تضاريس المذاهب في نجد وتحولاتها: منذ نشئة الإسلام الحنيف حتى يومنا الراهن

منطقة جزيرة العرب التي يمكن وصفها بأنّها ”مهد الديانات”، منها بدأت الديانات السماوية، وأيضا منها بدأت المذاهب والفرق الإسلامية. ولكن من المحتمل أن بعضنا يستفزه سماع أن المذاهب الحالية في نجد وشرق الجزيرة العربية لم تكن كما هي عليه اليوم. فكل دولة نشأت هناك كأنها فضلت أن يكون لها مذهب تتميز به عن سابقاتها من ممالك أو ليتميز حاكم عن سابقيه في أسرته بنصرته لمذهب جديد. 

اليمامة و نجد

أول الأمر علينا بالإتفاق على بعض التعاريف الجغرافية. فما يعرف اليوم بإسم نجد كان إقليمين. إقليم اليمامة وإقليم نجد. وكانت اليمامة الأقرب للقادم من البحرين باتجاه وسط الجزيرة. وكانت نجد عند العرب قديما تعني نصف الهضبة الأقرب للقادم من بلاد الحجاز. ومع تراحل الأزمنة وتداول الممالك عليها إختفى إسم اليمامة وأصبحت كل الهضبة تسمى نجدا.

اليمامة 

هو الأقليم الذي تمخر من شماله الى جنوبة سلسلة جبال العارض وتسمى عارض اليمامة ويسمى اليوم جبال الطويق.  وتمتد جبال الطويق على شكل حدوة فرس لما يقارب 800 كلم طرف الحدوة الشمالية ينطلق من صحراء نفود الثويرات في الزلفي ثم تقترب الجبال من شرق الجزيرة وتعاود بالإبتعاد الى طرف الحدوة الجنوبي عند مشارف وادي الدواسر والربع الخالي جنوبًا.

بلاد اليمامة أو العارض قديما وحديثة هي: حَجر اليمامة أو الرياض كما تسمى اليوم والخضرمة (جو الخضارم) والدرعية وأباض وضرما والعيينة والجبيلة وسدوس والعمارية ومنفوحة والمصانع وعرقة والحائر . ويعدّ محمد بن بسام التميمي (توفي 1246 هـ/1830 م) شعيب حريملاء أيضاً ضمن العارض.

نجد 

طغى إسم نجد وتراجع تداول إسم اليمامة فأصبحت اليمامة ونجد تسمى نجدا وأحلوا محلها مسمى عالية وسافلة نجد. تقول العرب عالية نجد أو نجد العليا، وتقصد بذلك غرب نجد المطل على أقليم الحجاز. وهو أعلى إرتفاعا من بقية هضبة نجد.

كما تقول العرب سافلة نجد أو نجد السفلى، وهو النصف الآخر المطل على المنطقة الشرقية. وهو أقل إرتفاعا من عالية نجد. فهضبة نجد أكثر إرتفاعا عند الغرب وأكثر إنخفاضا عند الشرق. فهضبة هضبة يتراوح ارتفاعها ما بين (762- 1524م) فوق سطح البحر. ويعد “جبل حضن” أعلى نقطة في نجد كلها؛ إذ يصل ارتفاعه إلى (1656م) فوق سطح البحر.

 ومن سلك طريق عالية نجد تقول عليه العرب: “سنّد” – بتشديد النون -، ومن سافر شرقاً عبر سافلة نجد تقول عليه العرب: “حدّر” – بتشديد الدال -.

عليه تحد هضبة نجد “صحراء النفود” شمالاً، و”الدهناء” شرقاً، وصحراء “الربع الخالي” جنوباً، بينما يحدها من الغرب “جبال الحجاز” ومن الجنوب الغربي “مرتفعات عسير“.

