفرقتنا على الفرق الأخرى وهذا على نقيض مما حاول أن يؤسس له ابن حجر العسقلاني. بل إن البخاري إعترف أن لكل فرقة مفهوم عدالة يتمثل في رموزها وهذا إعتراف كبير من قبل البخاري بتعدد القيم والعدالات في المجتمع الإسلامي.
البخاري هذا الرجل أكبر بكثير مما يحاول بعض الشيعة مؤخرا تصويره أو الوهابية توظيفه في إطار مذهبي بغيظ. د. محمد الزّكري أنثروبووجي بحريني
لم أسمع بالمفكر الألماني نيكلاس لومان سوى عندما بدأت أدرّس في ألمانيا في عام ٢٠١٠. ولكوني من المولعين بدراسة الفرق الإسلامية من خلال الثلاثية المعرفة، الإتصال والمكان في آن واحد وجدت أن أطروحات نيكلاس لومان قريبة إلى طريقة تفكيري بشكل قوي جدا.
الطفلة تكبر و بعد زمن تنضج قدرات الفتاة والشاب على فهم الحياة ومن فهم المصلحة ومن المساهمة في تشكيل مضامينها مع رب الأسرة. فمن المتوقع أيضا أن تستجد مواقف لا يتفق فيها الأب مع إبنته على تشخيص ذات المصلحة. مثل هذا الإختلاف في تشخيص المصلحة بين الأب وبنته تطرق إليه القرآن العظيم كما فطن فقهاء الإسلام القدماء (مثل ابن قدامة في المغني 7/368) إلى تطرق القرآن العظيم إلى هذه الظاهرة تحت عنوان “تعضل” الرجل على المرأة.
قديما قال الفقهاء بحرمان تعضل الأب على بنته ويقصدون بذلك عندما يفرض الأب رأيه بشكل يخل من تحقيق المصلحة التوافقية المتفق عليها بينه وبين أفراد أسرته وذلك في حالة منعها من الزواج بكفئها من رجل تحبه وترغب به ويرغب بها. أي أن الأب يرى بمصلحة غير تلك المصلحة التي تراه أبنته. وهذا أمر منهي عنه في القرآن. إذ يجب أن تخوض الأسرة حوار متكافأ بين الولي وموليته للتوصل إلى مصلحة متفق عليها. قال الفقهاء القدماء أن في حالة ما إذا تعضل الولي بفرض رأيه على موليته في قضية الزواج تسقط في هذه المسألة ولايته لعدم جدارته بأن يكون ولي توافقي وتنتقل الولاية في هذه المسألة إلى الولي الأبعد من مثل الجد. بل يسمى الولي إذا تعضل على بناته في قضية الزواج فاسقا وتسقط عدالته وولايته. بل إنه على المشهور من مذهب الإمام أحمد تسقط حتى إمامته فلا يصح أن يكون إماما في صلاة الجماعة في المسلمين. “
على المستوى العامي لا يوجد أحد منا لم يسمع بتعبير “لا تتعضل علي” أي لا تشتد علي، أي لا تمنعني عن مرادي، أي لا تغلق الأبواب في وجهي. ولكن والغريب لا نجد أن فقهاء زماننا يثقفون الجماهير بأنواع التّعضلات وحدوده.
الملفت أن عاميتنا ليست فقط ملمة بمفردة تعضل ولكنها تستخدمه ليس فقط في قضية الزواج بل في كل القضايا التي يكون فيه الرجل والمرأة طرفي حوار وأخذ وعطاء.
هنا يستحب بنا أن نتسائل هل التعضلات على مستوى الفقه محصورة فقط في قضية الزواج؟ أم أن مقصد الآية الكريمة هو توسيع مدارك الوعي الأسري لكي يحقق كافة مناحي مصلحة الأسرة.
هل يمكن إذا توسيع فقه التعضل ليعني القدرة على إنتاج مواقف توافقية بين أعضاء الأسرة حول أفضل كافة السبل لتحقيق “المصلحة” دون تشتيت الأسرة؟
مثلا ماذا لو أرادت فتاة أن تدرس الطب وهو متاح لها ولكن ولي أمرها يصر أن تدرس تخصص التعليم ضد رغبتها فهل يسمى ولي الأمر هنا عاضل وتسقط ولايته في هذا المحور؟
وعلى مستوى عش الزوجية لو تم تقسيم شؤون الحياة بين الزوج وزوجته إلى محاور ومواضيع يجب فيها أن ينجح الزوج بالإمتناع عن التعضل مع زوجته لكيلا يتحول إلى فاسق في نظر الشرع. وفي حالة ما قام الزوج بممارسة ولايته على زوجته بنهج التعضل أي بفرض رأي لا يخدم مصلحة الأسرة بشدة فهل في هذه الحالة يسقط شرط السمع والطاعة للزوج في هذا الملف؟
لا يجب أن نستثني في زمن متعولم بثقافات كونية من إستثناء تعضل المرأة في صيغة البنت أو الزوجة على الرجل فبمثل ما أن الإنخراط في ثقافة توافقية مطلوبة من الرجل فهي أيضا مطلوبة من المرأة. نحن بلا شك بأمس الحاجة إلى إعادة فتح ملف “فقه العضالة أو التعضل” ومن ثم توسيع نطاقه ليكون بشكله المطوّر محور تشكيل وعي شرعي يعطي الرجل والمرأة الحافز الديني على تجنب تعضل الواحد على الآخر وتحفيزهما التجنب سلوك فرض رأي ما على الشريك الآخر. بل يجب على الرجل والمرأة وخصوصا الرجل في الثقافة العربية وعلى بنته وزوجته خوض حواراتهم بمعايير التكافيء بين شركاء المصلحة لتحديد ما هو مصلحة الأسرة وكيف يمكن تحقيقه بشكل لا تعضلاتي أي لا يتعضل الرجل فيه على المرأة ولا تتعضل المرأة فيه على الرجل وذلك ببث ثقافة إنتاج تعريفات أسرية لما هو مصلحتها بشكل ونهج توافقي لا قسري
كلنا استيقظ على وقع الإثارة الإعلامية بترك الشابة السعودية رهف محمد القنون منزل أباها إلى تايلاند ثم إلى كندا. وما لثبنا فتبعها موضوع نجود منديل السعودية. في سياق مشابه علمت أن في مدينتنا كتبس الألمانية امرأتان مهاجرتان قررتا ترك منزل الزوجية واحتمتا بظل القانون المعمول به في ألمانيا.
هناك من يتساءل هل ما نراه ضوءًا أحمرا يلوح منذرا عما هو أعمق مما تراه العين. هل مشهد ترك الشابة منزل والدها أو ترك الزوجة بيت الزوجية هو حقيقة مشهد أفرزه عجز البنية الفقهية العاملة في تشكيل الوعي الأسري عن أداء وظيفتها. هل الوعي الذي ينظم علاقة ولي أمر المنزل مع أسرته ينهار؟
هل الخطاب الديني اللا-منتمي إلى زماننا بفعل ترسباته العميقة ينتج مخيلة تلهم خيال الرجال بكيف يجب عليه أن يتصرف كرجل عندما تختلف المواقف بينه وبين المرأة بشكل مخلول؟
من غير الإنصاف القول بأن العرب وحدهم الذين يواجهون هذا التحدي. فكل الأسر من أتباع الثقافات العالمية لها مشاكلها في قضية ضبط عائلتها في إطار يناسب فهم رب أو ربة الأسرة حول ما يحقق مصلحة الأسرة.
My Way or the Highway من منا لم يسمع بالمثل الأمريكي
ويعني يا تسير على قوانيني في البيت يا تسير عن المنزل
أو المثل الذي يقول
my house my rules
ويعني منزلي يدار بقوانيني لا بقوانينك. هذه كلها أمثلة أمريكية مشهورة وهي مرتبطة بتحديات سنين المراهقة والنضج وهي مرحلة يصلها الأبناء والبنات خصوصا بعد ما يسري في أجسادهم هرمونات البلوغ ليتحولوا من أطفال إلى مراهقين ومراهقات.
لكن الطفلة تكبر و بعد زمن تنضج قدرات الفتاة والشاب على فهم الحياة ومن فهم المصلحة ومن المساهمة في تشكيل مضامينها مع رب الأسرة. فمن المتوقع أيضا أن تستجد مواقف لا يتفق فيها الأب مع إبنته على تشخيص ذات المصلحة. مثل هذا الإختلاف في تشخيص المصلحة بين الأب وبنته تطرق إليه القرآن العظيم كما فطن فقهاء الإسلام القدماء (مثل ابن قدامة في المغني 7/368) إلى تطرق القرآن العظيم إلى هذه الظاهرة تحت عنوان “تعضل” الرجل على المرأة.
قديما قال الفقهاء بحرمان تعضل الأب على بنته ويقصدون بذلك عندما يفرض الأب رأيه بشكل يخل من تحقيق المصلحة التوافقية المتفق عليها بينه وبين أفراد أسرته وذلك في حالة منعها من الزواج بكفئها من رجل تحبه وترغب به ويرغب بها. أي أن الأب يرى بمصلحة غير تلك المصلحة التي تراه أبنته. وهذا أمر منهي عنه في القرآن. إذ يجب أن تخوض الأسرة حوار متكافأ بين الولي وموليته للتوصل إلى مصلحة متفق عليها. قال الفقهاء القدماء أن في حالة ما إذا تعضل الولي بفرض رأيه على موليته في قضية الزواج تسقط في هذه المسألة ولايته لعدم جدارته بأن يكون ولي توافقي وتنتقل الولاية في هذه المسألة إلى الولي الأبعد من مثل الجد. بل يسمى الولي إذا تعضل على بناته في قضية الزواج فاسقا وتسقط عدالته وولايته. بل إنه على المشهور من مذهب الإمام أحمد تسقط حتى إمامته فلا يصح أن يكون إماما في صلاة الجماعة في المسلمين. “
على المستوى العامي لا يوجد أحد منا لم يسمع بتعبير “لا تتعضل علي” أي لا تشتد علي، أي لا تمنعني عن مرادي، أي لا تغلق الأبواب في وجهي. ولكن والغريب لا نجد أن فقهاء زماننا يثقفون الجماهير بأنواع التّعضلات وحدوده.
