التاريخ العربي الإسلامي يرتبط على العصور بذكر اليمامة وبذكر نجد. اليوم إختفى مسمى اليمامة من تداولنا اللغوي. فأين يقع أقليم اليمامة؟ وما هو الفرق بين أقليم اليمامة وأقليم نجد؟ كل هذه الأسئلة طرحت في هذه المقالة وسعت الى الإجابة عليها
اليمامة و نجد
أول الأمر علينا بالإتفاق على بعض التعاريف الجغرافية. فما يعرف اليوم بإسم نجد كان إقليمين. إقليم اليمامة وإقليم نجد. وكانت اليمامة الأقرب للقادم من جزيرة البحرين باتجاه وسط الجزيرة. وكانت العرب قديما عندما تقول نجد تعني نصف الهضبة الأقرب للقادم من بلاد الحجاز. ومع تراحل الأزمنة وتداول الممالك عليها إختفى إسم اليمامة وأصبحت كل الهضبة تسمى نجدا.
اليمامة
هو الأقليم الذي تمخر من شماله الى جنوبة سلسلة جبال العارض وتسمى عارض اليمامة ويسمى اليوم جبال الطويق. وتمتد جبال الطويق على شكل حدوة فرس لما يقارب 800 كلم طرف الحدوة الشمالية ينطلق من صحراء نفود الثويرات في الزلفي ثم تقترب الجبال من شرق الجزيرة وتعاود بالإبتعاد الى طرف الحدوة الجنوبي عند مشارف وادي الدواسر والربع الخالي جنوبًا.
بلاد اليمامة أو العارض قديما وحديثة هي: حَجر اليمامة أو الرياض كما تسمى اليوم والخضرمة (جو الخضارم) والدرعية وأباض وضرما والعيينة والجبيلة وسدوس والعمارية ومنفوحة والمصانع وعرقة والحائر . ويعدّ محمد بن بسام التميمي (توفي 1246 هـ/1830 م) شعيب حريملاء أيضاً ضمن العارض.
نـــــجد
طغى إسم نجد وتراجع تداول إسم اليمامة فأصبحت اليمامة ونجد تسمى نجدا وأحلوا محلها مسمى عالية وسافلة نجد. تقول العرب عالية نجد أو نجد العليا، وتقصد بذلك غرب نجد المطل على أقليم الحجاز. وهو أعلى إرتفاعا من بقية هضبة نجد.
كما تقول العرب سافلة نجد أو نجد السفلى، وهو النصف الآخر المطل على المنطقة الشرقية. وهو أقل إرتفاعا من عالية نجد. فهضبة نجد أكثر إرتفاعا عند الغرب وأكثر إنخفاضا عند الشرق. فهضبة هضبة يتراوح ارتفاعها ما بين (762- 1524م) فوق سطح البحر. ويعد “جبل حضن” أعلى نقطة في نجد كلها؛ إذ يصل ارتفاعه إلى (1656م) فوق سطح البحر.
ومن سلك طريق عالية نجد تقول عليه العرب: “سنّد” – بتشديد النون -، ومن سافر شرقاً عبر سافلة نجد تقول عليه العرب: “حدّر” – بتشديد الدال -.
عليه تحد هضبة نجد “صحراء النفود” شمالاً، و”الدهناء” شرقاً، وصحراء “الربع الخالي” جنوباً، بينما يحدها من الغرب “جبال الحجاز” ومن
أول مرة زرت بها سلطنة عمان كنت أقود مركبتي عبر الطريق السريع باتجاه مدينة صحار في عام ٢٠٠٥. ذهلني ذوق العمارة من المساجد والمنازل الذي لم أشاهد مثله في باقي البلاد العربية. ذهلتني تشكيلة ألوان بوابات المنازل وزي النساء والرجال. حينها خالجتني مشاعر إنني في بلد عربي أصيل لم تغير المدنيّة أنماط ذوائقة البصريّة التراثية.
سرت في طرقات صحار وأزقتها فإذا بي أسمع صوت رجل عماني بعيد عني، شخص لا أعرفه، يسلم ويدعوني لأن أشرب القهوة وأتناول العشاء معه. عرفت حينها أن هذا الشعب يحمل نبل أخلاق العرب وكرمه الأصيل، أمور نقرأ عنها في كتب التراث ولكنها في عمان سجايا ثقافية وفطرة معاشية بين الناس.
عندما احتككت مع العمانيون وجدت أنهم جميعا متفقون على حب السلطان قابوس بن سعيد (رحمه الله تعالى).
منذ تلك النقطة بدأت أقرأ أكثر عن المغفور له (بإذن الله). وجدت أنه أقام العدل بينهم، وأنصف معاشهم، وعبّد لهم الطرقات، وساهم في توفير المدارس والمستشفيات، وفتح المشاريع المختلفة لتوظيف شعبه، والأهم أنه فتح دواوين الولاة في مختلف ولايات السلطنة لاستقبال شعبه والاستماع الى شكواتهم وإيجاد حلول لها.
رجل كان سبّاق الى تلك الأفعال والمواقف التي تلم شمل الأمة في كافة الأقاليم المحيطة بعمان.
وكان (رحمه الله) يلتزم الصمت وينأ بنفسه والسلطنة عن اتخاذ أي خطوة تساهم في نفرة العرب.
لقد حاز السلطان في ضميري رفعة وتقدير وشكر لالتزامه بهذه الخصال.
كان (رحمه الله تعالى) صاحب ذوق لا يشاركه أحد من العرب. لقد أسس الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية لتعكس ذوقه الرفيع في الفن العالمي. والجميل أنه علم العمانيات والعمانيون أداء هذه الفنون بمهنية وحرفية عالية جدا وهم يرتدون نمط من الزّي العماني الزاهر. أنه رحمه الله بمعنى آخر يؤكد على سياسة الدخول في المدنيّة بأصول وجذور عمانية. كل الطرق وتشجيرها وتزهيرها ونظافتها، وكل ما تحمله استراحاته الريفية من جمال معماري وذوق ريفي عكست ذوقه الرفيع.
كل ما صنعه لا ينفصل عن جذور عروبة عمان التراثية وهي تدخل المدنيّة العالمية.
والأهم أنني لاحظت أن عدد السّياح الألمان في سلطنة عمان في اضطراد وتزايد. تحدثت اليهم في عمان وفي ألمانيا وأخبروني أن اعتناء السلطنة العمانية بتراثها القديم وحسن تنظيم البلاد الحديث وشعبها الذي هو بقايا أخلاق العرب من العصور القديمة هو ذلك “السحر الشرقي” الذي يدفعهم الى زيارة سلطنة عمان مرارا.
رحم الله السلطان العربي الرائع الذي سجل حضور مميزا في قلب عشاق الحضارة العربية الأصيلة وعشاق الاتزان السياسي وعشاق العدل الاجتماعي وعشاق سلطنة عمان.
رحمك الله يا سلطان قابوس بن سعيد فإنك إرث حيا في قلوبنا لم ترحل وستبقى ذكرى جميلة لنا ولأبنائنا.
لقد أسس لنا إرثك وعلى الأساس ماضون في البناء. وستبقى عمان مستقبل التراث العربي في مدنيّته الحديثة.
المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في خطاب دخولنا في عام ٢٠٢٠ حذرتنا من وخائم تغير المناخ وتداعيات الاحتباس الحراري الذي يؤثر على البيئة ومعه على نسق حياتنا وحياة أبنائنا وأحفادنا.
لقد شح المطر بشدة. فمن منا لا يذكر ما حصل في السنوات الأخيرة من انخفاض معدل هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وما صاحبه من انحسار لمنسوب ارتفاع الأنهار والبحيرات في ألمانيا؟
كيف يعنينا خطاب المستشارة الألمانية؟ وما هو المتاح أمامنا كعرب متواجدين في ألمانيا؟ وكيف يمكننا أن نساهم في صيانة البيئة فوق التراب الألماني الذي يحتضنا؟
بلا شك أن من بين شباب العرب من يمتلك نسبة ذكاء عالي متميز. يمكنهم التخصص في هندسة الطاقة البديلة النظيفة. طاقة الطواحين الهواء الكهربائية وهندسة إنتاج بطاريات طويلة المدى للسيارات والشاحنات والحافلات والقوارب البحرية. يمكن لهم الالتحاق في قطاع الصناعات المناسبة لتطوير، مع زملائهم، إنتاج وسائل النقل الكهربائية ذات انبعاث تلوثي قليل جدا. وهم هكذا يساهم في نقاء البيئة بالمقارنة مع مكائن البترول والديزل والنووي.
الألمان لديهم وعي عالي بالقضايا البيئية ويمكن القول أن هذا الوعي تبلور بشكل فاعل منذ عام 1993 عندما اندمجت عدة أحزاب لتؤسس حزب الخضر الألماني. وهو حزب سياسي يستقطب الفئة العمرية الشابة وقد سجلت شعبيته مؤخرا قفزات ملفتة للنظر.
العرب يمتلكون إرث وتاريخ محب للبيئة. فنحن أهل الغرس قال رسول الله ص: “ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة” (أخرجه مسلم). ويمكن أن نفعل عقيدة الغرس بيننا لدعم نشاطات الغابات والمزارع والفلاحة. كما إننا أهل تراث ترشيد استهلاك الماء كما روى أحمد بن حنبل وغيره : … فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ( هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ) فهذا الحديث ينهى عن غسل أعضاء الجسد أكثر من ثلاث مرات. ونمكن أن نطور ثقافة ترشيد استهلاك المياه بيننا.
ونحن أهل المشي فقد عرف عن الرسول ص. السفر على الأقدام (رحلته إلى من مكة الى الطائف وعودته). هكذا نفعّل ثقافة المشي وركوب الدراجات الهوائية واستخدام النقل العام، الترامب والحافلات.
ثقافتنا مليئة بالسلوكيات المتصالحة مع الطبيعة والبيئة. فماذا ننتظر؟ دعونا نساهم في صيانة البيئة فكل خطوة مهما كانت ضئيلة لها مفعول خطوة خطوة.