إنتهت المقدمة الجغرافية———-

المذهب الأباضي

الأباضية، أول مذهب تأسس في قرية أباض من أقليم اليمامة الذي يعرف اليوم بإسم منطقة الرياض والتي هي في سافلة نجد أو محادير نجد وذلك بجهود ونشاطات عبد الله بن إباض المرِّي التميمي (ت: 86هـ / 705م) الفكرية والفقهية. 

عبدالله الأباضي التميمي رجل حكيم وهاديء يشابه في خصالة وفي بعض مواقفه زعيم بني تميم في زمانه الأحنف بن قيس.

فالأحنف بن قيس (3 ق ه‍ – 72 هـ / 619 – 691 م) البصري كان سيد قبيلة تميم، يضرب له المثل في الحلم عند العرب. حارب مع علي بن أبي طالب في صفين وكذلك عبدالله بن أباض. ولما انتظم الأمر لمعاوية بن أبي سفيان عاتبه معاوية على الوقوف في صف علي بن أبي طالب في صفين. فرد الأحنف بجواب غليظ على معاوية. وهكذا كان عبدالله بن أباض غير راض على معاوية.

واشتهر الأباضي برسائله إلى عبد الملك بن مروان، ضمَّنها نصائح له، وبيَّن فيها آراء جماعته، وموقفها من انحراف السلطة الأموية عن نهج الراشدين. وشارك في الدفاع عن مكَّة مع الخليفة الراشد السادس عبدالله بن الزبير ضدَّ الأمويين الذين رموا الكعبة بالمنجنيق أيام يزيد بن معاوية.

ولكن وإن يبدو بوجود مشتركات بينه وبين الخوارج إلا أن عبدالله الأباضي اليمامي له مناظراته مع الخوارج في البصرة وفي نجد من مثل نجدة بن عامر الحنفي و نافع بن الأزرق الحنفي ضد استعراضهم المسلمين، واستحلال دماءهم وأموالهم بغير حقٍّ.

لذلك وجب التمييز بين المذهب الأباضي والمذهب الخارجي.

المشترك والمفترق بين عبدالله الأباضي ونجدة وبن الأزرق

المشترك

يشترك عبدالله بن أباض في تخطأة علي بن أبي طالب مع بقية الخوارج ولكن بنسبة أقل حدة وتناسب عندما قبل الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب التحكيم.

…فقد كان عروة بن أديَّة التميمي أول من إستخدم تعبير “تُحكِّمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله“ وذلك بعد ظهور نتائج التحكيم المثيرة للجدل، ألا وهو خلع علي بن أبي طالب من منصب الخلافة. فتبع حرقوص بن زهير الشهير بذي الخويصرة التميمي ومرداس بن حدير التميمي ت سنة 61 هـ في ترديد ذات المقالة.

والمقصود بها:

ما كان يجب أن يُحَكِّم خليفة شرعي منتخب بطريقة أقرها الشرع وحكم الله شرعية خلافته بعد أن إنتخبه أهل الحل والعقد في المدينة المنورة. 

يقصدون علي بن أبي طالب ونتائج التحكيم.

وكان عبدالله بن أباض يوافق روح هذه الفكرة التي تجعل (عند بعضهم ) من علي بن أبي طالب مرتكب معصية. 

الذي غاب عن القدماء من بني تميم ومن تبعهم من بني حنيفة والأزد وكندة 

أن علي بن أبي طالب لم يبعث أبو موسى الأشعري ليتفاوض على شرعية خلافته. بل بعثه ليتفاوض على إقالة معاوية من منصبه.

إجتهاد أبو موسى الأشعري على التفاوض على شرعية خلافة علي بن أبي طالب بلا تخويل من خليفته رد على أبوموسى الأشعري وغير ملزم ل علي بن أبي طالب والدليل أن علي بن أبي طالب عندما إغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي المذحجي، وهو جندي مسجل في معسكر الفسطاس عند عمرو بن العاص، كان علي بن أبي طالب حينها يعد العدة على معاودة إزالة معاوية بالقوة من منصب والي على الشام. وكان الأولى من هذه الجموع الثورية من مطالبة أبو موسى والتحقيق معه لا مع علي بن أبي طالب. أبو موسى الأشعري يعرف حجم ما قام به لذلك لم يعد الى الكوفة بعد التحكيم وآثر عدم لقاء رئيسه بذهابه الى مكة المكرمة.