الملفت أن عاميتنا ليست فقط ملمة بمفردة تعضل ولكنها تستخدمه ليس فقط في قضية الزواج بل في كل القضايا التي يكون فيه الرجل والمرأة طرفي حوار وأخذ وعطاء.
هنا يستحب بنا أن نتسائل هل التعضلات على مستوى الفقه محصورة فقط في قضية الزواج؟ أم أن مقصد الآية الكريمة هو توسيع مدارك الوعي الأسري لكي يحقق كافة مناحي مصلحة الأسرة.
هل يمكن إذا توسيع فقه التعضل ليعني القدرة على إنتاج مواقف توافقية بين أعضاء الأسرة حول أفضل كافة السبل لتحقيق “المصلحة” دون تشتيت الأسرة؟
مثلا ماذا لو أرادت فتاة أن تدرس الطب وهو متاح لها ولكن ولي أمرها يصر أن تدرس تخصص التعليم ضد رغبتها فهل يسمى ولي الأمر هنا عاضل وتسقط ولايته في هذا المحور؟
وعلى مستوى عش الزوجية لو تم تقسيم شؤون الحياة بين الزوج وزوجته إلى محاور ومواضيع يجب فيها أن ينجح الزوج بالإمتناع عن التعضل مع زوجته لكيلا يتحول إلى فاسق في نظر الشرع. وفي حالة ما قام الزوج بممارسة ولايته على زوجته بنهج التعضل أي بفرض رأي لا يخدم مصلحة الأسرة بشدة فهل في هذه الحالة يسقط شرط السمع والطاعة للزوج في هذا الملف؟
الأمر لا يقتصر فقط على فقه التعضل فهناك انقراض وتآكل للثقافات المحلية لصالح ثقافة كونية تبثها القنوات العربية من خلال المسلسلات والأفلام الأمريكية واللاتينية. هذه المحطات المملوكة من قبل أفراد عرب وخليجيون يبثون إلى جانب المسلسلات الأجنبية فقرات دينية وتغطيات للصلوات المباركات في الحرمين الشريفين مما يسهل على المستهلكة والمستهلك لهذه البرامج من تقبل الثقافات الأخرى التي تبثها تلك المحطات. فبعد طول هذه السنوات من هذا البث الإعلامي لابد أن نتوقع حدوث تبدل معياري في السلوكيات غير متطابق مع روح الثقافات المحلية.
أمام هذا الزخم من البث الإعلامي لثقافات كونية تُـقْرِض الثقافات المحلية لا نجد بالمقابل برامج ثقافية وسيطة تساهم في تنمية الذكاء الثقافي بين مستهلكي تلك البرامج التلفزيونية. فالذكاء العاطفي والثقافي ينمي قدرات فردية تسمح بتقييم السلوك الكوني الذي يمكن تقمصه محليا دون الدخول في تصادم حاد مع أتباع الثقافة المحلية. لابد أن يتمكن المحلي عند إقتباسة من ثقافات كونية أن يعلم أن بعض تلك الثقافات ليست أمريكية بل نيويوركية أو لاسفيغية وأن كل الأمريكان لا يتقبلونها. فأمريكا ثقافات وليست ثقافة واحدة. فكيف يترك المستهلك العربي دون دليل إرشادي ليعي فعلا ماذا يتقمص ودرجة التقمص. برامج الذكاء الثقافي مفقود ثقافي في ثقافتنا وهو متطلب حرج ووجودي لمجتمعات وهي في طور إنتقالاتها عبر الثقافات. برامج الذكاء الثقافي ترشد المستهلكة والمستهلك للثقافات الكونية من التمكن من صنع تصنيف تمييزي يرشده حول ما يمكن إقتباسة وجرعات الإقتباس ودرجات إشهاره في محليته.
من الذين تفطنوا بشكل مبكر إلى أهمية الذكاء الثقافي وساهمت بقدراتها المتواضعة على نشره في الثقافة العربية هي المفكرة المغربية فاطمة المرنيسي ت. 2015. جمعت السيدة فاطمة ما بين العلوم الإسلامية والأنثروبولوجية ووظفتهما في قضية تحسين وضع المرأة العربية لا بإحداث ثورة غربية بين العرب بل بالإهتداء إلى تلك الثغرات في الثقافة الإسلامية العربية التي تسمح بالتغير وتساهم في إحداث طفرات نوعية وثقافية تخدم وضع المرأة في معادلة ذات كفّة شبه متساوية مع الرجل كأب أو كزوج مع بنته وزوجته. ما قامت به فاطمة المرنيسي هو إستخدام منطق الإسلام ولغته وذلك بأخذ بعض لبناته لبناء مباني ثقافية جديدة تسمح باستضافة قادم ثقافي كوني من الخارج ليكون مناسبا مع البيئة الإسلامية العربية.
لا يجب أن نستثني في زمن متعولم بثقافات كونية من إستثناء تعضل المرأة في صيغة البنت أو الزوجة على الرجل فبمثل ما أن الإنخراط في ثقافة توافقية مطلوبة من الرجل فهي أيضا مطلوبة من المرأة. نحن بلا شك بأمس الحاجة إلى إعادة فتح ملف “فقه العضالة أو التعضل” ومن ثم توسيع نطاقه ليكون بشكله المطوّر محور تشكيل وعي شرعي يعطي الرجل والمرأة الحافز الديني على تجنب تعضل الواحد على الآخر وتحفيزهما التجنب سلوك فرض رأي ما على الشريك الآخر. بل يجب على الرجل والمرأة وخصوصا الرجل في الثقافة العربية وعلى بنته وزوجته خوض حواراتهم بمعايير التكافيء بين شركاء المصلحة لتحديد ما هو مصلحة الأسرة وكيف يمكن تحقيقه بشكل لا تعضلاتي أي لا يتعضل الرجل فيه على المرأة ولا تتعضل المرأة فيه على الرجل وذلك ببث ثقافة إنتاج تعريفات أسرية لما هو مصلحتها بشكل ونهج توافقي لا قسري
كل منا بحاجة أن يعلم أن ثقافاتنا المحلية تنقرض لصالح ثقافة كونية تلفزيونية، لذلك لابد من الضغط على مؤسسات الثقافات العربية في بلاد العرب أو في أوروبا من تأسيس منصة مجتمع مدني نخبوية تنتج مباني فكرية جديدة لتطور منظومة ذكاء ثقافي يسمح لنا بالبقاء كعرب ومسلمين وتسمح لنا بالتفاعل بشكل إيجابي مع ثقافات كونية متدفقة جديدة.
البحث عن دوافع محدار عوائل الجميلات الكرام عن هضبة نجد باتجاه خليج العرب سؤال مهم تحاول هذه المقالة الإجابة عنه.
تداعيات قصف قصر سلمى بالمدافع
خاضت قوات الأشراف معركتين لإخضاع قصر سلمى تحت نفوذها. الغزوة الأولى فشلت فشل ذريع أمام مناعة وبسالة فرسان الجميلات في حين أن الغزوة الثانية نجحت فقط بفضل إستخدام قوة المدافع والتي استخدمت لأول مرة في نجد لدك قصر سلمى.
فقد كتب المؤرخ الأفلاجي عبدالله بن عبدالعزيز الجذالين ت: عام 1415هـ. في كتابه ” تاريخ الأفلاج وحضارتها” ص 106 موضحا بعض المعلومات التي ذكرها عبد الملك بن حسين بن عبد الملك العصامي المكي ت: : 1111هـ في كتابه “سمط النجوم العوالي ” 4/368 أن شريف مكة حسن ابن نمي طبق النظام الإقطاعي على زعامات نجد. فطلب من زعامات نجد أن تدفع له مبلغ سنوي مقابل عدم التعرض لهم. فامتنع بعد عام شيخ الجميلات الشيخ حماد الجميلي من دفع مبلغ الضمان الإقطاعي. . فسير شريف مكة في عام 989 هـ جيش كبير الى البديع وحاصر قصر سلمى المنيع لمدة 40 يوم دون أي فائدة. فعاد الجيش الى مكة دون أن يحقق مراده وبلّغ الجند شريف مكة هذه المقولة التي ذهبت مثلا بين العرب: “وجدنا سلمي اسفلها في الماء واعلاها في السماء”. فبعث شريف مكة الى العثمانيين يطلب منهم تزويده بآلة المدافع. وتحت ضغط الشريف على العثمانيين زودوه ب مدافع تجر على عجلات. فجروا المدافع الى البديع وهنا رأى النجادة لأول مرة المدفع وهو يدك قلاعهم.
بعد هذه الأحداث نشبت قلاقل داخل قبيلة الجميلات. فهناك إشارات عديدة تحملها أشعار الجميلات تؤكد لنا بروز مناخ إضطرابات داخلية. فهذا الشيخ الفارس فيصل الجميلي المعاصر لتحركات الأشراف ضد الشيخ حماد الجميلي وهو من اهل وادي الهدار يدوّن لنا في أشعاره عن شيء من تلك القلاقل بمقولته المشهورة والمتداولة بيننا إلى يومنا هذا : ( رمح الجميلات في فرسهم). وهذا المثل كناية عن وقوع قلاقل بين الجميلات خصوصا بين الشيخ فيصل الجميلي الهدّاري (نسبة إلى وادي وبلدة الهدار) والشيخ حماد الجميلي البديعي (نسبة إلى البديع البلدة القريبة من وادي الهدار) حول أفضل طريقة للتعامل مع الأشراف. يبدو لي أن الفارس فيصل الجميلي الهداري لم يكن مقتنع من إنجازات الشيخ حماد الجميلي كبير البديع في تعامله مع الوضع في جنوب شرق نجد. مما حدا به الى ترك الأفلاج وقصيدته في هذا أشهر من علم
يقول الجميلي والذي بات ما غـفـا عينه غمر رمش المواقي دموعها
غزوة الأشراف أثرت ولكن لم تنهك قوة الجميلات في الأفلاج ولا زعاماتهم في البديع والهدار. ويبدو لي أن نوع من التحدي لقوة الجميلات وقد يكون بإعاز من الأشراف بدأ ينشب بعد غزوة الأشراف. حول هذا الموضوع ورد في كتاب من تأليف عبدالله بن محمد البسام المتوفي عام 1927م معلومات منها ما ذكره في صفحة 121 في كتابه “تحفة المشتاق في اخبار نجد والحجاز والعراق” أنه في عام 1059 هـ ( 1650) وقعت معركة بين الجميلات وحلفائهم من الدواسر ضد قبيلة عبدة قحطان حول أبار “الحرملية” قتل فيها أحد شيوخ جميلة التغلبية الشيخ فيحان بن بجاد.