بعد نزول الآية القرآنية “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)” (سورة العلق) فطن المسلم إلى حتمية ارتباطه بالقراءة. والقراءة تعني وجود الكاتب (النخبة) و المكتوب (النص) و القارئ (الجمهور).
وبدأ التحول من “ثقافة الشفاهية” المعتمدة على الراوي، الرواية والمستروي (أي المستمع) إلى “ثقافة التدوين” المرتبطة مع حراك النبي (صلى الله عليه) الكريم وأصحابه (رضي الله) في عملية تدوين القرآن.
سرعان ما ظهرت “الكتاتيب”. والكتاتيب دُوْر محو الأمية استخدمت القرآن العظيم ككتاب يتعلم الصبي والصبية القراءة والكتابة ودينه من خلاله. بعد عملية محو الأمية ظهرت حوانيت “النـّسخ” . وهى دكاكين متخصصة في نسخ، تجليد، بيع، وتأجير الكتب، وذلك لتلبية حاجة المتعلمين. وعلى هامش صناعة النـّسْخ تطورت صناعة الورق، الحبر، والأقلام القصبية. يمكن للورّاق أن ينسخ ما معدله 75 صفحة في اليوم، مع أن هذا يبطأ من سرعة نسخ الكتب فهو أيضا عامل من عوامل غلائها.
ارتبطت الكتابة بالكتاتيب ولكن هناك طبقة “الخطاطين”. فعلينا التميز بين الكاتب والخطاط. و الخط العربي ليس فوق علاقات “القوة” “ودينامكية التمييز والهوية”. فعند ومع كل بروز لنوع خط من الخطوط العربية ارتبط ذلك ارتباطا وثيقا بالتيار الذي تبناه، وكان جزأ من خطابهم ومشكل لهويتهم ووعيهم الجماعي.
واستمرار الخطاب المرتبط بنوع الخط هو علامة على فاعلية تلك الجماعة في المجتمع وانقطاعه دلالة على أفولهم.
ولاستمرار هوية نوع الخط عبر الأجيال كتبت كل جماعة كتب بنمط خطها الذي إرتبطت معه لتُبقي على وجودها المعرفي والسياسي.
و تحت ذريعة جودة النـّسخ سنّ الخطاطون معايير جمالية توعّي النـّاسخ والقارئ بالمقبولات والمرفوضات الحسيـّة والفنيـّة لهوية ذاك الخط أي هوية الجماعة.
كما أرتبط نجاح الجماعة بإقناع السلطان من ربط هوية الجغرافيا بخط ما. فعرفت بلاد بخط دون آخر. مثل الخط الكوفي الذي أسس للهوية الكوفية وهي المدينة التي قاومت المد الأموي. فكانت بحاجة للإنفصال عنها من خلال رمزية نمط خطها. كما أثر الخط الكوفي في بلاد المغرب. فمن خلال ذلك الرمز المكتنز في الخط الكوفي ومن تشفيرات الطموح المبكر الى الحكم المحلي بعد أن فقدت كينوناتها السياسية تحت غطاء التمدد الأموي. فنرى ذلك مبكرا في عموم بلاد المغرب من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر إلى المغرب إلى موريتانيا من خلال بلورة نكهة خاصة مغاربية للخط الكوفي تحديدا.
كما تبلور الخط الكوفي في الأندلس ليأخذ منحناه الخاص به فنتج عنه ما يعرف ب الخط الكوفي الأندلسي (ويتميز بغلبة الزوايا وهو شديد التأثر بالخط الكوفي). وتبلور في جهة قرطبة بشكل مغاير وعرف بإسم الخط القرطبي أو الأندلسي ( وتكثر فيه الانحناءات والاستدارات، وقد استخدم في نسخ المصاحف والكتب).
وفي الديار الفارسية إجتهد حسن الفارسي على تطوير خط يخص أهل فارس عرف بالخط الفارسي وذلك في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، والذي استخلصه (حسن الفارسي) من خطوط النسخ والرقاع والثلث.
ومع مرور القرون توطدت هذه الخطوط وهذه الرسومات وهذه الأنماط وهذا الحس الذوقي والفني للتحول إلى رافد للهوية الجهوية والجماعية والفرقية. كما لعبت قواعد وجودة ومعاير كل نوع من الخطوط دور السياج الذي يحصن كل هوية.
كما لعب عنصر التبجيل المعنوي مصدرا آخر لتعزيز حس الإعتقاد بنمط خطّي عنما سواه في الذهن العربي وبقعته الجغرافية خصوصا عندما يستخدم لرسم النصوص المقدسة.
.أجرى معي الأستاذ موسى الزعيم مقابلة حول آخر كتبي والذي نشر باللغة الألمانية والذي نشر في مجلة الدليل البرلينية
نساءٌ يحلمن في شرق شبه الجزيرة العربية: دراسة مجالس إنتاج معاني الأحلام
هو عنوان الكتاب الذي صدر مؤخراً للدكتور البحريني محمد الزّكري القضاعي، الأستاذ الباحث سابقاً في علم الأنتربولوجيا في جامعة كوتبس في ألمانيا. وقد طبع الكتاب بدايةً باللغة الانكليزيّة والآن باللغة الألمانيّة. يدرس الكتاب طريقة إنتاج المعرفة المرتبطة بمفهوم رؤية العالم
(Weltanschauung)
من خلال دراسته لظاهرة إنتاج معاني الأحلام في الأوساط الشعبيّة. فالكتاب يعتبرُ معارفَ الأحلام نوعٌ من أنواع المعارف المتوطّدة في الثقافة العربيّة، والتي لم تُعالج كظاهرةٍ أنثربولوجية معرفيّة بشكل شافٍ. يمتاز هذا الكتاب بأنّه يدرسُ ظاهرة الأحلام الراهنة عبر ثلاث مراحل خليجية، لكلّ مرحلة تأثيرها الخاصّ في المجتمعات العربيّة. أولها مرحلة ما قبل النفط في شرق جزيرة العرب: وهي مرحلة اللؤلؤ والتي صاحَبها انهيارٌ اقتصاديّ مروّع، عندما ضُرب اللؤلؤ الطبيعيّ من خلال إنتاج اللؤلؤ الصناعي الياباني، رافقَ ذلك متاعب اقتصاديّة، لكن بالمقابل تشكّل الوعي في المنطقة، اتسمت هذه المرحلة بالإعتماد على الشفاهيّة في نقل المعارف والتراث، فالكتاب المطبوع أو ثقافة القراءة لم تكن منتشرةً بشكلٍ كافٍ. فاتّسم ذلك باعتماده على المشافهة والجلوس وجهاً لوجه في حلقات لنقل المعارف، في تلك المرحلة كانت المرأة سيّدة تفسير الأحلام بالمُطلق. المرحلة الثانية: مرحلة النفط، والصناعات المتعلّقة بها، رافقها صعود النهضة التعليميّة من حيث الشكل والمضمون وما تبعها من تطور أدوات نقل المعارف والتراث، من كتب و مطبوعات ووسائل إعلام مرئيّة ومسموعة.مع النفط ارتفعت ميزانيّات الدّول فوصل رجال الدّين والتعليم من مراكز حضارية بعيدة كمصر والشام . وبدأ الرجل يدخل على خطّ تفسير الأحلام. المرحلة الثالثة هي مرحلة السوشيال ميديا: حيث تخلّق جيل يعتمد بشكلٍ عامٍ على الوسائط لتحصيل معارفه من خلال الحاسوب والجوالات. في هذه المرحلة بدأت المرأة تحاول جاهدةً العودة للتسيّد في تفسير الأحلام. يوظّف الباحث ظاهرة سيادة المرأة على فضاءات تفسير الأحلام، خصوصاً في حقبة ما قبل النفط، لدحض صور نمطيّة غربيّة تساهم في تخيّل الثقافة العربيّة لا فهمها كما هي. يقول الباحث: من خلال عملي الطويل في أوروبا وجدتُ أنّ هناك صورةً نمطيّة تنمّط المرأة في صور جامدةٍ يدور أغلبها على افتراضيّة مفادها أنّ المرأة وبشكلٍ عامٍ مغلوبة ومهزومة وواقعة تحت نفوذ وسيادة المجتمع الذكوريّ. هذه الصورة الغربيّة للشرق لا تفترض وجود فاعليّة للمرأة، ولا ترى مساحة للمناورة من داخل الأدوات الثقافيّة، و فضاءات المجتمع العربي لمواجهة ثقافة التسلّط والسيادة الذكوريّة. الرؤية الغربيّة من خلال تمحورها حول الذّات الأوروبيّة، قيّمت الشرق من منطلق ثقافة الغرب. فهي تقارن إنجازات المرأة الأوروبيّة ومفهوم تحرّرها في سياقات تاريخ تطوّر الفضاء الغربي، ثم إذا لم ترصد ذات الإنجازات النسويّة في الشرق تبدأ الرؤية الغربيّة في إنتاج شرقٍ في مخيلتها قد لا يكون هذا الشرق موجوداً في الواقع، ومن ثمّ تعجز عن فهمه بشكلٍ أصيلٍ. فالكتاب يثبت أنّ هناك قيادات نسويّة ثقافيّة شعبيّة خلقت لها سيادة في الثقافة الشعبيّة تُنَادِدْ سيادة رجل الدّين في الثقافة الرسمية. فإذا كان هناك شيخ للدين فهناك ندّ له وهي شيخةٌ لتفسير الأحلام. البحث في القضيّة النسوية من خلال هذا المنطق النّدي (وليس التصادميّ) مفقودٌ في المنظور الأنثروبولوجي الغربيّ، عندما درس ثقافة الشرق النسويّ. وهذه النقطة في الكتاب تحديداً كسرت الافتراضات والمُسلمات في دراسات الشرق الأوسط والمجتمعات المسلمة، عندما أثبتت وجود فاعليّة ثقافيّة تقودها الشيخة المرأة، شيخة مجلس تفسير الأحلام، فالرجل إذا ما حلم عليه أن يبعث زوجته أو أخته أو بنته إلى مجلس شيخة تفسير الأحلام. حينها يكون حلم الرجل ومسار تحويله من أمر مناميّ مرتبط بعالم رؤيا غامضة، إلى نصّ مفهومٍ يصلح لواقع الدنيا مرتبط بعقل وثقافة لا يفهمه إلاّ امرأة. الرجل عندها يعلم ويشعر ويعتمد على قدرة المرأة لتشكيل وعيه المعرفيّ الشعبيّ والذي من خلال تلك القدرات النسوية يوسّع مداركه بمفهوم رؤية العالم ووجوده (Weltanschauung). الأهمّ أنّ كلّ ذلك يحصل بسلاسة وانسيابيّة مسلّم بها دون أي صراعٍ وتصادمٍ. أمّا على مستوى فهم الأحلام فالكتاب يؤكّد أنّ الأحلام تُفهم تفسيرياً وتأويلياً وتعبيرياً. الحلم من خلال التفسير: المرحلة الأولى والأسهل لفهم الحلم يكون عند مستوى التفسير. أي القراءة الظاهريّة والمُبسطة للحلم.