للأسف قامت مقولات أبناء القبائل ممن إنشق من جيش علي بن أبي طالب من بني تميم والأزد وبني حنيفة على إفتراضات خاطئة.

المفترق

إمتنع عبدالله الأباضي عن تحليل سفك دماء المسلمين في حين أفتى نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري بكفر المسلم المرتكب للمعصية ومارسوا الاستعراض للمسلمين أي قتلهم وقتل أطفالهم. هذا هو بعض من فقه الخوارج:

يذكر المبرد أن من خرج على علي بن أبي طالب من جيشه في صفين

“لم يَزالوا على رأي واحد يتولَّون أهل النهر ومِرْداساً التميمي ومَنْ خرج معه حتى جاء مولى لبني هاشم إلى نافع، فقال له: إن أطفال المشركين في النار، وإن مَن خالَفَنا مُشرك، فدماء هؤلاء الأطفال لنا حلال. قال له نافع: كفَرتَ وأحللتَ بنفسك، قال له: إن لم آتِكَ بهذا من كتاب الله فاقتلني، (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً)، فهذا أمر الكافرين وأمر أطفالهم.

فشهد نافع أنهم جميعاً في النار، ورأى قتلَهم. وقال: الدار دارُ كفر إلا من أظهر إيمانه، … وإنْ جاءَ منهم جاءٍ فعلينا أن نمتحنه، وهم ككفار العرب لا نَقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.

تأملات مع سورة نوح

مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا 25

وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا26

آية 25 تقرير من الله تعالى أنه عاقبهم مما خطيئاتهم 

وليس من كفرهم. فالكفار موجودين على مر الأزمنة. وحكم الله وسننه سبقت دعاء نوح ووجب التأمل في هذا

آية 26 نقل الله تعالى لنا بعض من مناجات نوح عليه السلام.

هناك فرق بين آية 25 و 26.

فالله لا يميت احد لانه كافر ولا يقتل لان الكافر ينقل الكفر الى ابناءه.

فالله أتاح للإنسان من أن يمارس مشيئته: من كفز أو إيمان والعقاب أخروي وليس دنيوي ولم يرخص أحد بإقامة محاكم عقدية على أتباع أي معتقد

وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29

والله وهو الخبير اللطيف ليس متناقض. ولا قرآنه متناقض بل هو منضبط في سياق معرفي يتيح للإنسان من أن يمارس مشيئته .وبعد إختيار الإنسان يمده الله إما في خيره وإما في طغيانه فالله تعالى يقول: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) وذلك بعد مشيئتهم الشرية. كما يقول الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) وذلك بعد مشيئتهم الخيرية.

ولكن ماهي الخطيئات التي تهلك البشر؟.

في تأويلي انظروا الينا نحن مثلا والى خطيئاتنا فنحن منشغلون في تكفير بعض ولا ندرس عن الامراض والأوبئة ولا عن توقيت الفياضانات ولا نصنع اجهزة تتنبأ بالزلازل….

الخطيئة يوحي بها الشيطان وننشغل بها فتشغلنا عن العلوم وعمارة الأرض فتلتهمنا الطبيعة ونحن مشغولون بتكفير بعضنا البعض…..

عبدالله بن أباض إفترق عن الأزارقة والنجدات والصفرية عندما نهى عن سفك دماء المسلمين وقال أنهم كفار نعمة لا كفار ملة“ مستندا على قوله تعالى:

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (النحل – 112).