يبدو لي أن الجميلات أرادوا خلق توازن يحميهم من نفوذ الأشراف في الحجاز ومن نفوذ بني خالد المتصاعد في الأحساء من خلال التوجة الى صنعاء. حول هذا الموضوع نجد في كتاب “تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من الأخبار” من تأليف المطهر بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن المنتصر أبو على الشريف الحسني الجرموزي (ت. 1077هـ/1667) أن الشيخ غنام بن رشود الجُمَيلي شيخ نصف بلدة البديع (يعني هناك شيخ آخر غيره يحكم النصف الثاني ) قد ذهب إلي صنعآء للتزود بالسلاح من زعيمها في زمن ما بين 1644-1667م .
علما أنه كانت عند الشيخ غنام قوة عسكرية لا يستهان بها حيث ذكر ممثل حاكم صنعاء، الشيخ أحمد بن ناصر الحيمي أن بلدة البديع .بلدة كبيرة لها ثلاثة أسورة، وفيها ثلاثة حصون، ويسكنها ألف رجل. ثم بعد تلك الزيارة بثلاث سنوات عاودت زعامات الجميلات بزيارة صنعاء لدفع استراتيجية خلخلة التوازنات الإقليمية لصالحها. في هذا الخصوص نجد في صفحة (186) من كتاب “تاريخ اليمن خلال القرن الحادي عشر الهجري- السابع عشر الميلادي/ تاريخ طبق الحلوى وصحاف المن والسلوى من تأليف عبد الله بن علي بن أحمد بن محمد الحسن نص مهم جدا: “وفيهَا وصل إِلَى حَضْرَة أَحْمد بن الْحسن شيخ يُقَال لَهُ الجميلي وبلاده يُقَال لَهَا البديع متوسطة بَين الدواسر وَبَين الأحساء وَولَايَة بِلَاده منسوبة إِلَى الشريف صَاحب مَكَّة فِي الْجُمْلَة فَأكْرمه وَعَاد بِلَاده وَمَعَهُ خطيب إستدعاه الْمَذْكُور فَلَمَّا إستقر ببلاده خطب للْإِمَام جُمُعَة أَو جمعتين ثمَّ . عَاد الْخَطِيب وَلم يتم ذَلِك التَّرْتِيب” يخبرنا هذا النص أن في قرابة عام 1669 قدم الشيخ الجميلي إلى صنعاء للدخول في حلف يوفر الإستتباب في نجد. لكن يبدو أن قيادات صنعاء لم تحسن التصرف عندما أرادت أن تنشر الزيدية في البديع عندما قررت صنعاء بعث خطيب جمعة مقابل الدخول في حلف مع أهالي البديع. هذا الأمر لم يكن ممكن لقيادة البديع ولأهل البديع وهم من أتباع المذهب المالكي لذلك عاد مبعوث صنعاء بعد أسبوع واحد.
ولكن حصل بعد ذلك أن وقع جدب عارم وقحط كبير في نجد وهو أمر أثر في منطقة الأفلاج أكثر بكثير من تداعيات غزوة الأشراف وتعثر فرص خلخلة نفوذ الأشراف وبني خالد . فقد ذكر ابن عباد ( محمد بن حمد بن عباد العوسجي ت. 1175هـ 1761) في تاريخه (تاريخ ابن عباد) في صفحة 55 أن خلق عظيم من أبناء قبيلة عنزة هاجرت من نجد إلى الشمال قبل أربعة قرون
ويقول عبدالرحمن بن عثمان آل ملا في كتابه تاريخ هجر الجزء الاول في سنة 1136 هـ عم القحط والجدب في نجد واليمن فغارت مياه الابار حتى لم يبق في كل من العودة والعطار سوى بئرين فهلك الحرث والنسل وشحت الارزاق ولاذ أهل البادية بالمدن وهاجر أقوام كثيرة من أهل نجد الى الاحساء والبصرة والعراق وهلك كثير من عربان قبائل حرب والعمارات من عنزة وبني خالد وغيره. (ملاحظة) تدل هذه المعلومات على هجرة بعض قبائل عنزة للشام والعراق قبل معركة “كير البسيطة” اي سنة 1163هـ وانهم هاجروا بسبب الجوع والقحط وكثرة قبائلهم والبحث عن ديار تتسع لهم.
هذا النقص الهائل في أعداد قبيلة حليفة للتغالبة (والتي تلتقي في جد عدناني عالي مشترك بينهم) مع القحط المروع جعل من لم يضعن ممن كان في الحلف ومنهم الجميلات في وضع يتميز بإختلال في علاقات القوى المعهودة وهو فراغ هائل يستدعي التفاوض مع القبائل الأخرى للدخول في حلف تتوازن فيه القوى وتحفظ تحت قيوده الحقوق والدماء والعروض. أدى هذا الفراغ المصحوب بالمجاعة إلى عدة إقتتالات بحثا عن موارد الحياة خارج المعاهدات القديمة.
في تقديري الشخصي كانت هذه الظروف مجتمعة دفع قيادة الجميلات في الهدّار الى اتخاذ قرار ترك الهدّار والإنحدار من هضبة نجد نحو شرق جزيرة العرب باتجاه خليج العرب.
بأفكارنا نبني ونعمر مدننا ومن ثم مدننا بما فيها من فراغات ومباني بطريقة ما تقوم ببناء طرق تفكيرنا.
ونستون تشرشل
كما يقول ونستون تشرتشل أن المدن تجسد أفكارنا في صيغ معمارية. وأن هذه المباني والفراغات والمساحات تحمل رسالات كثيرة لساكنيها. ومن مدن العرب ذات الرسالة الفكرية والمعمارية الخالدة هي مدينة مملكة الزبارة. والذي خطط معمارها وبناها في زمن قصير مذهل هو الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة كبير الزبارة. سنقوم في هذه المقالة البحث عن الرسائل المعمارية التي حاول من خلالها الشيخ محمد رحمه الله تعالى أن يبثها إلى العقل العربي والمسلم في زمانه وإلى زماننا.
نبذة عن ظروف انطلاق عمارة الزبارة
لقد كانت عند الشيخ خليفة العتبي الجميلي التغلبي (ت. في الكويت تقريبا عام 1763) رؤية بناء إمارة تقوم على ثلاثة مبادئ. المبدأ الأول تنظيم المجتمع في إطار عوائل حيث يكون لكل عائله عميد ومجلسه يتابع من خلاله شؤون عائلته. ومن ثم يفتح كبير بني عتبه مجلسه لمتابعة أحوال المجتمع الكبير من خلال استقبال عمداء العوائل لحل مشاكلهم المادية التشغيلية وفض المنازعات والمشاركة في أفراحهم ولحظات سعاداتهم. المبدأ الثاني تنظيم الجماهير في إطار صناعة الغوص لتوفير أسباب الرزق والحياة الكريمة لأتباعه. ثالثا الدفاع عن سيادة الإمارة وأمنها الداخلي والخارجي وعند الضرورة القصوى خوض معارك والانتصار فيها بغض النظر عن حجم وقوة الخصم.
ورث الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة عند إنطلاق مشيخته على جماعته من العتوب (تقريبا في عام 1763) رؤية والده (الشيخ خليفة كبير الجميلات في الكويت) ومهاراته ولكن الفرق أن الخلف تمكن من تحقيق رؤية السلف ببناء أول مملكة خليفية في الزبارة. وضع الشيخ محمد بن خليفة فلسفة والده الشيخ خليفة الثلاثية (ترابط مجتمعي، أسباب إزدهار الإقتصاد والحياة الكريمة لمواطني المملكة، الدفاع عن سيادة المملكة واستتباب أمنها) في فلسفة عمران وتخطيط مملكة الزبارة. والتي تسعى هذه المقالة عن الكشف عنها.
أحداث في الهدّر
إنني أعزو سبب قرار شيوخ الجميلات ترك الهدار إلى سببين. الأول هو ما ذكره ابن عباد ( محمد بن حمد بن عباد العوسجي) في تاريخه في صفحة ٥٥ أن خلق عظيم من أبناء قبيلة عنزة هاجرت نجد قبل أربعة قرون بأسباب الجدب والقحط الذي وقع في هضبة نجد.