فمثلاً عندما تحلم الفتاة أنها تزوجت فيكون معنى الحلم التفسيري أنّها فعلاً ستتزوج. الحلم من خلال التأويل: أكثر تعقيداً من تفسير الحلم، تؤخذ أمور الحلم على أنهّا إشارة أو شيفرة. فمثلا عندما تحلم الفتاة أنّها تزوجت يفهم الزواج أنّه شراكة، فقد يكون معناه أنّها سترزق خيراً من خلال خوض مشروعٍ تجاريّ مع شريكٍ أو شريكةٍ. الحلم من خلال التعبير: وهي عمليّة أعمق من التفسير والتأويل. فالتعبير من العبور. وهنا تستخدم التأويل لتأويل التأويل. فمثلاً عندما تحلم الفتاة أنّها تزوجت. يفهم “الفتاة” على أنّها رمز لزينة الحياة الدنيا والزواج هو تزاوج بين الدنيا والروح. بين العالم الماديّ والعالم الروحيّ. بمعنى آخر يعبّر هذا الحلم بأنّ الفتاة ستخوض نقلةً عميقةً في حياتها ورؤية ناضجة لوجودها. يركّز الكتاب على مناقشات النساء ” الجدّات ” مفسرّات الأحلام يقول الباحث: تظنّ للوهلة الأولى أنّهنّ تخرّجن من مدرسة ابن سيرين. فتجد في مقدمة كتاب ابن سيرين قواعد لم يلتفت إليها شيوخ الأزهر والتفتت إليها الجدّات. مثلاً تجد نقلاتهم بين شرح الحلم تارةً، بناء على الطريقة التفسيريّة الظاهريّة وتارةً على أساس الإشارات التأويليّة وتارةً على أسس تعبيريّةٍ عميقة، أمرٌ أذهل المؤلف الزّكري عندما درس أقوالهن. يؤكد الباحث على أنّ تفسير الحلم لقاء جماعيّ. فقد كان الرسول ص يفسّر أحلام أصدقائه في مجلسٍ عامٍ. ففكرة أن الجدّات كنّ يفسرن الحلم في مجلس نسائيّ عامٍ، فكرةٌ إسلاميّة أصيلةٌ. ومن الأمور الملفتة أنّ المؤلف وجدَ شريحةً الجدّات يلتزمن برتوكول تلاوة ديباجة افتتاحيّة قبل الشروع في إعطاء معنى للحلم: “بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، هو بإذن الله تعالى خير يكون و شرّ يهون..” ثم يباشرن في تفسير الرؤيا. مثل هذه الديباجة التزم بها ابن سيرين ولم أعرف غيره عمل بها إلاّ الجدّات. كنت أتساءل أين قرأت الجدّات ابن سيرين في تلك الفترة؟! فقد كنّ بالفعل ورثة تفسير الأحلام في الطريقة الشفاهيّة، في حين أنّ خريجي الأزهر أحياناً لا يتقنون هذه الديباجة. الجدّات لا يستخدمن مفردة رؤيا وحلم. بل يقلن حلمٌ صالحٌ أو حلمٌ باطلٌ. كما يصنفن الأحلام كحلم بشارةٍ وحلم تحذيريّ وحلم تعليميّ وحلم خيرٍ وحلم بركةٍ وحلم شيطانيّ غير صالح. الجدّات كنّ ملمّات بأهميّة نقل المعرفة عبر الأجيال فنجد أنّ بعض النساء الشابّات كنّ يجلسنَ مع الجدّات في مجالس معارف الأحلام،من أجل نقل الخبرة، ومن الجدير ذكره أنّ في شرق الجزيرة العربيّة كانت الحياة أقرب إلى المدنيّة منها إلى الحياة البدائية القبليّة. الكتاب تتبّع دورة حياة المرأة المعرفيّة من سنين طفولتها إلى أن تحوّلت إلى جدّة. فهذه الدورة هيأتها وصقلتها لتتبوّء منصب شيخة في المستقبل. فالمرأة كطفلةٍ جلست في أنواع مختلفة من المجالس التي يسيطر عليها الرجال، وجلست في مجالس تسيطر عليها النساء، وتعلّمت مفردات ومصطلحات وأعراف ومقبولات وممنوعات كلّ هذه الفضاءات الذكوريّة و النسوية أتقنتها جميعاً. فالفتاة قبل سنّ التاسعة،كانت تذهب إلى مجالس معرفيّة تُعرف بالكتاتيب يديرها رجل أو امرأة “مطوّع ” أو ” مطوّعة “. في حقبة ما قبل النفط لعبت مؤسسة المطوّع مهمّة محو الأميّة. فهي اختراعٌ عربيّ إسلاميّ قديمٌ استخدمت فيه القرآن الكريم ككتاب لتعليم أساسيّات القراءة والكتابة لمحو الأميّة، لكن مستوى المطوّع في الدراسات الإسلامية ليس متطوراً، لذلك ذكرت لي الجدّات أنّ في سنيّ طفولتهنّ ذهبن إلى مجلس شيوخ الدين في المسجد لتعلّم أساسيات الوضوء والصلاة. هنا تجلس الطفلة و الطفل في حلقةٍ واحدةٍ لتلقّي المعارف الدينيّة المتقدّمة عن مستوى المطوع. ترى وتشاهد هيبة شيخ الدين. طريقة حديثه ووقاره واحترام الناس له. فتفطن الشّابة إلى أهميّة المعرفة ووثيق صلتها بالسيادة في المجتمع العربي. كما أنّ الفتاة قبل أن تبلغ سن العاشرة، تشارك القبيلة حفلاتها العامّة، فتقوم بأداء الرقص فتتعلّم أهميّة أداء الشّعر والبلاغة وبروز شباب القبيلة ومحوريتهم في الفضاء العام. لكن سرعان ما يتراجع حضورها. ويبقى في حدود مجلس قبيلتها ولكن أيضا يبدأ يتكثف حضورها في مجلس زوجة حاكم البلاد. فقد سمعتُ الجدّات ذكرهن حضورهن مجلس شيخة البلاد. وشاهدوها وهي تحلّ مشاكل ضيوفها. وتعلموا أدب الدّخول والانصراف و طرح السؤال وأدب الإنصات، وتقديم الكبير للتحدث. في هذه المجالس ترى المرأة شخصيّة الرجل عن قرب، حدوده و إمكانياته، وتتجهّز معرفيّاً واجتماعيّاً للمرحلة القادمة، كما ترى أنّ في مجالس أخرى تبرز سيادةَ المرأة في شخص زوجة الحاكم وما تتمتع به من قوّة اقتصاديّة وسياسيّة واجتماعيّة أو غيرها. يذكر الكتاب أنّ المرأة دائماً تأخذ ابنها الصغير معها إلى تلك الجلسات.مجالس الشيخة و القبيلة و زوجة الحاكم ومجالس تفسير الأحلام والذي سيغدو رجلاً في المستقبل فيختزن بذاكرته تلك الصورة. بهذه الطريقة عندما يكبر الطفل ويتحوّل إلى زوج يكون من مسلمات ثقافته المحلّية ألاّ يمنع زوجته من زيارة هذه الفضاءات العامة خصوصاً مجالس تفسير الأحلام.وإذا منعها يُنعت بنعوتٍ إنتقاصية من مثل جاهل بالأصول أو ليس ابن أصل، بل يطلق عليه عدداً من الصفات من مثل “ليس ابن عرب” أو فقد أصالته، هذه النعوت تجبر الرجل على الرضوخ لسلطة المرأة ومشيختها. جيل ما قبل النفط الجميل وحضور المرأة القوي فيه لم يدم. فقد رصد الكتاب أنّه في فترة النفط قدم إلى بلدان الخليج فئة من مفسري الأحلام نتمون إلى ثقافة يكون فيها مفسر الأحلام رجل وهكذا تمّ إقحام الرجل في هذه القضيّة،عن طريق القنوات التلفزيونية أو الاتصالات الهاتفيّة مما أفقد جوهر تفسير الحلم مكانته، وسحب البساط من تحت الجدات. للأسف المجتمع تناسى أنّ للحلم شروطه ومحدداته الخاصّة حسب رأي ابن سيرين. الذي كان يصرّ على شرط إلمام مفسّر الحلم بالثقافة المحليّة هذا يعني أنّه يجب أن يفسّر الحلم بلهجة المنطقة، وثقافتها، ومفرداتها الاجتماعية الخاصة بها. لذلك فقد مفسرو الأحلام من الوافدين الجدد، قدرتهم على إقناع الجماهير المهتمة بالإلمام بمفهوم رؤية العالم ووجوده (Weltanschauung) بأنّهم مفسرون جيدون بسبب عدم قدرة المحليين الربط بين تفسير الحلم وواقعهم. في الفترة الأخيرة انتبهت بعض الشابات من منطقة شرق الجزيرة العربية لهذه القضيّة. فقررن تدارك ما تبقى من الجدات الملمات بتفسير الأحلام لأخذ المعارف عنهن. وثم أقبلن على فتح أندية رقميّة لتفسير الأحلام. ويتمّ تدول ذلك في منتديات نسائيّة متخصصة في تفسير الحلم تبعاً لتراث وثقافة المنطقة، وبناءً عليه أعادت المرأة بصبغة جديدة المكانة للجدّات في هذه القضيّة، لأنّ المؤسسة الرسمية لم تكن مُقنعة في تقديم إجابات على تفسير الأحلام. من الأمور النبيلة أنّ الجدّات كنّ يستخدمن مشيختهنّ المعرفيّة وقدرتهن على تفسير/ تأويل/تعبير الأحلام لحلّ المشاكل الأسريّة. وعليه فإنّ المُفسرة في كثير من الأحيان لا تخرج عن دورها الإصلاحيّ التنويري، الاجتماعي. من أمثلة ذلك فسرّت إحدى الجدّات حلم رجلٍ رأى فيه أنّه مات. فكان تأويل الحلم أن الموت حياةٌ. فقالت له إنّه حلمُ بشارةٍ. في حين أن رجلاً آخر رأى أنّه مات في الحلم. المفسرة تعلم أنّ هذا الرجل يضرب زوجته. فلَوَتْ معنى الحلم وقالت له إنّ هذا حلم تحذيرٍ لك.