لكن لا يوجد عندنا ما يفهمنا كيف إستطاع عبدالله بن أباض (لا أتباعه الذين طوروا هم مقالاته) من أن يتمكن من قراءة القلوب ليميز من كفر كفر نعمة أو كفر كفر ملة؟ بمعنى آخر لقد تقصّد عبدالله الأباضي من تعقيد واستحالة تحري هذه المسألة وهو بذلك كأنه عطل أهمية هذه المقالة وجعلها إفتراضية هامشية. وبذلك نجح عبدالله بن أباض من خلال أتباعه من رسم حدود معرفية للأباضية الخاصة بها والتي رفضت شهر السيوف في وجوه أهل القبلة. وآثروا التعايش والتسالم مع أتباع الملة. ومع الزمن دخلت الأباضية تحت رداء السنة من خلال تأكيدها على عقيدة السلم والتسالم والترضي على الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة. 

المذهب الخارجي 

ذهبت جماعات علوية وخارجية واباضية من الثوار وهي على معتقدات مختلفة لقتال يزيد بن معاوية الذي بعث جيشه لرمي الكعبة لنجدة عبدالله بن الزبير أمام هذه التحولات الخطيرة. وكان ممن كان هناك

المختار الثقفي ت: 67 هـ و عبدالله بن أباض ت: 86هـ و نافع بن الأزرق الحنفي ت:65 هـ و نجدة بن عامر الحنفي ت: 73 هـ.

بعد ذلك توجه  نجدة بن عامر الحنفي الى قرية ”أباض“ من اليمامة وهي موقع قريب من منطقة الرياض الحالية. وقد اختار بلدة “أباض” في اليمامة وذلك لسبب عزلتها وتذمر أهلها من الأمويين وأيضا لحضارة البلدة القديمة وثروتها وكونها أيضا من بلاد قومه بني عدي بن حنيفة.

وكان مذهب نجدة الحنفي على مذهب نافع الحنفي وهو تكفير من قعد عن الجهاد ويرى بمحاكم التفتيش على العقائد وتكفير مرتكب المعصية وجواز قتل أطفالهم.

هكذا فإن عقيدة الخوارج تختلف عن عقيدة الأباضية في عقيدتهم 

المذهب الزيدي

في عام 252 هـ – 866 م حين استولى محمد بن يوسف الأخيضر، وهو من نسل الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب، على بلدة الخضرمة وجعلها عاصمة لدولته. الخضرمة تقع في منطقة الرياض بالقرب من الخرج حاليا. الزمن كان مواتيا لتأسيس الدولة الأخيضرية. وكانت الظروف مواتية للأخيضريين عند قيام دولتهم. فالخلافة العباسية كانت تعيش حالة ضعف شديد لأسباب كثيرة، منها تسلّط الأتراك، والنزاع بين المستعين والمعتز على الخلافة، واندلاع كثير من الفتن والثورات في مناطق متعددة من بلاد الخلافة وأهمها اندلاع ثورة الزنج في جنوب العراق وذلك بعد قيام الدولة الأخيضرية بسنتين فقط، والتي كانت من أشد الثورات وأكثرها خطراً وكوّنت حاجزاً بين مركز الخلافة وإقليم اليمامة.

وقد كان ممن شهد الدولة الأخيضرية الرحالة الأنثروبولوجي ناصر بن خسرو وذلك في القرن الخامس الهجري فوصف بلدة الخضرمة بأنها ذات حصون منيعة وذكر إزدهارها وقال أن أمراء كافة الإقليم “علويون” يتبعون المذهب الزيدي ويقولون “محمد وعلي خير البشر” في أذانهم، 

وأن أحداً لم يستطع انتزاع سلطتهم منهم لقوتهم وقوة جيشهم الذي قوامه أربعمائة فارس. واستمرت دولتهم الى عام 486 هـ.

المذهب الإسماعيلي القرمطي

القرامطة إسم يطلق على الإسماعليين الذين رفضوا إمامة الفاطميين الإسماعلييون. في عام 295 هـ تمكن زعيم قرامطة الأحساء أبا سعيد الجنابي من هزيمة الأخيضريين في اليمامة. ومن ذلك الوقت إزداد نفوذ القرامطة ومعتقداتهم الإسماعلية على ربوع جماهير اليمامة خصوصا بين الأعوام (316 – 328 هـ ). في حدود سنة 328 هـ وقعت إضطرابات بين القرامطة مما مكن  الأخيضريين من استعادة سيادتهم.