هذا النقص الهائل في أعداد قبيلة حليفة للتغالبة جعل من لم يضعن ممن كان في الحلف ومنهم الجميلات في فراغ هائل يستدعي التفاوض مع القبائل الأخرى لدخول في حلف تتوازن فيه القوى وتحفظ تحت قيوده الحقوق والدماء والعروض. سبب هذا الفراغ المصحوب بالمجاعة عدة قتالات منا ما ورد في كتاب من تأليف عبدالله بن محمد البسام المتوفي عام 1830 الذي ذكر في كتابه تحفة المشتاق في اخبار نجد والحجاز والعراق أنه في عام 1650 وقعت معركة بين الجميلات وحلفائهم من الدواسر ضد قبيلة قحطان قتل فيها شيخ جميلة فيحان بن بجاد
لا تبدو أن قيادات الجميلات نجحت من صياغة حلف في جنوب شرق نجد مع محيطها. فهناك إشارات عديدة تحملها أشعار الجميلات تصور لنا بعض عن هذا الإضطراب. فهذا الشيخ الفارس فيصل الجميلي من اهل الهدار يدوّن لنا أحداث القلاقل بمقولته المشهورة والمتداولة بيننا إلى يومنا هذا : ( رمح الجميلات في فرسهم) كناية عن وقوع قلاقل بين الجميلات خصوصا بين الشيخ فيصل الجميلي الهدّاري (نسبة إلى الهدار) والشيخ حماد الجميلي البديعي (نسبة إلى البديع) حول أفضل طريقة للتعامل مع الجدب والقحط الذي دمر العلاقات الطبيعة مع القبائل خصوصا مع الفراغ السياسي الكبير الذي سببه رحيل فرع الرولة من عنزة عن نجد وهم من حلفاء الجميلات. يبدو لي أن الفارس فيصل الجميلي كبير الهدار لم يكن مقتنع من إنجازات الشيخ حماد الجميلي كبير البديع في تعامله مع الوضع في جنوب شرق نجد. في هذا الخصوص نجد في صفحة (186) من كتاب “تاريخ اليمن خلال القرن الحادي عشر الهجري- السابع عشر الميلادي/ تاريخ طبق الحلوى وصحاف المن والسلوى من تأليف عبد الله بن علي بن أحمد بن محمد الحسن نص مهم جدا: “وفيهَا وصل إِلَى حَضْرَة أَحْمد بن الْحسن شيخ يُقَال لَهُ الجميلي وبلاده يُقَال لَهَا البديع (أي الشيخ حماد الجميلي) متوسطة بَين الدواسر وَبَين الأحساء وَولَايَة بِلَاده منسوبة إِلَى الشريف صَاحب مَكَّة فِي الْجُمْلَة فَأكْرمه وَعَاد بِلَاده وَمَعَهُ خطيب إستدعاه الْمَذْكُور فَلَمَّا إستقر ببلاده خطب للْإِمَام جُمُعَة أَو جمعتين ثمَّ . عَاد الْخَطِيب وَلم يتم ذَلِك التَّرْتِيب” يخبرنا هذا النص أن في قرابة عام 1669 قدم الشيخ حماد الجميلي إلى صنعاء للدخول في حلف يوفر الإستتباب في نجد. لكن يبدو أن قيادات صنعاء لم تحسن التصرف عندما أرادت أن تنشر الزيدية في البديع ببعث صنعاء خطيب جمعة مقابل الدخول في حلف ولكن هذا الأمر لم يكن ممكن لقيادة البديع ولأهل البديع وهم من أتباع المذهب المالكي. في تقديري الشخصي كانت هذه آخر فرصة أعطاها جميلات الهدار لجميلات البديع للتوصل إلى صياغة تحالف تناسب مستجدات جنوب شرق نجد. بعد إنتكاسة جهودات الشيخ حماد الجميلي قررت قيادة الجميلات في الهدار ترك الهدار والإنحدار من هضبة نجد نحو شرق جزيرة العرب باتجاه خليج العرب.
لماذا قرية الزبارة
الزبارة لم تكن غريبة على كبيرها الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة حاكم الزبارة الأول. حيث يبدو لي أن المحطة الأولى في مِحْدَار الشيخ خليفة العتبي الجميلي مع جماعته (تقريبا 1665) من بلدة الهدار في جنوب شرق هضبة نجد باتجاه خليج العرب كانت قرية الزبارة أو في محيطها. كيف إهتدوا حينها إلى الزبارة ولماذا وقعت أعينهم عليها؟ من نهج القبائل عند تحركها أن تسبر بكشافاتها الأرض لتستطلع ما هو أمامها. فإني جازم أن مسابير الجميلات جمّعوا معلومات من أبناء القبائل الواقعين في مسار محدار العتوب. فهناك إشارة ضئيلة أنهم توقفوا في منطقة قريب من منطقة إذاعة الدمام حاليا حيث سمعت منذ عدة عهود من قال لي أنه كان أو مازال هناك عقار قديم جدا للجميلات لكأنه مزرعة تقع في تلك النواحي. أعتقد أن في تلك المحطة حصلت إتصالات وتشاورات واستشارات مع مرشدين من أبناء القبائل المقيمة في تلك النواحي فقرروا مواصلة المسير إلى نواحي الزبارة
ملاحظة: يبدو لي أن من خرج من الهدار ليس الشيخ خليفة (إلا إذا كان قرابة ال 130 عاما عند وفاته) بل والده الشيخ محمد بن خليفة كبير الجميلات. وأن الشيخ المؤرخ راشد بن فاضل البنعلي في ص. ٥٢ نقل عن معمري قبيلته معلومات ملتبسة فهو يذكر شيخ اسمه محمد بن خليفة على إنه قدم إلى الزبارة قديما جدا ولكن الشيخ راشد بن فاضل البنعلي وهم عندما اعتقد أنه هو مؤسس مملكة الزبارة. وهناك من يعتقد أن الشيخ جابر العتبي والد الشيخ صباح بن جابر الحاكم الأول للكويت، توفي في مكان قريب من الزبارة أثناء الإقامة الأولى والتي سبقت رحيل العتوب إلى الكويت)
الحاصل أنه منذ ذلك الزمن المبكر حصل التعارف والإعجاب المتبادل بين أهالي قرية الزبارة وبين قيادات الجميلات من العتوب. وتعرفوا على الشيخ خليفة (أو والده الشيخ محمد بن خليفة) العتبي الجميلي.
كان يسكن قرية الزبارة فرع سُليم من قبيلة البنعلي من قبل عام 1700، وكان يقطن قرية الفريحة القريبة منها أيضا فرع المعاضيد من قبيلة البنعلي. وبعد إقامة الجميلات ردحا من الزمن أَظعنت ورحل معها بعض من البنعلي الذين دخلوا في حلف العتوب لتقودهم مسيراتهم في خليج العرب ليستقروا لاحقا في الكويت.
تزوج الشيخ محمد بن خليفة بن محمد بن خليفة الجميلي كريمة الشيخ صباح بن جابر العتبي حاكم الكويت الأول وأنجب منها الشيخ خليفة بن محمد بن خليفة آل خليفة العتبي الجميلي حاكم مملكة الزبارة الثاني. كما تزوج حاكم الزبارة الأول كريمتين من كريمات البنعلي في الكويت وأنجب أربعة من الأبناء منهم الشيخ أحمد (الفاتح) بن محمد بن خليفة آل خليفة. حاكم الزبارة الثالث وجزر البحرين أو مملكة البحرين العظمى
والاهتداء إلى قرية الزبارة كموضع قدم لتأسيس المملكة لا يمكن فهمه خارج تاريخ محدار الجميلات وتأثير علاقات عشائر البنعلي على الشيخ محمد بن خليفه كبير الزبارة وأول حكامها.
في هذا السياق أوعز الشيخ محمد آل خليفة إلى الشيخ محمد بن رزق الخالدي التعريج (تقريبا عام 1763) على مقر إمارة بني خالد في الأحساء لاطلاعهم على أبعاد رؤيتهم في تأسيس إمارة الزبارة. بعدها سار الشيخ بن رزق إلى قرية الزبارة.
في سبب التسمية
أهمية وجود الماء عند الساحل مهم جدا خصوصا للبحارة. والعرب تطلق اسم الزبارة على القرى الساحلية ذات أبار ماء مطوية بحجارة أو زباري إذا كانت برية غير ساحلية. فهناك كثير من السواحل مرتفعة وأرضيتها حجرية لكن لا تسمى زبارة. ولكنها إذا كان فوق ذلك الساحل أبار مطوية بحجارة فعندها ممكن تسميها زبارة. فهناك على سبيل المثال زبارة في خورفكان وهي قرية ساحلية قديمة جدا. وهناك زباري في دير الزور وهي قرية قديمة.
لماذا بويع الشيخ محمد بن خليفة؟
من المعتاد أن يتشيخ شيخ على جماعته ولكن أن تتفق قبائل لا تجتمع في أب واحد من مثل البنعلي مع النعيم مع البوكوارة مع العتوب (الجلاهمة، المعاودة الشملان) ومن ثم تتقدم من طوع نفسها لتبايع شيخ ليشيخ عليهم لابد أن هذا الرجل كبير بكافة معنى الكبارة التي تحملها الكلمة.
الوضع الاقتصادي بين الناس في قرية الزبارة لم يكن جيد. فكما يذكر المؤرخ راشد البنعلي أن قبيلة البنعلي قبيل وصول الشيخ محمد بن خليفة إليها حاولوا تطوير وضع القبيلة اقتصاديا بالدخول في صناعة الغوص. فذهب شيخهم حينها الشيخ جمعة بن سيف بن سلطان البنعلي الفريحي (في زمن ما بعد عام 1700) إلى تجار ذوي ارتباط بآل مذكور في الديوان في البحرين واستقرض بضمان وجاهته مبالغ كبيرة لتمويل معيشة الغاصة قبل وأثناء وبعد دخول البحر من أجل الغوص لحصد اللؤلؤ من محارات البحر. قام شيخ البنعلي حينها بصرف مبالغ كبيرة من هذا القرض إلى قبيلة أخرى تقطن قرية خور حسان شاركت حملة البنعلي على الغوص ولكن بعد أن جنت تلك القبيلة اللؤلؤ وباعته لم تسدد القرض إلى شيخ البنعلي.
هذا الأمر سبب انتكاسة لشيخ قبيلة البنعلي مما قلص فرص القبيلة من التطور في محيطها كقبيلة ثرية منخرطة في صناعة الغوص خليج العرب.
كما ذكرنا كانت خطة الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة كبير العتوب أن يعمّر الشيخ محمد بن رزق الخالدي دارا كبيرة ذات مجلس فسيح لكي يتسنى للشيخ محمد بن خليفة كبير العتوب من زيارة الزبارة لمدة أشهر أو سنة أو أكثر. هذه الأشهر كشفت لجماهير الزبارة عن حجم خبرة الشيخ محمد بن خليفة في إدارة جماهير الغوص بكل حلقاتها وتنشيط الإقتصاد
شاهد الزبارييون قدرات الشيخ محمد آل خليفة من تشغيل عملية إدارة وتنظيم الجموع البشرية ووضع ربابين مع ما يحتاجونه من طواقم بشرية ومؤنة غذائية فوق مراكب صيد اللؤلؤ مع تأمين الحماية لأسرهم من نساء وأطفال وكهول في فترة إبحارهم. رجل قائد وعبقري لم يوفر فقط العمل الكريم للجميع بل ساعد الجميع على تكوين ثرواتهم الخاصة.
هذه المعلومات عن مبايعة الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة نقلها لنا المؤرخ الشيخ راشد البنعلي صاحب كتاب “مجموع الفضائل في فن النسب وتاريخ القبائل” والذي هو بنفسه له مشاهدات وروايات عن ومن أهالي مدينة الزبارة ومن قبيلته. فهو أي راشد بن فاضل أقام ١٧ عاما في مدينة الزبارة البحرينية بين ١٨٩٤ و ١٩١١ قبل أن يغادرها مع جماعته عندما كان عمره ٣٤ عاما إلى بلدة “دارين” في شرق السعودية من جزيرة العرب.