فإن مصيرك إلى الموت أو أن تحسّن حياتك مع أسرتك، هكذا لعبتْ المُفسرة من خلال معرفتها بحالة المجتمع الذي تعيش فيه دور المُصلحة الاجتماعيّة. في المحصّلة يركز الكتاب على أن تفسير الأحلام ظاهر اجتماعيّة خاصّة بالمرأة، يجب أن تنال العناية والدرس بشكلٍ جيدٍ لما لها من خصوصيّة في حياة المجتمع ولاتصالها الوثيق بالثقافة الشعبيّة، وكيف تستطيع المرأة من الثقافة الشعبيّة توفير إجابات على ما لا يمكن الإجابة عنه في معطيات معرفيّة أخرى، فالثقافة الشعبيّة توفر معرفة مجتمعيّة لا تعرفها مؤسسات أخرى. تأتي أهمية الكتاب في خصوصيّة البحث المُقدم من خلاله، وتطرّقه لقضيّة ربّما غفل عنها الكثيرون في منطقة شهدت تحولاتٍ متسارعةٍ خلال فترةٍ زمنية قصيرةٍ،وهو يشكّل حلقة لها أهمتها في فهم واقع المرأة العربيّة في تلك الفترة ودورها الاجتماعي الذي يعتقد البعض أنه روتيني أو عادي، في حين تبدو خصوصيّة هذا الدور ودقته في تفسير الكثير من القضايا التي يعوّل عليها علم الأنثربولوجيا في فهم الآخر. يقع الكتاب في 206 صفحات من القطع المتوسط وقد صدر عن دار الأمازون للنشر الفوريّ يقسم الكتاب إلى سبعة فصول بالإضافة إلى قاموسٍ صغيرٍ لتفسير دلالة بعض الرموز في الحلم وكذلك ثبتٌ عن الإخباريين الذين نقل الباحث عنهم. والكتاب أقرب ما يكون إلى مقالات حول ظاهرة مجالس تفسير الأحلام النسوية. فجزء منه معدّل من رسالة الماجستير المقدمة في دراسات الأنثربولوجية الإسلامية في جامعة إكستر البريطانية. وجزء منه ينتمي إلى بحثٍ أجراه الزّكري لصالح جامعة آن أربر في ميتشغن الأمريكية حول ظاهرة تفسير الأحلام. منهجياً الكتاب يعتمد على تقصّي المعلومات من خلال المقابلات الشخصيّة المطوّلة ما بين 1996- 1997 ومرّة تاليّة في عام 2009. * الدكتور محمد الزكّري القضاعي أستاذ جامعيّ سابق مقيم في ألمانيا. .
أول مرة سمعت بمحمد شحرور (رحمه الله) كان في رواق معهد دراسات الإسلاميات والعرب في جامعة إكستر البريطانية وذلك أثناء زيارة الشيخ الدكتور سلطان القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد، حاكم الشارقة، في عام 1996. فقد طلب صاحب السمو الشيخ د. سلطان القاسمي الاجتماع بكافة الطلبة العرب في الجامعة وكنت أحدهم. في ذلك اللقاء سأل الدكتور هل قرأ أحدكم كتاب “القرآن والكتاب” من تأليف محمد شحرور، والذي طبع على نفقة صاحب السمو سلطان عمان، قابوس بن سعيد؟
دفع اهتمام القيادات العربية بمحمد شحرور رغبتي بالتعرف عليه. وهذا ما حصل. ولكنه رحل، رحمه الله تعالى، يوم أمس وترك خلفه الأمة العربية تهتز بين شاكر لأعماله وآخر رافض لها. في هذه المقالة المتواضعة سأقرأ محمد شحرور من خلال اضطراب المقدمات التي تمر بها الحركة القرآنية.
محمد شحرور ليس بأول ” قرآني ” ولكنه القرآني الأول في عصرنا الراهن الذي استطاع أن ينقل “علومه” إلى أفق الفضاء العام (تحديدا الشباب) من خلال القنوات الفضائية والتسجيلات اليوتيوبية وجعل قضية “القرآنية” جدل بين جماهير الأمة وهذا أهم رصيد أذكره به. كما أنه تميز بكونه شبه لغوي بحت. أي يفهم القرآن من خلال فهم مفردات القرآن الحكيم لغة بدون العودة إلى التراث. وهو هكذا تميز عن القرآنَيين الجماهيريين الذين تَلَوْه: د. عدنان إبراهيم والأستاذ حسن فرحان المالكي، والذين اختلفا عن شحرور بقبولهما لكل التراث شرط أن لا يتعارض مع شيء من القرآن.
عندما بحثت عن جذور هذه “الحركة القرآنية اللغوية البحتة” ذهلت عندما وجدت أن أول ثلاث كتب تفسير في التراث الإسلامي اتبعت نهج التفسير اللغوي البحت. اسم أول كتاب في تفسير القرآن “معاني القرآن” وقد ألفه أبو سعيد أبان بن تغلب بن رباح البكري الجريري الكندي (ت. 141 هـ.) وهو راوي ومُفسّر ومُحدّث ونحوي كوفي وقارئ لغوي. وقد كان من أتباع التابعي علي بن الحسين (ت: 95 هـ) ، والباقر محمد بن علي (ت: 114 هـ) ، والصادق جعفر بن محمد (ت: 148 هـ )، وقد نصّ كذلك بعض علماء السُنّة على وثاقته وصدقه، فمنهم أحمد بن حنبل ومنهم الذهبي الذي قال في ترجمته: ”أبان بن تغلب الكوفي شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته“. اسم ثاني كتاب في تفسير القرآن أيضا “معاني القرآن” من تأليف أبو جعفر محمد بْن الحَسَن بْن أَبِي سارة الرُّؤاسيّ الكوفي، (؟؟؟ – 187 هـ) وهو كتاب لتفسير القرآن أيضا على نهج لغوي بحت.أما ثالث أقدم كتب تفسير القرآن فقد ألفه أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي النحوي البلخي المعروف بـالأخفش الأوسط (توفي 215 هـ) أحد نحاة البصرة. وكتابه مشهور ومتداول بين أيدينا واسمه ” تفسير معاني القرآن “، وطبع باسم معاني القرآن، للأخفش، وحققته تحقيق هدى قُراعة، وطبع في مكتبة الخانجي، القاهرة، عام 1990.
عليه فإن نهج محمد شحرور تفسير القران بناء على فهم لفظ المفردة لغة هو نهج السلف وهو على نهج أول وأقدم ثلاث كتبت تفسر القرآن. في حين أن أول كتاب في تفسير القرآن من خلال الموروث (وهي موجة السلف الثانية وليست الأولى) كتبه محمد بن ماجه سنة273 هـ وهو غير موجود. على أن ثاني أقدم كتب تفسير القرآن من خلال الموروث هو ما كتبه بن جرير الطبري (ت. 310 هـ) والمعروف باسم “جامع البيان عن تأويل آي القرآن” وهو متوفر اليوم. وتبعه على هذا النهج ابن المنذر النيسابوري (241 هـ – 318 هـ)في تفسيره.
بمعنى آخر ظهرت كتب التفاسير بالموروث عند مطلع القرن الرابع وذلك بعد تدوين الحديث وليس قبله وذلك بعد أن اقتصر وعي جماهير الأمة (وليس خاصتها) في فهم القرآن العظيم في فترة القرون الثلاثة الأولى على المنهج اللغوي ثم تم إعادة تشكيل وعي الأمة في فهم القرآن من خلال الموروث.
ولو ذكرنا تقاسيم محمد عابد الجابري (ت. 2010 هـ) للذهن العربي التفكيري بين العقل البياني والعقل البرهاني والعقل العرفاني فإننا لا نستطيع بسهولة وضع كتابات محمد شحرور في خانة العقل البياني اللغوي فقد ترك ثغرات بيانية أصيلة في مباني العقل البياني دون خوضها.
فهو لم يؤسس في كتاباته المبكرة تحليلا وتفكيكا للبنية البيانية اللغوية ليتخذ من خلال ما توصل اليه سببا يوضح لماذا اتخذ هذا الموقف وترك الآخر.
فمثلا هو يفسر بناء على نهج لفظ المفردة دون إقحام العلاقات الدلالية للمفردة مع مفردات أخريات عند انتظامها في سياق جملة أو حزب قرآني أو بكونها تابعة لدلالات السياق للسورة الفلانية. أهل البيان الذين فسروا القرآن باللغة كانت لهم صولات وجولات في مثل هذا وشحرور ترك نهجهم.