أفول مسمى اليمامة وبواكير ظهور المذهب المالكي والحنبلي

في تقديري عودة المذاهب السنية وبقوة الى نجد مرتبط بوصول الملك النجدي (مالكي المذهب) أجود بن زامل بن سيف العقيلي الجبري الذي أسس الدولة الجبرية في شرق الجزيرة العربية والمتوفي سنة 902 هـ. فما فتر المؤرخ السخاوي من ذكر أن أجود بن زامل نجدي من مواليد سنة 820 هجري ومن أنه مالكي المذهب. مما يعني أن المذهب المالكي كان متواجد في محادير بيئة بوادي نجد (اليمامة) بعد ان أخذ المذهب الزيدي بالأفول. ملاحظة بعد أفول المذهب الزيدي أفل معه إسم اليمامة. وأصبح يطلق على كل الهضبة مسمى نجد. سافلة نجد ومحاديرها (اليمامة سابقا) وعالية نجد ومسانيدها المطلة على مشارف الحجاز.

المذهب المالكي

أسرة المبارك التميمية كانت على المذهب المالكي وهاجر جدهم من بلدة الروضة النجدية في عام 1776.

المذهب الحنبلي

من متقدمي حنابلة نجد عبدالله بن رحمة بن عطوة النجدي وشهاب الدين أحمد بن يحيى بن عطوة بن زيد التميمي النجدي، من بني عمرو بن تميم. ولد بن يحيى بن عطوة في العُيَيْنَة ثم رحل إلى دمشق وسكن في مدرسة أبي عمر.

فقرأ على الشهاب العُسْكُرِي ت 910 هـ وتخرج به وانتفع، وقرأ على غيره كالجمال يوسف بن عبد الهادي ت 909 هـ، والعلاء المرداوي ت 885 هـ، وجد واجتهد حتى تضلع من العلم، ومهر في الفقه مهارة تامة، وأجازه مشايخه الثلاثة المتقدم ذكرهم: ابن عبد الهادي، والمرداوي، والعسكري، وأثنوا عليه.

، ولقبه مشايخه وأقرانه بشهاب الدين، وقال الشيخ عثمان بن قائد ت 1097 هـ في إجازته للشيخ محمد الحِبْتِي، بعد ذكر إسناده إلى المترجَم: العارف بالله تعالى، ذي الكرامات الظاهرة، والآيات الباهرة. اهـ.

توفي رحمه الله في ثالث رمضان سنة 948 هـ ودفن في الجُبَيْلَة من قرى العيينة، بجانب القبر المنسوب لزيد بن الخطاب رضي الله عنه.

ويعود الى الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن عطوة الفضل الأقدم لتأسيس موضع قدم علمي وممنهج للمذهب الحنبلي في الديار النجدية.

التصوف وبن عربي الأندلسي في بلدة معكال أو حاليا الرياض


كان اسم الرياض قديما حَجر اليمامة وحجر اليمامة متكونة من بلدتين متنافستين هما بلدة مقرن وبلدة معكال. وقد كانت بلدة معكال مركز من مراكز التصوف المهمة في الهضبة النجدية. وكانوا يتدارسون كتب أهل التصوف وأشعارهم من مثل محيي الدين بن عربي الطائي الأندلسي صاحب الفتوحات المكية ت:عام 638هـ والشاعر بن الفارض، أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي ت: 632 هـ . وممن أشتهر من متصوفة بلدة معكال سابقا الرياض اليوم هو الشيخ ولد موسى بن جوعان والشيخ سلامة بن مانع. وكان التصوف يزدهر تحت إشراف فقية حجر اليمامة الحنبلي سليمان بن سحيم بن أحمد بن سحيم الحنبلي النجدي 1230 – 1181هـ خرج إلى بلدة الزبير ومات هناك.