العقد الإجتماعي خلفيته ومضمونه
ينقل لنا راشد البنعلي بعض أقوال الزبارييون الذين رصدوا معدن شخصية محمد بن خليفة قبل مبايعته:
أنه كان رجلا عفيفا وصاحب تقوى وبذال للإحسان ومكارم الأخلاق. وله خيرات كثار. حتى أن الناس في الزبارة أطلقوا عليه لقب المهدي المنتظر أي المخلص الذي كانوا ينتظرونه ليخلصهم من وضع النزاعات والإفتراقات ومن وضع الركود الاقتصادي ومن وضع نقص في القدرات الإدارية التنظيمية للمجتمع ومن تنظيم القوى العاملة في إطار صناعة الغوص وفي إطار التجارة وتمويل المعونات وتأمين المؤنات.
بتوفر هذه المقدمات من تطوير المجتمع والإقتصاد وفض منازعاته وصيانة سيادة أراضيه التي وفرها الشيخ الكبير محمد بن خليفة للزباريين ومحيطهم تشكل واقع جديد لم تعده الزبارة قط. هنا في هذه اللحظة وفي هذا المكان المبارك اجتمعت زعامات العرب في الزبارة والتي تنتمي إلى قبائل متنوعة لا يجمعها أب واحد بل يجمعها أمل لخوض أقدس طقس في تأسيس الدول والممالك، العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الرعية والراعي. تقريبا في سنة 1765/1766 بويع الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة ككبير الزبارة المطاع. أعطوه السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ مقابل أن يواصل بهم سيرته الأولى من التنشيط الاقتصادي والاجتماعي والسلم المجتمعي وعمارة الديار فوافق الطرفين وانطلقت مملكة الزبارة المباركة.
نواة التغير العمراني الزباري
انطلقت نوات التغير العمراني عندما أوعز محمد بن خليفة لمحمد بن رزق ببناء داره ومجلسه وفتحه لكي يتسنى للشيخ بن خليفة من استقبال الزباريين فيه. لقد وضع الشيخ محمد بن خليفة أول عقيدة معمارية من بث أهمية التجار ومركزيتهم في بناء مجتمع المملكة. بعد ذلك يرصد لنا التاريخ عن وجود ستة أبار ماء متوزعة في نواحي مدينة الزبارة. فتوفر الماء يسمح لنبض الحياة وتوزيع الأبار يعني أن المدينة خططت لكي تنمو وتكبر.
جامع الزبارة الكبير.
إن الصور التي التقطت لجامع الزبارة الكبير ينذر بتفوق معماري مذهل لا يوجد مثله إلا في مضارب آل بنعلي. فلو أخذنا بعين الإعتبار ما ذكره المؤرخ راشد بن فاضل البنعلي أن لقبيلة البنعلي تواجد في سلطنة عمان حينها أقول أن مساجد قبيلة بن علي في سلطنة عمان في مدينة جعلان آل بن بوعلي وفي مساكن ال بن حموده آل بن بوعلي في الفجيرة وفي الزبارة كلها تحمل ذات البصمات المعمارية الفريدة النادرة. فهي تمتاز بتعدد القبب المحمولة علي أقوس ذات عمدان حجرية. والذي زار مساجد البنعلي الباقية يعرف الشعور الروحي الذي توفره للجالس تحت قبابها. جامع الزبارة الكبير كان مكان يلتقي فيه المتعبدون والمتعلمون والمعلمون في حلق المعرفة والعبادة.
مساجد الزبارة الكثيرة والمنتشرة فيها أنتج حرفة خط القرآن لتوفير المصاحف لقاطني الزبارة. أشهر ناسخ للقرآن الكريم وهو من أوائل مواليد مدينة مملكة الزبارة الخليفية حيث أنه ولد في عام 1766 وهو الشيخ أحمد بن راشد بن جمعة المريخي، رحمه الله، الذي بدأ إنتاجهرالخطي يظهر للعالم إبتداءا من عام 1805 أنظر إلى صورة لأحد الصفحات من منسوخته للقران العظيم
هناك ذكر بوجود بعض الزراعة في الزبارة.
القلعة
بعد ذلك بنى في عام 1766 الشيخ دار المملكة أو ما يسمى بقلعة مرير بناها الشيخ محمد بن خليفة ليس لأنها كانت موجودة وهو قام بتجديدها. بل لكون أن الشيخ محمد بن خليفة عمل حساب هجوم بحري بتقنيات ذلك الزمان. فالكل يعلم أن البرتغاليين طور سفن تستطيع الإبحار لمدة طويلة في بحور هائجة والأهم أنهم حملوها بتقني المدافع بعيدة المدى بمعايير ذلك الزمان. فكان بإمكان الأسطول البرتغالي من قصف جميع المدن الساحلية وقلاعها قبل إنزال الجنود على اليابسة. فكل الإمارات التي إحتلها البرتغاليين كانت قوتها تقع خلف قلاع قريبة من الساحل. لذلك تمكن البرتغاليون من هزيمتهم. تميز تخطيط الشيخ محمد بن خليفة ببعد نظر عسكري منقطع النظير. ففي زمنه إمتلك العمانيون والقواسم والكعوب أساطيل بحرية مزودة بمدافع طويلة المدى. فأراد الشيخ أن يجعل دار الإمارة/قلعة مرير بمثابة خط الدفاع الأخير أمام أي غزو بحري. لذلك بنى القلعة في محيط بر مدينة الزبارة تبعد قرابة ملين أو ميل من الساحل. عليه لن تتمكن تقنيات مدافع المراكب في ذلك الزمان من تهديد القوة العسكري المتمركزة خلف القلعة.
وهذا بالضبط الذي حدث عندما حاصر أسطول آل مذكور الزبارة لم تستطع مراكبه من دك مقر الحكم لبعدها عن مرمى مدافعه. مما إضطره إلى دخول معركة برية. فاوهمه الزبارييون بوجود إنشقاق في جيشهم. حيث أشاعوا أن جيش بلدة فريحة منشق عن جيش الزبارة. فدخل بينهم وعسكر ضنا منه أنه فلق بينهما. وكانت هناك إتفاق على ليلة الإنقضاض بخروج صبايا يبكون ساعة من نهار. فيعلم أهالي فريحة أن تلك الليلة هي ليلة المعركة. ففتحت نيران مدافع الزبارة ومدافع فريحة على معسكر جيش آل مذكور ليلا . وبعد القصف المدفعي فتحت أبواب الأسوار والتحم جيش الزبارة الكامن خلف أسوار الزبارة من الجنوب مع جيش آل مذكور وانطلقت أفواج مقاتلة بلد فريحة من الشمال واتفقوا على أن تكون صدورهم عارية ولبس أبنآء البوادي فقط السراويل ولبس أبناء البحار فقط أُزُر لكي لا يقتل بعضهم البعض عن طريق الخطأ فغي ظلمة الليل. فخسر الغزاة خسارة كبيرة وانتصرت مملكة الزبارة.
والمر تعبير يستخدمه عرب ساحل خليج العرب ليعني أنه صعب المنال. ف قلعة مرير تعني أنها مرة على رغبات الغزاة. كم أن سماكة جدار القلعة خمسة أذرع مما يمكنها من تلقي ضربات مباشرة دون أن تنهار. والرواة يذكرون أن قلعة مرير صمدت في وجه ابن عفيصان. ولول الإرباك الذي سببه أحمد بن محمد بن رزق في نفوس مقاتلة الزباريين حين أعلن وشجع الناس بترك الزبارة إلى قرية جو في جزيرة البحرين لكانت فرصة صد غزوة ابن عفيصان البرية واردة جدا. على كل حال فقد أحمد بن محمد بن رزق شعبيته كثيرا جدا بعد هذه الحادثة. بل يكاد لا يوجد له ذكر في فترة تواجده في البحرين. وقرر بعدها ترك البحرين وسكن البصرة رحمه الله تعالى. كما أنه توجد ثلاث قلاع محصنة داخل أسوار الزبارة مما يعني أن العدد الكلي هو أربع قلاع. قلعة مرير خارج أسوار الزبارة وثلاث داخل أسوارها.
سور الزبارة العظيم.
بعث الشيخ محمد بن خليفة رسالة كبيرة للزباريين مفادها إننا محاطون بالأعداء الطامعين فيما نحن مقبلين على إنجازة. وإننا لن ننتظر بل سنستبق الأحداث ببناء الدفاعات عن مدينتنا الخالدة. لقد بنى الشيخ محمد بن خليفة رحمه الله تعالى سور بشكل نصف دائرة ثم أتبعه بنصف دائرة آخر كبير جدا. ثم عمل سور ين يتصلان بالزبارة ويطوقون قلعة مرير. أنظر الصورة. كما أن على السور أبراج مراقبة. يوجد برج واحد على سور المدينة الأصلي. وعشرون برج على سور التوسعة الثاني. كما يوجد ستة أبراج على السور الشمالي الذي يربط بين قلعة مرير وأسورا الزبارة. ويوجد خمسة أبراج مراقبة على السور الجنوبي الذي يربط بين قلعة مرير وأسوار الزبارة. أي أن هناك ما مجموعه ٣٢ برجا يلعبون دورا فاعلا في حماية الزبارة، كما أنه توجد بوابة كبيرة تسمح بالحركة داخل الأسوار خصوصا بين سور الزبارة الثاني وقلعة مرير.
مطارح النفايات.
خصص عدد ستة أماكن لنفي مخلفات المدينة مما يعكس وعي حضاري وبعد صحي كانت تتمتع به مدينة الزبارة بين أبنائها.
قناة خور الزبارة.