الغريب في الأمر أن الأستاذ محمد شحرور يلصق نفسه ب اللغوي ابن جني (ت: 392 هـ ) حيث يقر أنه أخذ من نهجه ولكن تجد شحرور يقول بأنه لا يرى بالمترادفات في اللغة في حين أن ابن جني يفصل ويؤطر لوجود المترادفات في اللغة واقتصرت حجة محمد شحرور في ذلك أنه يتبع نهج أبو علي الفارسي (ت: 377 ه) دون ذكر سبب قناعته بذلك.
وقد يكون أجاد عبدالقاهر الجرجاني (ت: 471هـ) في ” نظرية النظم في دلائل الإعجاز” عندما قال بالحقلين الدلاليين. حقل دلالي يطوق المفردة ليهب لها خصوصيتها التي لا تشترك فيها أي مفردة أخرى ومن ثم يطوقها حقل دلالي أكبر وفي هذا الأكبر تتقاطع حقول دلالية كبيرة لمفردات أخرى لتخلق من هذا التقاطع عائلة من المترادفات والتي يسميها جلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ) بالمشجرة في كتابه “المزهر في علوم اللغة وأنواعها”.
فقد توافق الجرجاني مع من قال بعدم وجود المترادفات عندما قال بوجود طوق الحقل الدلالي الألزم بالمفردة وقد قال بالترادف عندما قال بوجود طوق من حقل دلالي أكبر يطوق الطوق الأصغر.
كل هذا النقاش لم يخضه محمد شحرور لنفهم مبانيه البيانية ولكن المحرج فعلا أن برفض محمد شحرور للمترادفات هو يقترب من ابن تيمية الذي يرفض المجاز. وقد بين الأستاذ محمد نور الدين المنجّد في كتابه ” الترادف في القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق” أنه عندما أنكر البيانييون المنكرون حدوث الترادف أنكروه لأسباب إنكارهم في الفهم بلاغية اللغة كالمجاز والتشبيه والكناية. فهذا الفريق يرى بعدم أصالة المجاز في الوضع اللغوي، في حين أن واقع الرسائل اللغوية التي كتبها من يرى بالمترادفات يشهد بأن كثيرا من تلك المترادفات حدثت بسبب من المجاز والكناية والتشبيه. ولعل الخلاف الحقيقي عند أهل البيان بين الفريقين من يرى ولا يرى بالمترادفات أمرين اثنين:
أولهما: أن المنكرين جعلوا الترادف منافيا للحكمة الإلهية في وضع الألفاظ لخلوه من الفائدة فيما يرون، على حين جعل ابن جني الترادف من الحكمة الإلهية في الوضع لما له من فوائد جمة تعين البياني.
ثانيهما: ان المنكرين تكلموا وحاكموا الترادف بمقياس العقل والمنطق فلم يجدوا لوقوعه مسوغا في حين استشهد من يرى بالمرادفات من خلال استقراءاتهم اللغوية.
لماذا كان هذا محرجا لمنهج محمد شحرور؟ لأنه وبالرغم من أنه يقول بعدم حصول الترادف لغة فإنه يستخدم أدوات المجاز من كناية وتشبيه واستعارة للوصول الى المعرفة اللغوية التي يوصلها لنا.
من الأمور الأخرى التي لم يحسمها محمد شحرور هو سؤال: هل اللغة تسبق الفكر أم أن الفكر يسبق اللغة؟ فالصراع العقدي سبق اللغة. فمن قال بالمجاز استخدمها لتعطيل مفردات التجسيم. ومن ألغى المجاز الغاه نصرة لميوله إلى التجسييم والتشبيه فبالالغاء منع للمعطلة القدرة اللغوية من تأويل اليد والوجه والكلام مجازيا
بعيدا عن هذا الاضطراب لو عدنا الى القرآن العظيم لوجدنا أن المعرفة القرآنية تنتج من خلال ثلاث مستويات. مستوى التفسير ومستوى التأويل ومستوى التعبير.
الإطار التفسيري وهو المرحلة المدّكريّة. يقول الله تعالى: “لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟” (22) سورة القمر. فالتجربة المدكرية تجربة لغوية قريبة من تجربة محمد شحرور وهي ميسرة جماهيريا للجميع. وفي هذه المرحلة التفسيرية لا يحتاج الإنسان الى أي مرجع سوى اللغة.
الإطار التأويلي وهو المستوى الثاني . سورة آل عمران الآية 7: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾ هنا يبدأ الحديث عن العلم للخروج بتأويل مناسب عند التشابه .
وفي قوله تعالى : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) يحيل القرآن من يريد أن يعرف القرآن إلى أهل الذكر (الذكر إسم من أسماء القرآن) ولا يحيلهم الى أهل اللغة أو أهل الحديث. وعند هذه الآية يجدر بنا التروي والتأمل.
وهناك الإطار التعبيري وهو ضارب في رمزيّته وإيشاريّته. يقول الله تعالى: ” إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79). في هذه المرحلة الذي يستطيع ملامسة جواهر القرآن المكنونة هم المطهرون وليس العالمون.
بالنسبة لي محمد شحرور هو أفضل أن يكون أنموذج منهجي لمحبيه وليس إلى مرجع (لكل) ما توصل إليه.
فإني أرى أن على كل إنسان أن يخوض أولا تجربة التفسير المدكرية اللغوية البحتة (وهذا ما فعله محمد شحرور بغض النظر عنما توصل اليه) ليصل كل إنسان الى قاموسه التفسيري الخاص به.
بعد ذلك عليه أن يخوض التجربة التأويلية والتي يحسن فيها الجلوس الى أهل العلم وأهل الذكر. وفي هذه المرحلة تدخل دراسات التراث مع بقية العلوم لإسعاف الراغب التقرب الى الله من خلال القرآن العظيم. وثم البحث عن النخبة الذين استطاعوا ملامسة جواهر القرآن من أهل الولاية والتأمل العميق.
أرجو أن أكون وفقت في هذه المقالة من تقديم قراءة نقدية لمحمد شحرور بطريقة علمية ومن شكر محمد شحرور بطريقة علمية.
أخيرا وليس آخرا، رحم الله تعالى محمد شحرور وغفر له وتقبله إنه مجيب الدعاء.
لبست وخرجت على عجل لملاقاة صديقتي الألمانية ذات الجذور الصربية لكي أسألها عن كيف يعالج الصربيون في منطقة الشبري فالد Sorbs (Wends) in the Spreewald قضية الانتماء المثنوي الى الأمة الألمانية والأمة الصربية؟ لم أجدها. فهرعت إلى صديقي العراقي المهاجر وشربت معه فنجان من القهوة قلت له لقد أخبرتني عن كيس دهني نبت في أسفل عنقك. هل تعافيت قال لي نعم فسألته هل تعتقد إنك وأصدقائك العرب متحوصلين على ذواتهم أم أنهم منفتحون على الآخر؟ قال لي بل هم هنا وليسوا بهنا.
بعد ذلك دخلت في دوامة فكرية حادة سببت لي صداع لم يذهبه فنجان القهوة الثاني.
اتصلت برئيس تحرير آراب الثقافية، السيد أحمد الظاهر، وأخبرته إني أمر في أزمة فكرية.
وتساءلت هل العرب هنا مؤقتا؟ فإذا الأمر كذلك سيعودون قريبا ولن نحتاج الى معالجة قضاياهم في ألمانيا.
ولكن أعتقد إنني هنا لأبقى! لكي أنجب أطفال هنا! ولتبقا ذريتي هنا! أنا عربي في ألمانيا لأبقى!!!
إذا كان هذا وضعي ووضع الكثير من العرب، فمعنى ذلك أن هناك أسئلة كثيرة، وكل سؤال أصعب من الآخر.
إنني لا أعرف ماهي أسئلة أبنائي؟ عندما يكبرون سيسألون أسألتهم. لكن في جعبتي أسالتي التي تعنيني وهي كثيرة.
لقد نشأت في جهة عربية تحديدا شرق الجزيرة العربية. تحدثت اللغة العربية المتشربة بثقافة العرب ومن خلالها تعلمت منطق التفكير. جلست في الحلقات والزوايا وتعلمت التفكير التقليدي. ذهبت الى أمريكا ثم بريطانيا لتحصيل العلوم الأكاديمية فاحتككت بالعلمانية والمدنية. ثم عدت الى شرق الجزيرة العربية فترة من الزمن. في تلك الفترة صقلت ثقافات عالمية علقت بي وجعلتها تتصالح مع ثقافتي العربي كما أعرفها.
اليوم أنا هنا في ألمانيا وأعمل كمتطوع في مؤسسة آراب الثقافية والتي تعنى بثقافة العرب في ألمانيا.
فتحول سؤالي العملي إلى: كيف أستطيع أن أصيغ ثقافتي العربية للتصالح مع الثقافات الألمانية؟
خطر ببالي إنه يمكن أن أجد في دراسات العولمة وتجربة التعولم التي تغمر العالم على أجوبة تساعدني على رسم معالم وجودي في ألمانيا. أخبرت نفسي أن العرب في البلاد العربية يتعرضون لرياح عولمية كثيفة، أي يتعرضون بشدة إلى احتكاك بالثقافات الأوروبية والأمريكية والشرق الأقصوية عبر الثقافات غير العربية والمتشبعة في المنتجات المادية المصدرة إلينا من مثل السيارات وملابس وهواتف وحواسيب وأفلام وموسيقى ومطاعم ومقاهي والتي ما فترت تزحزح الثقافات العربية من منطلقاتها إلى اتجاهات جديدة.