د. محمد الزّكري القضاعي

بحريني يعمل في ألمانيا 

دراسات إسلامية وأنثروبولوجية

من جامعة إكستر البريطانية

القيم الأخلاقية كمشروع ثقافي في القرن الواحد عشرين


أول كتاب قرأته عندما كنت طالب لغة في أمريكا هو كتاب من تأليف الأمريكي المسلم

Elijah Muhammad

أليجه محمد ( ت. 1975 ) بعنوان “الشمس تشرق دائما من الشرق”. فكرة الكتاب الجوهرية أن أهل الشرق أهل حكمة ورشد وقيم وأخلاق وهذه شمسهم وهي أهم ما يقدمونه للإنسانية قاطبة. بمعنى آخر لو تعطلت القيم الشرقية تعطل أهم ما يقدمونه للبشرية. ولكن يبدو أن منعطف الانسان الشرقي قاده الى تصدع في صميم شمسه وأنواره عندما تصدعت قيمه. فمن منا لم يسمع جمل وتساؤلات من مثل:  

أين ذهبت الأخلاق”، “لم يعد هناك قيم”، “قضى زمان يحترم فيه الناس” هي بلا شك جمل تقر بواقع لا نرضاه يزحف الى مجتمعاتنا الواقعية والرقمية. في خضم هذه التحولات الثقافية المريرة لفت إنتباهي ملصقات على جانب الجسر البحري الذي يصل بين جزيرة المحرق والعاصمة البحرينية فيها صور لشاب وشابة يقبلان رأسا والديهما وكتب عليها “الابن والبنت البارة”. في بداية الأمر لم أفهم قضية البوستر الكبير هل هذا ترويج اعلاني لمسرحية أم فلم سنيمائي. بعد عدة أيام علمت أن هذه الملصقات تبث رسائل لأحياء أو لتعزيز قيم شرقية أصيلة حول احترام الوالدين ومن هم أكبر منا سنّآ. 

عجبني الإخراج الفني للصورة فقد كانت البوسترات على درجة عالية من الاقناع والعمل المهني الإخراجي والتصويري. 

عجبني توظيف المنصات الدعائية بصيغة البوسترات للوصول الى كافة الفئات العمرية. 

عجبني استخدام المرئي الجميل لإحلاله محل المرئي غير الجميل في واقعنا. 

حاولت أن أعرف من هو العقل المدبر الذي أعاد ضخ القيم الأخلاقية كمشروع ثقافي لا يمكن لأي مجتمع أن يتمدن ويتقدم بدونها. سعدت عندما وجدت أن من خلف هذا المشروع شاب وهو رجل من الأسرة الحاكمة البحرينية الشيخ خليفة بن علي آل خليفة. عندما تتبعت سيرة هذا الشاب وجدته إنسان كبير من خلال اهتماماته. 

فقط أطلق في عام 

2008 

مشروع يضخ قيم أخلاقية في الوجدان العربي بعنوان جائزة “الإبن البار والابنة البارة”. 

فلمدة عدة أسابيع متفرقة من كل سنة تنشر ملصقات جدارية وبوسترات مخرجة ومنتجة ومصورة بمهنية وجودة عالية لأشخاص في مشاهد مختلفة ترمز من خلال الصور لرفد قيم أخلاقية نبيلة أهمها البر بالوالدين. لم يكتفي هذا الشاب فقط بهذا المشروع بل دشن مشروع آخر بعنوان “العمل الخيري” ورصد له جوائز وبوسترات وملصقات ومطويات توزع على الناس لأحياء كافة أنواع القيم لضخها في روافد ثقافتنا العربية.

نحن هنا كعرب نعمل ونقيم في ألمانيا علينا أن نستفيد ليس فقط من الثقافة الألمانية بل أيضا من الومضات التنويرية والتجارب الحميدة التي نجحت الى البروز في البلاد التي نشئنا فيها. وما صنعه ويصنعه هذا الشيخ العربي الشاب هو عمل مهم ونحتاج اليه وهو مشروع نستطيع استنساخه وتعميمه بيننا.