كما أن الشيخ محمد بن خليفة حفر قناة لتكون خور بحري صناعي. والخور في وقت السلم يسمح للسفن بدخوله لتنزيل ما على ظهرها من بضائع في نقطة قريبة من الزبارة. وذلك تسهيلا لعملية التحميل والتفريغ للمدينة. ولكن في أوقات العواصف يلعب الخور دور المرفأ تروف بينه آمنة المراكب من أضرار الأمواج العاتية ومن الرياح الشديدة. وفي أوقات الحروب البحرية تستطيع المملكة من إخفاء مراكبها خلف السور بالقرب من قلعة مرير حماية من مدافع الغزاة. أنظر مخطط الزبارة العام
الحارات
حين وصل القادمون إلى الزبارة اقتطعوا لهم بعض الأراضي الفارغة ليسكنوا فيها، وقد قسمت الأرض بطريقة قبلية حيث أن كل قبيلة أعطيت أرضا يخططونها كما شاءوا. وأنشأت هذه نواة لتخطيط المحلات السكنية.
حيث أن المحلة نفسها تقتطع لها أرض محددة ويقوم ساكنيها بتنظيمها كما يرون مناسبا.
الأسواق
كان هناك سوق ثابت به عدد من المتاجر وهناك أسواق غير مبنية انتشرت في الزبارة. فقد كان هناك سوقا واحدا مركزيا مبني بالحجارة. كما توجد الأسواق الطيارات وهي أسواق متحركة.
أراد الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة من خلال الخطط الزبارية المعمارية أن تبث بين مواطينيها نهج وفلسفة الرؤية الزبارية. نبض الحياة اليومي يدور بين مجالس التجار اللؤلؤ ويدور حول المعرفة في حلق مدارسها وسجود العباد في مساجدها والتزود بالمؤونة من أسواقها . وعلى مستوى النبض الموسمي أراد أن يبث بين الزباريين زخم الهمة الموسمية المتعلقة بالغوص وبمواسم الملاحة التجارية بين الهند وزنجبار والبصرة. ومن خلال نبضها الأمني جعل من أبراج أسوارها لغة وإشارة أن مملكتنا غالية ومرة المنال على كل طامع غازي
سبق ظهور دول العتوب في شرق جزيرة العرب في القرن السابع عشر مع مطلع القرن الثامن عشر أمرين مهمين. منها ما شهدته تجارة القرنفل من تراجع كبير أو شبه انهيار. فقد كان حينها طلب على القرنفل من أوروبا وكان تجار الهند (كانت الهند مركز التجارة الكونية) يموّلون سماسرة القرنفل للتنسيق مع المزارعين في غرب أفريقيا والزنجبار والجزر المتناثرة في المحيط الهندي. ولكن نتيجة سوء إدارة من شركة الهند الشرقية الهولندية قرر الكثير من المزارعين إحراق مزارعهم على خوض علاقة مجحفة معهم. أمام هذا الانهيار الكبير لتجارة القرنفل انحرف اهتمام تجار الهند إلى اللؤلؤ ليكون أحسن بديل يحرك رأسمالهم بتمويل نشاطاته ومن ثم شراءه لجني الثروات بتصديره إلى الأسواق الأوروبية عن طريق شركة الهند الشرقية البريطانية.
في ذات الأثناء حصل أمر ثاني مهم وهو ذاك الفراغ الاقليمي الكبير جراء انهيار الدولة الصفوية وصعود الدولة الأفشارية ثم الزندية الأضعف والذي انعكس هذا على منطقة خليج العرب. فاغتنم تحالف قبائل العتوب ذات التنظيم الإداري العالي هذا الفراغ والتي بدأت تفد جماعات جماعات ابتداء من عام 1665 وعملت على سده بإنشاء إمارات عربية. تمكن تحالف العتوب من تأسيس عدة إمارات نجحت إمارتين بالبقاء إلى يومنا هذا، كان أُولَاهُمَ الكويت انطلاقا من عام 1716.
دول العتوب اعتمدت على ثلاث عناصر حرجة كانت السر المكين لقيامها وصمودها. أول عنصر هو قدرتها على التنظيم المجتمعي المتميز وبجدارة. ثانيا قدرتها على تنظيم الجماهير في إطار صناعة الغوص. ثالثا قدرتها على، عند الضرورة القصوى، خوض معارك والانتصار فيها بغض النظر عن حجم وقوة الخصم. عناصر أكسبت إماراتهم شهرة منقطعة النظير بين العرب.
مباشرة مع بدأ تحالف العتوب في الكويت التعامل الإيجابي مع المستجدات الإقليمية السياسية والاقتصادية انخرطوا في عمليه تنظيم رحلات صيد وبيع اللؤلؤ. في هذه المرحلة المبكرة من خوض صناعة الغوص على اللؤلؤ ذكر التاريخ نبوغ رجل كان هو الأنجح في عملية إدارة وتنظيم الجموع البشرية ووضع ربابين مع ما يحتاجونه من طواقم بشرية ومؤنة غذائية فوق مراكب صيد اللؤلؤ مع تأمين الحماية لأسرهم من نساء وأطفال وكهول في فترة إبحارهم. رجل قائد وعبقري اسمه الشيخ خليفة العتبي الجميلي. الشيخ خليفة من مواليد بلدة الهدار-الخرج في جنوب شرق نجد الذي غادرها بعد هجرة قبائل عنزة الشهيرة إلى الشمال ولكنه ببعد نظره قرر قيادة جماعته إلى شرق جزيرة العرب. تميز الشيخ خليفة بأنه لم يكن يفكر بنفسه بل بمساعدة الجميع على تكوين ثرواتهم الخاصة بهم ومن هؤلاء مساعدته لمحمد بن رزق الخالدي لينمو بتجارته والذي سيلعب دور مهما لاحقا. هناك إشارات توضح أن الشيخ خليفة الجميلي كبير العتوب كان يعتقد بأنه الأجدر بقيادة التحالف وبمشيخة إمارة الكويت نتيجة نجاح إسهاماته التنظيمية والصناعية والإدارية في أمور اللؤلؤ وهو أهم مصدر من مصادر رزق سكان هذه الإمارة الفتية، لكن هذا الأمر لم يحصل إذ نجحت عائلة الصباح الكريمة (ذات العلاقات الوطيدة مع قبائل الشمال) بنيل هذه المهمة، وأصبحوا شيوخ تحالف العتوب في الكويت بلا منازع.
حروب الكويت الأولى أتت مبكرا جدا. ففي هذه الأثناء تطورت صناعة وتجارة اللؤلؤ في دولة الكويت فتطلع تجار الكويت إلى توسيع منطقة نفوذهم وذلك ببيع حصاد اللؤلؤ مباشرة إلى الهند وهذا الأمر يتطلب تجاوز إمارة الكعوب التي كانت تحتكر عملية البيع المباشر مع الهند. دخل كبير الجميلات الشيخ خليفة العتبي في معركة بحرية مع بقية حلف العتوب ضد مراكب الكعوب في عام 1762 ومن ثم حسم تحالف القوى القبلية المنظمة في الكويت الأمر لاحقا بانتصارهم عسكريا في معركة بحرية (الرقة) على أسطول إمارة الكعوب.
كان مجاراة العتوب لأسطول إمارة الكعوب نقطة تحول محورية في تاريخ كل منطقة خليج العرب. لقد تغير كل شيء في خليج العرب بعد هذا الانتصار. فهذا الانتصار فتح كافة نشاطات صناعة اللؤلؤ على مصاريعها من الكويت إلى الهند لكل فرد وعائلة وإمارة تمتلك القدرة والملكة على خوضها بدون عائق احتكاري. إن كل نجاح لاحق في مجال الأعمال المتصلة باللؤلؤ مدين لانتصارات العتوب هذه.
في هذه الأثناء توفى الشيخ خليفة العتبي رحمه الله تعالى وخلفه ابنه (تقريبا 1763)، وهذا الخلف يستحق لقب الرجل الكبير بجدارة وهو موضوع المقالة وقطعا أعني الشيخ الكبير محمد بن خليفة العتبي الجميلي. لا يوجد عندي شك أن الشيخ محمد بن خليفة، المؤسس لمملكة الزبارة، على قدر عالي من الحنكة والدراية مع حيازته على ملكة التخطيط الاستراتيجي.
ويجدر بنا التأكيد على أن الشيخين خليفة ومحمد كانا منضبطين في إطار أعراف حلف العتوب وهو عدم “الخروج” على رأي الجماعة. فلم ينازع لا الشيخ خليفة ولا ابنه الشيخ محمد الكبير قرار التصويت وبيعة التحالف لأسرة آل صباح الكريمة. ولكن امتدادا لرؤية والده وثقت عزيمة الشيخ محمد بن خليفة على تأسيس مملكة أخرى في شرق الجزيرة العربية حيث أن الفراغ السياسي في خليج العرب ما زال شاغرا ولابد من سدة.
استفاد الشيخ محمد الكبير من تجربة العتوب السابقة التي لم تحسن بادئ الأمر (تقريبا 1665) التنسيق مع قيادة إمارة بني خالد في الأحساء مما تسبب في خوض معركة قديمة أثارها آل مسلم العشيرة الخالدية. المراقب للتاريخ يشهد أن العتوب لا يبنون دولهم بمنازعة مراكز القوى ولكن بالتنسيق مع القوى المحيطة. فهذا هو تحالف العتوب لاحقا (تقريبا في عام 1716) ينسق مع إمارة بني خالد عند تأسيس الكويت فنجحوا في ذلك.
لذلك تحرك الشيخ محمد بن خليفة كبير العتوب على الأرجح مباشرة بعد مشيخته على جماعته أي في عام 1763 بوضع خطة فائقة الذكاء استغرقت مراحلها قرابة سنة أو ثلاث سنوات لتأسيس مملكة الزبارة الخالدة. فقرب الشيخ محمد بن خليفة صديق والده الشيخ محمد بن رزق الخالدي والذي كان على تواصل جيد مع والي البصرة مع شبكة عريضة من الاتصالات ونفوذ واسع وثروة طائلة.
عقد الشيخ محمد بن خليفة العتبي مع مستشارية الرأي على ترشيح قرية صغيرة اسمها “الزبارة” كمكان لتأسيس الإمارة. علما أن العرب تطلق اسم الزبارة على القرى الساحلية ذات أبار ماء مطوية بحجارة أو زباري إذا كانت غير ساحلية. فهناك على سبيل المثال زبارة في خورفكان وهي قرية ساحلية قديمة جدا. وهناك زباري في دير الزور وهي قرية قديمة.