بعد ذلك أقنعت نفسي أننا في ألمانيا أقرب لعرب في حالة تعولميّة لكنها أشد بمراحل عظيمة من الحالة التعولميّة التي يمر بها العربي في بلاد العرب. الأسئلة لا تتوقف فأنا أعلم أنه لا يمكن لي أن “أعيش هنا وليست بهنا” كما أخبرني صديقي المهاجر. إني بدأت أستشعر انتمائي للأمة الألمانية وهو يدب فيني.
فتراني أتابع تأثير الاحتباس الحراري على المناخ الألماني. أجدني أصلي من أجل المطر في ألمانيا. أجدني أتابع بقلق تعثر تطور السيارات الكهربائية الألمانية وخطورة احتمال فشل تطورها على قطاع السيارات الألمانية وكيف سيؤثر هذا التعثر على حياة الكثير من العمال والموظفين من شركاء التراب الألماني الذي بدأت أنتمي إليه. أجدني أتضايق عندما تقول لي صديقتي الألمانية أن محلها التجاري يتعثر ويدفعني للتفكير في وسائل تنشيط محلها التجاري. لكنني في ذات الوقت أعرف أني عربي ولي انتماء مع الأمة العربية من خلال اللغة والثقافة والفن والذوق والدين ويهمني أن تدرك ذريتي كل هذا.
يبدو إنني بدأت أدرك إني أخوض تجربة مركبة من الهويات. ففي بلاد العرب أخبرهم إني عربي أقيم في ألمانيا. وفي ألمانيا أخبرهم إنني ألماني من جذور عربية. في كلا الحالتين أنا متعدد الهويات والرابط بين تعدداتي الهويّاتيّة هو شكل الواصل (-) “عربي – ألماني” أو “ألماني – عربي”.
الأكثر غرابة إنني أعلم إني أعيش حالة انزياح متواصل من المركز باتجاه الهامش والتخوم. فمهوم إنني “عربي – ألماني” لدى أبناء العرب في بلاد العرب أخذ يخضع لعملية القوة الطاردة من المركز centrifugal forces . فلم أعد هناك عندهم إلا بشكل افتراضيا غير واقعي. وجودي يصل لهم من خلال قنوات السوشال ميديا. فتحولت إلى متغرب في أعينهم ولم أعد كما كنت مركزي في أعينهم.
ولكن الأمر لا يختلف عندما أكون ألماني – عربي فأنا بالنسبة للألمان “الآخر” الذي يقع خارج المركز الألماني.
هذه التجربة، أي تجربة أن أكون “خارج المركز”، هي حالة العربي الوجودية الراهنة. وأجدني أن علي أن أبني مفاهيم انتماءاتي العروبية والألمانية انطلاقا من أماكن التخوم.
لقد قررت أن أفتح قنوات اتصال مع أفراد ألمان ينتمون إلى ثقافات متفاوتة لنقلها للعرب في ألمانيا. ليتعرفوا على الثقافات التي يعج بها التراب الألماني. ولكني في نفس الوقت أبحث عن ألمان ذوي قدرات تواصلية، عبر منصاتهم الثقافية، مع جماهير ألمانية. لكي أتمكن من خلالهم ان اسمح لجماهيرهم بالتعرف على شقي العربي.
هذا دفعني للتساؤل من أنا؟ ماذا تعني مفردة عربي؟ من أنا العربي؟ وإلى أي جزء من ثقافتي العربية الهائلة أنتمي؟ وما هي تلك الجزئية الثقافية التي أريد الألماني أن يتعرف عليها من خلالي؟ هذه الأسئلة تشقح بي الى تساؤلات أخرى عن شقي الألماني.
أتساءل ما هي الأجزاء المعرفية والأوصال الثقافية الألمانية التي يجب أن أطّلع عليها؟
هل أريد أن أتثاقف مع الثقافية المادية أو الأداتية أو الجمالية أو العقلية أو الفردية أو الريفية أو المدينية الألمانية؟
المتاحات من الثقافات العربية والألمانية كثر ولا تحصر. ولكن الذي يقلقني هو أنني لا أمتلك معادلة واضحة أو قاعدة أستطيع من خلالها تقليص اختياراتي الثقافية لكي أتمكن من اختزال وجوديتي في مواقف محددة. فقدان معادلة صنع الجواب الوجودي يعثر من صنع قرار إنطلاقي في رحلتي الوجودية من التخوم صوب أماكن ثقافية جديدة.
حتى إشعار آخر، قررت أن أبني لي منزل صغير فوق جسر يربط بين قريتين يفصلهما نهر. قررت أن أكون زائر لقرية العرب تارة وتارة لقرية الألمان. قررت أن أكون هجين ثقافي يقيم فوق جسري. هجين يسمح لذاتي أن تمارس ذاتيتها تارة وتارة من القدرة على فهم الإشارات والرموز الثقافية الألمانية والعربية تارة أخرى.
كان موطن الجميلات أطراف عارض جبال الطويق في اليمامة الذي يقع جنوب غرب نجد مما يجعل أماكنهم قريبة الى حد ما من تغالبة وادي الدواسر ويجعلهم قريبا بعض الشيء من الطائف ومكة المكرمة.
@@@@@@
علاقة الجميلات مع أشراف مكة المكرمة
بالرغم أن للجميلات حضور في الهضبة النجدية قديما لكن سنبدأ هذه المقالة من أواخر القرن التاسع هجري. فقد رصد المكي عز الدين عبد العزيز بن عمر بن محمد بن فهد الهاشمي القرشي ت: 921 هـ في كتابه “غايه المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام” عن ظهور كثيف لقبيلة الجميلات في الحجاز ويسميهم عرب آل جُمَيل وذلك في زمن حكم الشريف محمد بن بركات بن حسن بن عجلان ولد في 840 هـ / 1437م والذي تولى شرافة مكة المكرمة بين 859 – 903 هـ ( 1455م إلى 1497م ) وكان تابعاً لسلطان المماليك في مصر. وقد امتدت سلطته على كامل منطقة الحجاز.
فيذكر أنه في عام 894 طلب الشريف بركات من القائد مفتاح البوقيري الخروج في عسكر من مكه المكرمة خلف عرب آل جُمَيل وكان اسم شيخهم على ابن سالم الجميلي وحصلت معركه كبيره.
وذكر أن في نفس العام قامت قوة سلاح “التجريده” التي بالحجاز بالهجوم على عرب آل جميل ووقع بينهم قتال كبير قتل فيه جماعه من التجريده ثم هربوا وقتل بعض الخياله
وأهم ما ذكره المؤرخ عز الدين أنه في المحرم سنة 898 هجري 1492 م جاء قمقام (سيد) بني جُميل الي قاضي القضاء الشافعي الجمالي ابي السعود ابن ظهيره. وطلب منه ان يبلغ الشريف محمد بن بركات أنه شيخ آل جميل وجماعته يدخلون في طاعة الشريف على حسب مايطلبه الشريف مقابل بروة يبريها الشريف لتأسيس أمارة لهم في نجد.
فكتب الي الشريف فجاء الخبر بان ينادي له وجماعته بالامان وان يسكن مكان إسمه “الوطاه” .
و “الوطاه” مكان ليس ببعيد عن منطقة الهدار من الأفلاج
فقد ذكر الفارس الشيخ فيصل الجميلي من ضمن القصيده التي اوردها منديل الفهيد مطلعها :
لي ديره بين الوطاه وخرطم …………… سقاها الحيا وابتل بالما فروعها سقاها الحيا من مزنه عقربيه ………… يطم الحيا من فوق عالي جزوعها
خشم خرطم – الأفلاج
فالوطاه وخشم خرطم من الأماكن الموجودة في جنوب غرب عارض اليمامة أو نجد كما تسمى اليوم
أول دخول المدافع إلى نجد لدك حصون الجميلات المنيعة
بعد قرابة 95 عاما من إمارة الجميلات تطورت أحداث خطيرة هزت العلاقة بين الجميلات وأشراف مكة.
فقد أنتهى سلطان المماليك في مصر ووقعت مصر والحجاز تحت سيطرة النفوذ العثماني وكان زمن شهد غزو البرتغالين للحجاز. فعزز العثمانيون من سلطان أشراف مكة وطلبوا منهم إخضاع نجد تحت نفوذ الأشراف. وجعلوا من الحجاز “سنجقية” وجعلوا نجد تابعة لها. فطلب الأشراف من القوى القبلية في نجد أن تدفع “أتاوة” فرفضت بلدة “معكال” (جزء من الرياض حاليا) فبعث شريف مكة جيش قوامه ٥٠٠٠٠ جندي والتي هزمت وأسرت كافة زعامات “معكال.
يبدو أن “معكال” اليمامة (الرياض حاليا) وديار الجميلات (الأفلاج بشقيه البَدِيع والهَدّار) كانتا في الربع الأخير من القرن السادس عشر ميلادي أكثر الحواضر المدنية مناعة وقوة في جل الهضبة النجدية (عالية وسافلة نجد). فبعد انتصار قوة الأشراف الصاعدة على “معكال” انفردت الجميلات بكونها القوة النجدية الضاربة على الساحة. قوة قبيلة الجميلات في الأفلاج ليس بعدد فرسانها بل بذكائهم ورباطة جأشهم. قوة الجميلات تعتمد على عدة عناصر. أهمها فن بناء القلاع والحصن المنيعة. استغلت الجميلات وفرة الصخور فبنوا عمدة قصور نجد وأمنعها “قصر سلمى” العتيد والذي سميي بقصر سلمى نسبة الى نخوة قبيلة الجميلات “أخوان سلمى”. وهو حصن ذو هيكل مسدس الاضلاع على رأس كل ضلع برج. وجعلوا جدرانه الخارجية بارتفاع ١٠ أمتار وجعلوا سماكة الجدار ٤ أمتار مما يعني أن الحرس يعسون على جدرانه وشيدت على أعالي جدرانه العديد من ” المزاغل” و ” الساقطات” وهي فتحات تمكن جنود القلعة من إسقاط السهام والنيران وصب الزيت الحار على المهاجمين. كما استفاد ناظر العمائر أي مهندس البناء من وفرة المياه فقاموا ببناء خندق يحيط بجدران القصر عرضه عشرة أمتار وعمقه عدة أمتار يملأ بالماء عند الاقتضاء.