فلما لا ننتج صور لشابات وشباب عرب يبرون بكل من يحتاج الى مساعدة ومبرة من كبار السن في ألمانيا. هكذا نبث القيم الحميدة بين العرب ونحسن صورتنا في المجتمع الألماني الطيب.

د. محمد الزّكري القضاعي

أنثروبولوجي بحريني

يعمل في ألمانيا 

Frauen träumen in Arabien: Feminine Traumdeutung in öffentlichen Salons ostarabischer Frauen (Deutsch) 24. September 2019 Muhammad Alzekri (Autor)

Latest book by Muhammad alZekri

Frauen träumen in Arabien: Feminine Traumdeutung in öffentlichen Salons ostarabischer Frauen (Deutsch) Paperback – 24. September 2019by Muhammad Alzekri (Autor)


Frauen träumen in Arabien ist die umfassendste Studie zum Thema Traumdeutung und Traumkunde innerhalb zeitgenössischer islamischer Studien. Muhammad alZekri erforscht wie arabische Frauen mittels verschiedener Kommunikationsformen Träume interpretieren und dadurch einen besonderen sozialen Status erreichen. Dieses Buch kombiniert Interviews arabischer Traumdeuterinnen mit Hintergrundinformationen und zeitgenössischer Forschung, um es dem Leser auf unterschiedlichen Ebenen spannend zu gestalten. AlZekri unterstreicht die für äußere Betrachter schwer zu durchschauender Rolle der Frau innerhalb dieser männerdominierten Gesellschaft. Der Leser erhält Einblicke in ein dynamisches, religiöses, soziales und kulturelles Leben, in dem arabische Frauen durch öffentliche kommunikative Aktivitäten ihre Handschrift auf dem Schauplatz der sozialen Wirklichkeit Arabiens hinterlassen. Diese Studie richtet sich nicht nur an Interessenten der Traumkunde, Islamischen Studien und Genderverhältnissen, sondern auch an nahostinteressierte Leser, die mehr über das Alltagsleben und soziale Netzwerke arabischer Frauen erfahren möchten.

ذكرى رحيل مؤرخ البحرين مبارك بن راشد جاسم الخاطر ال تاسعة عشر


كنت من حين الى حين أثناء السنين السائرات نحو خواتيم التسعينيات من القرن المنصرم أمر على الرفاع الشرقي -مملكة البحرين.كنت أتوقف للصلاة في مسجد الشيخ سلمان آل خليفة الكائن في الرفاع الشرقي.وهو مسجد صغير وأثري.
كان في هذا المسجد يصلي الاستاذ مبارك بن راشد جاسم الخاطر، المؤرخ والأديب والشاعر البحريني رحمه الله تعالى (توفي في محرم 1422 هـ).
كان يعرف إنني باحث معرفي ومن إنني قرأت جل كتبه. وهو يعرف أنني اذا صليت هناك فإني أنتظره خارج المسجد لأصافحه ولكي اتنناقش معه حول موضوعات كتبه والتاريخ الثقافي والاجتماعي البحريني.
كانت لقاءاتنا غير منسقة وسريعة ولكنها من أجمل اللقاءات التي جمعتني به.
وكان يقول لي رحمه الله يا ابن الزكري لا تكثر النقاش والحوار معي …. لقد بقى من عمري القليل وعندي الكثير لكي أكتبه وأدونه، فائذن لي بالانصراف….
وكنت اماطله لكي اطرح عليه سؤالا تلو الآخر لكي استفيد منه ….
ثم يمضي الى منزله القريب من المسجد. …

وبعده صدمت عندما اتصل بي الشيخ أحمد مهنا السيسي خطيب جامع أبوحامد الغزالي القلالي – مملكة البحرين