بعد هذا الاتفاق أوعز الشيخ محمد العتبي إلى الشيخ بن رزق الخالدي التعريج (تقريبا عام 1763) على مقر إمارة بني خالد في الأحساء لاطلاعهم على أبعاد رؤيتهم. بعدها سار الشيخ بن رزق إلى قرية الزبارة.
كان يسكن قرية الزبارة فرع سُليم من قبيلة البنعلي من قبل عام 1700، وكان يقطن قرية الفريحة القريبة منها أيضا فرع المعاضيد من قبيلة البنعلي مثل ما كان يقطن الكويت عوائل من قبيلة البنعلي. ارتبطت قبيلة البنعلي بعلاقة وطيدة مع الشيخ محمد بن خليفة الجميلي. فقبيلة البنعلي الكريمة كانت متواجدة في الخليج منذ عهود سبقت “محدار” قبائل الجميلات من موطنهم الأصلي الهدار باتجاه خليج العرب. كما دخل البنعلي مبكرا جدا في حلف العتوب مع الجميلات عندما شاهدوا فيهم الحكمة وبعد النظر مباشرة عند وصولهم الأول سواحل خليج العرب قبل الاستقرار في الكويت. والاهتداء إلى قرية الزبارة كموضع قدم لتأسيس المملكة لا يمكن فهمه خارج تأثير علاقات عشائر البنعلي على الشيخ محمد بن خليفه كبير العتوب. كما أعجب الشيخ محمد الكبير بنبل أخلاق وبأس ومنعة قبائل البنعلي ووفائهم فتزوج منهم ليجعلهم نعم “خيلة” لكل أبنائه ماعدا ابنه الأول الشيخ خليفه بن محمد بن خليفة العتبي الجميلي وفي تقديري أن كل أبناءه من مواليد الكويت.
قام الشيخ بن رزق الخالدي ببناء دار كبيره في قرية الزبارة وجعل بها ديوانا كبيرا ثم قام الشيخ محمد بن خليفة بمهمة زيارة قرية الزبارة بشكل متكرر لمدة سنة أو أكثر. في خلال هذه السنين نمت الزبارة إلى بلدة وفي كل مرة كان يستقبل فيها الشيخ محمد بن خليفة أهل بلدة الزبارة للاطلاع على أحوالهم والقضاء في أمر اختلافاتهم ومعالجة أوضاعهم الاقتصادية وسد ثغرات متطلباتهم التموينية. ما قام به الشيخ محمد بن خليفة لأهل بلدة الزبارة مهم جدا خصوصا إذا ما استذكرنا ما ذكره المؤرخ راشد بن فاضل البنعلي أن قبيلة البنعلي قبيل وصول الشيخ محمد بن خليفة إليها حاولوا تنظيم عملية الغوص ولكنهم لم يتوفقوا إلى ذلك نتيجة امتناع تسديد أحد القبائل ما عليهم من قروض مالية ضخمة لصالح قبيلة البنعلي الزبارية مما تسبب انتكاسة للقبيلة في تطوير انخراطها في صناعة الغوص مع التجار في خليج العرب.
تكرار تردد الشيخ محمد بن خليفة على الزبارة كشفت لجماهير الزبارة عن حجم خبرته في إدارة جماهير الغوص بكل حلقاتها. وتبدي لعوائل بلدة الزبارة أن هذا القائد محاط بطاقم إداري منظم من أمثال الشيخ بن رزق الخالدي الحرمي السديري. لكل الأمم لحظاتها التاريخية التي لا تنسى وكانت سنة 1765/1766 هي تلك اللحظة التاريخية الفارقة في مسيرة بناء المملكة الخليفية. ففي ذلك العام تقدمت زعامات الزبارة من البنعلي والنعيم والعتوب والجلاهمة والمعاودة بمبايعة الشيخ محمد بن خليفة العتبي الجميلي ونسبوه كعادة النجادة الى اسم كبير العائلة البارز وتحويله من لحظة البيعة إلى لقب له وهنا انطلق لقب “آل خليفة” بتسميتهم له ب الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة ولتنطلق أعظم مملكة أنشئت في العهد القريب من تاريخ العرب في خليج العرب.
مباشرة قام الحاكم الشيخ محمد آل خليفة كبير الزبارة بتعمير مملكته وقام ببناء قلعة الحاكم والتي تطل على مدينة الزبارة وهي ذات جدران بسماكة خمس أذرع والمعروفة بقلة “مرير” (أي مرة على الغزاة بمناعتها وتحصينات دفاعها) وذلك في عام 1766. فارتحل إليها عرب من عوائل شتى وعلماء ومهرة في شتى المجالات وكبرت إلى حجم المدن. وسّع الشيخ محمد آل خليفة المدينة وحصنها بسور الزبارة وذلك في عام 1768 كما شق قناة من الساحل مسافة ميل وزيادة إلى داخل المدينة تسمح للسفن البحرية بعبورها لتفريغ بضاعتها مباشرة في سوق المدينة. كما عمر المدارس والجوامع والساحات في المدينة. واكتظت الزبارة بأفاضل أناس خليج العرب وازدهرت بهم.
وفي عام ١٧٦٨ أعلنت مملكة الزبارة سيادتها المطلقة على أراضيها على لسان حاكمها الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة الذي أنشد:
ابن خليفة دايخ سكران *** لا يرى ذياب والا الديوان*
باني له في الزبارة كوت *** ما على الراضي من الزعلان
والتي تعني أن الفرحة تغمر كبير الزبارة بسيادة المملكة الكاملة على أراضيها وأنها ذات منعة سياسية واقتصادية وعسكرية تضاهي القوى المحيطة بالمملكة وهي قوى القواسم (بقوله ذياب) وقوى آل مذكور (بقوله الديوان). ويقصد من قوله “الكوت” الحصن المنيع المزود بكافة المؤونة لمجابهة الغزاة. وأنهى الشيخ قصيدته بتعبير الرضى كناية عن شعور الرضى بين أهالي مملكة الزبارة على إنجازاتهم بقيادة كبيرها الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة أول كبير لمملكة الزبارة الخليفية.
خلال زيارة قمت بها مؤخراً مع صديقي المهاجر إلى برلين، وجدت نفسي، أثناء تناولنا طعام شهي، في محادثة طويلة حول الزواج المدبّر. دخلنا في هذا الموضع جرآء سؤالي عن احتمال زواج ابنته، التي عرفتها منذ أن كانت طالبة في الاعدادي المتوسط والتي هي الآن في أوائل العشرينات من عمرها، وعما إذا كانت تفكر في الزواج؟
في هذا السياق أعرب صديقي المسلم عن عدم موافقته على الزيجات المدبرة التي يمارسها المهاجرين المسلمين في ألمانيا. وأكد لي أنه لا ينوي إقحام عائلته في مثل هذه المسألة.
فقلت له: “في بعض الأحيان يتم تدبير الزواج”، “وهو أمر مفيد للغاية وأحيانا أؤيده تمامًا. “
فجأة ركز صديقي وعاود النظر إلى كما لو كان قد غاب وعيه عن جزء من المحادثة.
واستطردت قائلا: “إنها ليست مجرد ممارسة إسلامية فحسب، بل وأيضاً في صعود بقوة في المجتمعات الغربية”.
واصل صديقي التحديق في وجهي دون أي علامة على وجود ردة فعل.
لذلك واصلت قائلا: “ومع ذلك، فإن ما أعتقد إنك تكرهه وترفضه، هو الزواج القسري وليس الزواج المدبر.”
بدا وكأنه يرتاح، هنا واصلت قائلا: “الزواج القسري” هو الزواج الذي يضطر الأبناء من الجنسين للدخول فيه نتيجة الضغط الناشئ داخل الأسرة. عليه فلديك كل الحق في رفض مثل هذا الإكراه والعنف الأسري-الثقافي.
إنه ضد الشريعة الإسلامية، حيث أن الزواج هو سند اختياري طوعي، يتعين على كلا الشريكين الرغبة به، والموافقة عليه من خلال عرض وقبول. بل سأذهب أبعد من ذلك لأقول ان الزواج القسري ضد القانون الإسلامي، فإن الآباء الذين يفعلون هذا يجبرون أبنائهم وبناتهم على خوض علاقة بطريقة غير شرعية.
بدأ صديقي بالإيماء بالإيجاب ودنى نحوي بكرسيه قليلاً لينصت عن كثب.
وذهبت في شرح: “الزواج المرتب أو المدبر” هو خدمة يعرضها الوسطاء على شركاء محتملين ليشرعا في مشروع زواج إذا رغبا.
إنها ممارسة راسخة على نطاق واسع، وفي السياق الإسلامي كانت “الخطابة” تقوم بهذه الخدمة الوسيطة.
الخطابة، وهي امرأة مسنة كانت تعرف معظم الأبناء والبنات الذين نشأوا في حييها من المجتمع. كانت الخطابة تستطيع الوصول إلى معظم المنازل، وكانت الخطابة تقدم اقتراحات إلى الوالدين أو إلى الشباب/الشابات “ليتشاوروا و يتفاكروا” في فرص الشروع في علاقة زواج.
الغرب الأوروبي تقبل فكرة الوسيط “للتجميع ما بين راسين” كما نقول في عاميتنا.
وأصبحت هذه الخدمة اليوم أكثر رسوخًا في بوابات الزواج عبر الإنترنت، وفي “قروبات” وجماعات التواصل الاجتماعي التي تحظى بشعبية كبيرة في العالم الإسلامي ولكن أيضًا ذات رواج في الغرب ومنها ألمانيا.
يظل المبدأ كما هو عندنا بالضبط. فمثل ما أن الخطابة تعمل في العالم الواقعي فبرامج المحمول من جوالات وألواح وحواسيب تعمل في العالم الرقمي.
فرص التعرف العفوي على الشريك والشريكة في نمط حياتنا السريع يتضاءل. ليس من السهل التعرف على شخص ينسجم مع ثقافة الشابة وثقافة الشاب. يفهم طبعها وتفهم عاداته. فالحب يعني تقبل كل الآخر كما يقولون “الجمل بما حمل”. لكن الخطابات الرقمية تفتح مجال التعرف على الإنسان قبل الشروع في علاقة زواج. تسمح من خلال الدردشة (ومن ثم أثناء اللقاء) على التعرف على قدرتها وقدرته على التخلص أو تطويع بعض سلوكياتهما لخلق عش عائلي جديد فيه حد أدنى من التوافق بينهما قبل خوض عملية الزواج. التواصل الرقمي (إذا عمل بشكل سليم) يساعد على تقليص فرص فشل الزواج باختيار من به ميولات تناسبها والعكس صحيح.