كتب المؤرخ الأفلاجي عبدالله بن عبدالعزيز الجذالين ت: عام 1415هـ. في كتابه ” تأريخ الأفلاج وحضارتها” ص 106 موضحا بعض المعلومات التي ذكرها عبد الملك بن حسين بن عبد الملك العصامي المكي ت: : 1111هـ في كتابه “سمط النجوم العوالي ” 4/368 أن شريف مكة حسن ابن نمي طبق النظام الإقطاعي على زعامات نجد. فطلب من زعامات نجد أن تدفع له مبلغ سنوي مقابل عدم التعرض لهم. فامتنع بعد عام شيخ الجميلات الشيخ حماد الجميلي من دفع مبلغ الضمان الإقطاعي. . فسير شريف مكة في عام 989 هـ جيش كبير الى البديع وحاصر قصر سلمى المنيع لمدة 40 يوم دون أي فائدة. فعاد الجيش الى مكة دون أن يحقق مراده وبلّغ الجند شريف مكة هذه المقولة التي ذهبت مثلا بين العرب: “وجدنا سلمي اسفلها في الماء واعلاها في السماء”. فبعث شريف مكة الى العثمانيين يطلب منهم تزويده بآلة المدافع. وتحت ضغط الشريف على العثمانيين زودوه ب مدافع تجر على عجلات. فجروا المدافع الى البديع وهنا رأى النجادة لأول مرة المدفع وهو يدك قلاعهم.
بعد هذه الأحداث نشبت قلاقل داخل قبيلة الجميلات. فهناك إشارات عديدة تحملها أشعار الجميلات تؤكد لنا بروز مناخ إضطرابات داخلية. فهذا الشيخ الفارس فيصل الجميلي المعاصر لتحركات الأشراف ضد الشيخ حماد الجميلي وهو من اهل وادي الهدار يدوّن لنا في أشعاره عن شيء من تلك القلاقل بمقولته المشهورة والمتداولة بيننا إلى يومنا هذا : ( رمح الجميلات في فرسهم). وهذا المثل كناية عن وقوع قلاقل بين الجميلات خصوصا بين الشيخ فيصل الجميلي الهدّاري (نسبة إلى وادي وبلدة الهدار) والشيخ حماد الجميلي البديعي (نسبة إلى البديع البلدة القريبة من وادي الهدار) حول أفضل طريقة للتعامل مع الأشراف. يبدو لي أن الفارس فيصل الجميلي الهداري لم يكن مقتنع من إنجازات الشيخ حماد الجميلي كبير البديع في تعامله مع الوضع في جنوب شرق نجد. مما حدا به الى ترك الأفلاج وقصيدته في هذا أشهر من علم
يقول الجميلي والذي بات ما غـفـا عينه غمر رمش المواقي دموعها
إجتياح قوات الأشراف بشدّة ضرب المدافع لم ينهي وجود الجميلات كقوة حاكمة في الأفلاج. ولكن توالت أحداث تترى دفعت في لحظة تاريخية لاحقة لمحدار عوائل الجميلات الكرام عن هضبة نجد باتجاه خليج العرب. وهذا سؤال مهم تحاول بقية هذه المقالة الإجابة عنه.
تداعيات غزوة الأشراف
غزوة الأشراف أثرت ولكن لم تنهك قوة الجميلات في الأفلاج ولا زعاماتهم في البديع والهدار. ويبدو لي أن نوع من التحدي لقوة الجميلات وقد يكون بإعاز من الأشراف بدأ ينشب بعد غزوة الأشراف. حول هذا الموضوع ورد في كتاب من تأليف عبدالله بن محمد البسام المتوفي عام 1927م معلومات منها ما ذكره في صفحة 121 في كتابه “تحفة المشتاق في اخبار نجد والحجاز والعراق” أنه في عام 1059 هـ ( 1650) وقعت معركة بين الجميلات وحلفائهم من الدواسر ضد قبيلة عبدة قحطان حول أبار “الحرملية” قتل فيها أحد شيوخ جميلة التغلبية الشيخ فيحان بن بجاد.
تحركات الجميلات الدبلوماسية إقليميا
يبدو لي أن الجميلات أرادوا خلق توازن يحميهم من نفوذ الأشراف في الحجاز ومن نفوذ بني خالد المتصاعد في الأحساء من خلال التوجة الى صنعاء. حول هذا الموضوع نجد في كتاب “تحفة الأسماع والأبصار بما في السيرة المتوكلية من الأخبار” من تأليف المطهر بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن المنتصر أبو على الشريف الحسني الجرموزي (ت. 1077هـ/1667) أن الشيخ غنام بن رشود الجُمَيلي شيخ نصف بلدة البديع (يعني هناك شيخ آخر غيره يحكم النصف الثاني ) قد ذهب إلي صنعآء للتزود بالسلاح من زعيمها في زمن ما بين 1644-1667م .
علما أنه كانت عند الشيخ غنام قوة عسكرية لا يستهان بها حيث ذكر ممثل حاكم صنعاء، الشيخ أحمد بن ناصر الحيمي أن بلدة البديع .بلدة كبيرة لها ثلاثة أسورة، وفيها ثلاثة حصون، ويسكنها ألف رجل. ثم بعد تلك الزيارة بثلاث سنوات عاودت زعامات الجميلات بزيارة صنعاء لدفع استراتيجية خلخلة التوازنات الإقليمية لصالحها. في هذا الخصوص نجد في صفحة (186) من كتاب “تاريخ اليمن خلال القرن الحادي عشر الهجري- السابع عشر الميلادي/ تاريخ طبق الحلوى وصحاف المن والسلوى من تأليف عبد الله بن علي بن أحمد بن محمد الحسن نص مهم جدا: “وفيهَا وصل إِلَى حَضْرَة أَحْمد بن الْحسن شيخ يُقَال لَهُ الجميلي وبلاده يُقَال لَهَا البديع متوسطة بَين الدواسر وَبَين الأحساء وَولَايَة بِلَاده منسوبة إِلَى الشريف صَاحب مَكَّة فِي الْجُمْلَة فَأكْرمه وَعَاد بِلَاده وَمَعَهُ خطيب إستدعاه الْمَذْكُور فَلَمَّا إستقر ببلاده خطب للْإِمَام جُمُعَة أَو جمعتين ثمَّ . عَاد الْخَطِيب وَلم يتم ذَلِك التَّرْتِيب” يخبرنا هذا النص أن في قرابة عام 1669 قدم الشيخ الجميلي إلى صنعاء للدخول في حلف يوفر الإستتباب في نجد. لكن يبدو أن قيادات صنعاء لم تحسن التصرف عندما أرادت أن تنشر الزيدية في البديع عندما قررت صنعاء بعث خطيب جمعة مقابل الدخول في حلف مع أهالي البديع. هذا الأمر لم يكن ممكن لقيادة البديع ولأهل البديع وهم من أتباع المذهب المالكي لذلك عاد مبعوث صنعاء بعد أسبوع واحد.
قحط نجد العظيم
ولكن حصل أن وقع جدب عارم وقحط كبير في نجد وهو أمر أثر في منطقة الأفلاج أكثر بكثير من تداعيات غزوة الأشراف وتعثر فرص خلخلة نفوذ الأشراف وبني خالد . فقد ذكر ابن عباد ( محمد بن حمد بن عباد العوسجي ت. 1175هـ 1761) في تاريخه (تاريخ ابن عباد) في صفحة 55 أن خلق عظيم من أبناء قبيلة عنزة هاجرت من نجد إلى الشمال قبل أربعة قرون
ويقول عبدالرحمن بن عثمان آل ملا في كتابه تاريخ هجر الجزء الاول في سنة 1136 هـ عم القحط والجدب في نجد واليمن فغارت مياه الابار حتى لم يبق في كل من العودة والعطار سوى بئرين فهلك الحرث والنسل وشحت الارزاق ولاذ أهل البادية بالمدن وهاجر أقوام كثيرة من أهل نجد الى الاحساء والبصرة والعراق وهلك كثير من عربان قبائل حرب والعمارات من عنزة وبني خالد وغيره
ملاحظة: تدل هذه المعلومات على هجرة بعض قبائل عنزة للشام والعراق قبل معركة “كير البسيطة” اي سنة 1163هـ وانهم هاجروا بسبب الجوع والقحط وكثرة قبائلهم والبحث عن ديار تتسع لهم.
إنهيار أحلاف الجميلات وصعوبة بناء غيرها
هذا النقص الهائل في أعداد قبيلة عنزة وهي قبيلة حليفة للتغالبة (والتي تلتقي في جد عدناني عالي مشترك بينهم) مع القحط المروع جعل من لم يضعن ممن كان في الحلف ومنهم الجميلات في وضع يتميز بإختلال في علاقات القوى المعهودة وهو فراغ هائل يستدعي التفاوض مع القبائل الأخرى للدخول في حلف تتوازن فيه القوى وتحفظ تحت قيوده الحقوق والدماء والعروض. أدى هذا الفراغ المصحوب بالمجاعة إلى عدة إقتتالات بحثا عن موارد الحياة خارج المعاهدات القديمة.
في تقديري الشخصي كانت هذه الظروف مجتمعة دفع قيادة الجميلات في الهدّار الى اتخاذ قرار ترك الهدّار والإنحدار من هضبة نجد نحو شرق جزيرة العرب باتجاه خليج العرب.
الفكر الإسلامي ما فترت تتوالى مُراكماته المعرفية بفعل مباحث الكلام والفقه التي أثرت قضاياه وعمّقت مشاغله. من قضايا علم الكلام موضوع ”السببية“، فقد تأثر علم الكلام السالف والآني عند قرائته للآيات
هكذا يعلم المتكلمون أن الله أخضع الوجود المادي منذ نشئته الأولى على طاعته. والمادة تطيع الله من خلال خضوعها لسنن لا تتجاوزه. فهي تتمد وتنكمش وتتبخر وتنضغط وتتفجر وتتحول وتتطاير والخ بدقة عند وقوع المسببات المناسبة.