الحياة أشغلت الجميع عليه طور الغرب بوابات رقمية للزواجات ليتعارفا على الأشخاص القريبين من توجهات بعضهما البعض. والأهم أن الأبناء من الجنسين والأمهات تقبلوا فكرة هذه البوابات.
الزمن يتطور يا صديقي وعلينا القبول بالخطابات الرقمية. علينا إسداء النصح ولكن علينا أيضا أن ندع فرصة للشباب والشابات ليمارسوا حقهم في اختيار شركاء حياتهم، والزواج عبر الخطابات الرقمية التي تعمل بتدبير الزيجات أحد هذه الحقوق.
“أنت على حق” ، قال صاحبي ، بينما كان يرتشف آخر قطرات “اللاتيه ماكياتو”. وقال بقليل من الضحك: “أشكرك على التوضيح، فإنني تزوجت عن طريق زواج مدبر في الأسرة وهذا أنا أعيش بسعادة غامرة مع زوجتي وابنتي.”
أوروبا وسمعة الإسلام والمسلمين يعانون من حين لآخر من تصرفات السلفية المتطرفة. سعيا خلف حلول ممكنة لإطفاء هذا التوحش البشري في حق الإنسان تسعى هذه المقالة الى تعريف مكمن الخلل السلفي المتأزم كما أنها ترشد إلى سبل أنسنة هذا التطرف وذلك بإثبات وجود جذور تصوفية لدى أعلام السلفية عسى أن يمكن إعادة اكتشافها وتقديمها كسلفية متصوفة مسالمة لمن يصرون على هذا النهج في أوروبا. كما شخصت المقالة البربهاري كمصدر التأزم السلفي وكيف أن ابن تيمية وابن القيم عجزا عن تجاوزه بالرغم من أن ابن الجوزي الحنبلي السلفي الذي سبقهما بأكثر من قرن من الزمان نجح بتجاوز “السلفية البربهارية” وذلك بصيانة السلفية من خلال تصويفها قديما. فهل يمكن أنسَنَة السّلفية الأوروبية بتَصْويفها مرة أخرى؟
كم يصعب على المرء ألا يشاهد ذلك الضباب الفكري وهو يتلبد على منطق الدين عند أعداد ليست بقليلة من المهاجرين. فعندما ننخرط في حديث ذو سحنة دينية أسمع في إجاباتهم مقتطفات أفكار مبعثرة لا تعكس أراء مؤمن بها بقدر ما تعكس ما بلغهم من علم ولكن ما يقلقني هو أنها أرآء تحمل صبغة الخطاب السلفي. أجمل ما أجد عند هذا الشباب الطيب حب التعرف على إسلام غير ذلك الذي زودهم به بعض المتكلمين في بلادهم الأم. إنهم يبحثون عن إسلام آخر يسمح لهم بأن يكونوا مسلمين ويسمح لهم بالاندماج والتعايش في المجتمع مع إخوان التراب من الألمان وبقية المهاجرين. كم يحزنني الخيال الديني السلفي الخاطئ الذي يوهم معتنقه أن مهمته في الأرض أن يطهر الأرض من البدعة ومن المبتدع نفسه بمضايقته بعنف إن تطلب الأمر. قبل ما أستفيض في هذه المقالة لابد من العلم أني لا أرى على مر التاريخ الماضي واليوم الراهن سلفية واحدة بل كان ومازال هناك سلفيات وفي كل سلفية تيارات. من أخطر السلفيات تلك التي تقوم مبانيها على منظومة كلامية سلفية إفنائية وهي ذات منطلق فكري سهل أن يفهمه أي إنسان لم يحصل على أدنى مستوى تعليمي. فتأويلاتها تقسم البشرية إلى كافر ومسلم، ومن ثم تصنف المسلم إلى مبتدع ضال أو مهتدي متبع لطريق السنة والجماعة. ولا يوجد أحد سواهم على ذلك الطريق القويم. مشكلة السلفية أن السلفية الإفنائية خطفت الأضواء حتى يكاد أغلب السلفية التوهم من أنه لا توجد سلفية سوى تلك الإفنائية المتأزمة والأسوأ عندما يتوهم الشاب أنه لا خلاص للإنسان وعتق من النيران سوى باعتناقها. فهل هناك من طريق إلى أنسنة هذا الفصيل السلفي الإفنائي؟
من السلفين الذين تتجاهلهم الأذرع الإعلامية الدينية هو أبو الفرج بن الجوزي القرشي البغدادي وهو فقيه حنبلي محدث ومؤرخ ومتكلم (510هـ – 597 هـ). ما يهمنا أن أبو الفرج هو أول سلفي كتب عن شخصية متصوفة وعن التصوف في كتاب بعنوان: درر الجواهر من كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني. موضوع الكتاب هو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني (470 هـ – 561 هـ) وهو متصوف مشهور جدا وتنسب الطريقة الصوفية المشهورة بالقادرية إليه. بهذا العمل الكتابي نسج السلفي الحنبلي أبو الفرج بن الجوزي مبكرا مجدّلة عقدت بين ضفيرة سلفية مع أخرى متصوفة بحيث لا يمكن فلّها. وكان هذا الكتاب محاولة جادة من ابن الجوزي في مواجة تشكل السلفية الإفنائية. ففي تقديري توجس ابن الجوزي من حجم العبث الفكري الإفنائي الذي أطلقة أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري (233 – 329 هـ) بسلوكياته وكتاباته المتأزمة باسم الحنبلية والسلفية. على الرغم من أن ابن الجوزي نجى من إخفاق البربهاري في استيعاب المشيئة القرآنية المطلقة الواردة في سورة الكهف والتي تجعل مشيئة الكفر أو الإيمان بيد الإنسان والتي تؤكد أنه لا توجد عقوبة دنيوية على إختيار الكفر بل كل العقوبات أخروية يجريها الرب عز وجل بحق الظالمين بدون مساعدة من أي إنسان لا في الدنيا ولا في الآخرة: ” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)”.إلا أن غيره أخفق. فكل من الشيخ ابن تيمية (661 هـ – 728هـ) وزميله الشيخ ابن قيم الجوزية (691هـ – 751هـ) لم يستطيعا حسم موقفهما بالانضمام إلى سلفية ابن الجوزي الناعمة والمتصوفة في وجه سلفية البربهاري الإفنائية المتأزمة. بل يبدو أنهما قررا مسك العصا من الوسط فتجد في كتاباتهما إرث أبو الفرج بن الجوزي السلفية المتصوفة وتجد في كتاباتهما إرث البربهاري المتأزم الذي يريد إصلاح الضمائر بالعصى من خلال مجموعة فتاوي متشنجة لا ترتضي للإنسان من ممارسة مشيئته التي كفلها القرآن. نعم تجد عند ابن تيمية-ابن القيم من إرث أبو الفرج بن الجوزي فتارة تجد أن ابن تيمية يسهب في الكتابة عن متصوفة الحنابلة الثلاثة: الشيخ عبد القادر الجيلاني، وعن الجنيد، وعن إبراهيم بن أدهم. كما تجد ابن القيم يختصر كتاب تصوفي باسم “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين” وفي ذات الأثناء تقرأ بين نصوصهما تعابير الإقصاء وزندقة المخالف وبل تكفيره اقتداء بالبربهاري. بعد هذه المقدمة انكشفت عنا قشاعة أربكت الكثير في عدم فهم مصدر شطحات ابن تيمية-ابن القيم المسهبة في التأزم وتارة المسهبة في النعومة. لذلك أعتقد أنه إذا ما تمكن لنا من إعادة إكتشاف تصوفيات السلفي \ المتصوف أبو الفرج بن الجوزي وحجم تأثره على كل من ابن تيمية-ابن القيم ومن ثم إنقاذ إرث ابن تيمية-ابن القيم من تلويثات البربهاري الإفنائية المتأزمة لتمكن لنا من طرح سلفية تصوفية ناعمة. بعد ذلك يستطيع من يصر على الأنموذج السلفي من الأخذ من هذه السلفية/الصوفية المنقحة دونما أن تكون أفكاره إقصائية للتنوع الديني واللاديني في المجتمعات.
ولكن كان هناك مشروع سلفي آخر، بل حتما من نوع آخر أطلقه محي الدين بن عربي الأندلسي (558 هـ- 638هـ). فابن عربي المتصوف المشهور كان أيضا في زمانه (وليس في زماننا) مشهور بشيء آخر وهو فقهه. كان ابن عربي سلفيا جدا على مستوى الفقه. فهو يؤمن باللامذهبية وهي ركيزة فقهية سلفية. فكان ابن عربي يضيق على الإنسان فرص التقليد ويحث كل فرد يمتلك سعة كافية من صنع مذهبه الصغير الخاص به. فابن عربي من الناحية الفقهية سلفي جدا بكونه لا يؤمن بالتقليد المذهبي. ومن الأسر العربية التي مازالت تحافظ على إرث ابن عربي التصوفي-السلفي هي الأسرة الصديقية الغمارية المغربية. فهي من ناحية تشجع اللامذهبية ومن ناحية أخرى تشجع تصوف ابن العربي. إذا نحن أمام أنموذجين. فهناك أنموذج متاح لمن يريد أن يكون حنبلي متصوفا كأبي الفرج بن الجوزي وهناك أنموذج آخر لمن يرغب بانموذج اللامذهبية المتصوفة كتلك التي عمل بها بن عربي الأندلسي.
ختاما المتجدلة التصوفية – السلفية إرث ذو تاريخ قديم. إرث متصالح في شخص أبو الفرج بن الجوزي وفي شخص ابن عربي الأندلسي صاحب الفتوحات المكية. ويمكن لمحبي السلم والسلام المجتمعي إثراء الوعي لدى الشباب بالتخلص من أفكار البربهاري الدخيلة وبتنقية كتب ابن تيمية وابن القيم منه لكي نعطي لمجتمعاتنا الفرصة من تعايش متعدد متصالح.