وتيقن المتكلمون أن هذه السنن ثابتة مصداقا لقوله تعالى ”…وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا“ 62)) سورة الأحزاب.
ثم انتبهوا الى وجود عدة علاقات من الأسباب عندما قرؤوا الآيات:” أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ“ ( 10) سورة صاد.وقوله تعالى: ”وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ“ (37) سورة غافر. ثم قرؤوا قوله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) سورة الزمر. فعلموا أنهم يخوضون بحوث تقديرية لفهم العلاقات بين المسببات والأسباب. ومن أنهم عند إماطتهم اللثام عن العلاقات بين السنن الكونية فإن الإحتمالات الكثيرة واردة. فانتبهوا الى وجود سنن كونية تعمل من خلال سلسلة من الأسباب والمُسَبَّبات الدنيا والعليا، تتمظهر من خلال علاقات ما. كما أعطوا مجال لغياب المزيد من المعلومات لكي يستثنوا مثلا وقوع اللا-حرق عند وقوع إنسان (إبراهيم ص) في النار. فقال أهل الكلام أن ما بين السبب والمسبب ليست علاقة (ضرورية لا تختلف)، وإنما يَروْنها علاقة (اقترانية عادية) قابلة أن لا تنتظم. هكذا يعمل المتكلم على ترك فرصة لما يبدو (الآن) سببا وما يبدو (الآن) مسببا أن يفهم على غرار آخر عند تطور المعرفة. هكذا تطورت نظرية ”الإحتمالات“ وذلك من خلال التسليم بقصور العقل البشري عن إدراك طبيعة الأشياء التي تحدث في الكون. الفقية لم يستخدم مفردة السبب والمسبب بل إستخدم مفردة العلة وبحث عن حتمية تأثير وعلاقات العلة في معلولها.فكرة ”العليّة“ قائمة على معتقد شبه يقيني حتمي لدى الفقيه تقتضي تأثير العلة في معلولها. فالسببية عند أهل الكلام إحتمالات ليست ذات علاقات ضرورية بل هي شبكة، ولشدة التجدل والتداخل بين خيوط كثيرة جدا فلا يحسن للمتكلم الجزم بحتمية وجود العلاقة بين الأسباب والمسببات وان بدت كذلك للوهلة الأولى.
هكذا يكون مجرد إستخدام لفظة ”المسبب“ فإنها كأنما تقول :أن المتحدث يرى بالإحتمالية.
في حين أن مجرد إستخدام لفظة ”العلة“ فإنها كأنما تقول: أن المتحدث يقطع في يقينه بوجود علاقة حتمية وثابتة وضرورية بين العلة ومعلولها. فالبحث في السببيّات يعني إننا في مرحلة أولى من البحث في علاقات معقدة. وبعد أن تتكون لدينا قناعات وتجارب تؤكد العلاقة بين الف وياء عندها يمكن إستخدام لفظة علة ومعلول.
حب شيوخي وأهلي وإخواني في مملكة البحرين وحب أصدقائي من الأسرة الحاكمة الكريمة يدفعني في التفكير حول أمور كثيرة من أكثرها كيف سنعيش بعد ركود زوبعة الطلب على النفط؟ هذه مقالة سأكتبها كرؤوس أقلام. ليس من الضرورة ما أكتب قد نضج ولكن هي رؤوس أقلام جديرة بالتأمل.
===
تمكينات صاحب السمو ولي العهد
من الطبيعي أن يكون أكثر شخصية بحرينية تضع نصب عينها وضع البحرين بعد النفط هو صاحب السمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة. وأنا شخصيا أتتبع نشاطه وتحركاته وأتمنى من المولى عز وجل أن تحقق فعالياته أهدافها.
أكثر شيء أعجبني من مشارع هذا الأمير العربي هو دفعه لتأسيس مؤسسة ”تمكين“. ”تمكين“ بالنسبة لي أهم عمل لتعزيز الطبقة المتوسطة وما دونها بتمويلهم بالمال والمشورة لتأسيس مشاريعهم الصغيرة، لخوض عملية ”الحلم“ البحريني كما يراه أبناء تلك الطبقات. ولكن هناك قاعدة أمريكية تقول: بعد ٣ أشهر من العمل في أي مؤسسة يفقد الإنسان القدرة من رؤية الأخطاء لذلك يجب أن يدعم هذا المشروع خصوصا من خلال دراسات من خارج المؤسسة تعزز الرؤية وتصوب الرسالة لكي تواصل المؤسسة من تحقيق أهدافها.
رأسمال التراث
أكثر مسؤولة بحرينية أنتجت رأسمال لمملكة البحرين لمرحلة ما بعد النفط هي بلا شك الشيخة مي بنت محمد آل خليفة. فهناك شيء موجود في الغرب يسمى ”سحر“ الشرق. وسحر الشرق في أفلامهم وقصصهم ورواياتهم وأمثلتهم تعزز خصلة الفضول والرغبة في التعرف على هذا الشرق الغامض. هم لا يحبون أن يتركون مبانيهم الحديثة ليشاهدوا مباني حديثة في الشرق. هم يحبون أن يشاهدوا بيوتنا القديمة وأزقتنا وأسواقنا التاريخية لكي يتعرفوا على ماضينا. لقد كدت كثيرا الشيخة مي وتجشمعت الكثير من العناء لصناعة رأسمال من التراث لجيل الخلف، لتعطيه فرصة من صناعة سياحة تراثية تجلب معها تنشيط الاقتصاد وضخ الأموال.
البحرينيون في الخارج
البحريني منذ قرون معروف بأنه يحمل عقل تجاري وعملي ويصنع الفرص. يوجد الآن طلائع من الشباب يقيمون في كافة المدن الأوروبية. كيف يمكن لإقتصاد البحرين أن يستفيد منهم سؤوال مهم. لابد من تطوير نشاط في سفاراتنا المختلفة لتمثيل المنتجات البحرينية خصوصا الصغيرة. والاتصال بالبحرينين في الخارج والطلب منهم إيجاد علاقات تجارية في محلياتهم لتنشيط بيع البضائع البحرينية.
أنا متأكد أن الفكرة ستجد فزعة البحرينين المعهودة لدعم منتاجات البحرين الغالية.
إعادة إحياء مجالس آل خليفة في كل مناطق البحرين
من مساويء الإعتقاد بأن مجلس الشورى يكفي للمجتمع البحريني أنه همش دور مجالس آل خليفة في كافة مناطق البحرين ومن ثم قلصها وإغلقها. هنا حصل إنقطاع بين الجماهير والأسرة الكريمة.
ذكرياتي في حارتي حول دور مجالس آل خليفة وقضاء الحوائج كانت جميلة. فكل صاحب مجلس يعرف من هم أبناء حارته. ويعرف مشاكلهم ومن ثم يستخدم الشيخ علاقته ونفوذه لقضاء حوائج أبناء الحارة. كانت هذه المجالس تلعب دور مهم في كشف معدن الأسرة الكريمة وطيبتهم لكل الناس. الآن لا أستطيع أن أقول أن الناس تعرف معدن هذه الأسرة كما كان في السابق. لذلك أرجو من اعادة إحياء هذه المجالس وعلى عجل وإعطائها دعم من الدواوين الكريمة في المملكة.
الشيخ خليفة بن علي بن خليفة آل خليفة
هذا الشاب العربي أنموذج مهم جدا. يحمل أفكار مهمة. قام بإحياء قيم الإحترام بين الأجيال من خلال تعزيز قيم البر بالوالدين والمسنين. نشاطاته وبوستراته في أخر ١٠ سنوات كانت هي الأكثر لافتة لي في هذا المجال. والآن هو محافظ المنطقة الجنوبية. هذا الشيخ الشاب يمتلك عقلية بنائية بعقلية مميزة. هو يقول أن المحافظة الجنوبية تستقبل المستثمرين وتسهل مهام أعمالهم هذه عقلية فريدة يجب أن تستنسخ وتعمم على باقي المحافظات.
ملاحظة نحن في ألمانيا على وشك استنساخ نهج وأفكار مشروعه البر بالوالدين بطريقة تناسبنا في ألمانيا
ومن ثم دعوته هنا لكي يرى تأثيره في العرب خارج مملكة البحرين.
ما كان هناك سبب لهذه الناطحات
يجب التوقف من بناء هذه الناطحات فمشاكلها عظيم على البحرين.
لقد ضرب تجار الهند وآخرون البحرينيون الذين كانوا يتمكنون من بناء ٣ طوابق بالكثير. الآن الأمر فسد وتعثرت ظروفهم بشدة.
يجب منع التجارة في بناء وبيع العمارات. كل عمارة يجب أن تبقى في ملكية صاحبها بين ٥ الى ٧ سنوات قبل ان يبيعها.
يجب إعادة بناء مراعي تكاثر السمك.
كل شركة تدفن في البحرين يطالب منها توفير مراعي سمك عوضا لما دمرت. وتوفر فرض ومرابض لقوارب الصيادين في تلك الأماكن الجديدة.
لا يعطى تصريح دفن الا بعد موافقة من الجهات الخاصة بمراقبة مهنية من الدولة ومن الشركات الخاصة من أهل الاختصاص.
السمك من أهم ثرواتنا بعد النفط.
فنيس الصغيرة
كل جزيرة تدفن يشترط عليها دائرة التخطيط أن يجعل بينها قنوات مياه البحر تضخ بمضخات لكي لا تأسن، لكي يستطيع السواح من ركوب قوارب نزهة. يتنزهون في قنوات البحر التي تعبر خلال هذه الجزر.
أفكار صغيرة ما دفعني لكتابتها سوي الحب لشيوخي وأهلي وإخواني في مملكة البحرين وحب أصدقائي من الأسرة الحاكمة الكريمة