ليخبرني أن أحد أعضاء عشيرته توفى قلت: من هو، رحمه الله تعالى

قال: مبارك بن راشد جاسم الخاطر فذهبت معه الى جامع مقبرة وادي الحنينية-الرفاع الشرقي. وصلينا عليه ودفناه هناك وعظمنا الأجر لبعضنا البعض على رحيل رجل معرفي بضخامة الأب الصديق الراحل الاستاذ راشد الخاطر .
رحم الله مؤرخ البحرين مبارك بن راشد جاسم الخاطر رحمة واسعة

الفاتحة بنية الإهدآء ….وصلى الله على نبي الرحمة وسلم تسليما كثيرا
مؤلفاته

نابغة البحرين عبدالله الزايد، 1972.

القاضي الرئيس قاسم بن مهزع، 1975.

الكتابات الأولى الحديثة لمثقفي البحرين، 1978.

المنتدى الإسلامي، 1981.

الأديب ناصر الخيري، 1982.

مسرحية العلاء بن الحضرمي لعبدالرحمن المعاودة (دراسة واستقراء).

المغمورون الثلاثة.ابن مانع بين الخليج والجزيرة العربية.شعراء النهضة الحديثة في الخليج.العلاقة الثقافية بين السعودية والبحرين خلال قرنين.دخول البحرين في الإسلام.ديوان عبدالله الزائد، 1996.المؤسسات الثقافية الأولى في الكويت، 1997.رجل ومولد قرن، مبارك سيف الناخي (المراسلات).مضبطة المشروع الأول للتعليم الحديث في البحرين، 2000.بواكير العلاقة الثقافية والتعليمية بين بلاد الشام والخليج العربي،(1900 – 1950)مقدمة في تاريخ التعليم في البحرين.مقدمة في تاريخ البلديات في البحرين، (1918 – 1984).مقدمة في تاريخ الصحة في البحرين، (1894-1984).مفهوم العمل لدى سمو الشيخ زايد.مفهوم اصطلاحي جديد للتراث الأهلي.كتاب من عدة أجزاء عن حركة الثقافة في الخليج في المنتصف الأول للقرن العشرين.أعمال أخرى مخطوطة.إنتاجه الشعريأحاديث سمك، ديوان شعر، (القاهرة، مكتبة وهبة، 1999).الصك، ديوان شعر، (القاهرة، مكتبة وهبة، 2001).مخطوط شعري بعنوان: «شيئًا من الإصغاء يا سادة».العضوية

د. محمد الزّكري القضاعي

أنثروبولوجي بحريني

يقيم في ألمانيا

الفكر العربي كان موجزا في تدينه مسهبا في فكره، فلماذا أصبح يسهب في تدينه ويوجز في فكره؟

قد لا نعلم أن منطق الفقه اليهودي الديني منطق يميل الى التنقيب في التفاصيل. الله، ذو العزة والجلالة، في قرآنه ترصد أن يدون لنا هذا المنطق اليهودي من خلال تدوين بعض من الحوار التفصيلي المبالغ في فتل الجزيئات بين موسى ص. وقومه:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71) سورة البقرة

العقل العربي الجاهلي / الصدر اسلامي كان مختلفا جدا عن الطريقة اليهودية التفصيلية في التعامل مع قضايا الدين. نجد في القرآن العظيم رصدا دقيقا للعقل الجاهلي/الصدر إسلامي الديني الموجز. منطقا لا يستغرق طاقته الفقهية في التشعب في التفاصيل من خلال آية أحكام الطهارة : 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) سورة المائدة. 

هذه الآية الواحدة بطول فقرة قرآنية واحدة فتحت موضوع الطهارة المائية للصلاة فبينته وفتحت موضوع الطهارة المائية من قضاء الحاجة ومن الجنابة فبينته وفتحت موضوع التيميم (الطهارة غير المائية) لأهل الأعذار فبينته. ولكننا لا نجد هذا العقل الفقهي الوجيز الموجز في بيانه في ثقافتنا.

بل نجد أننا من خلال احتكاك العرب مع اليهود واسلمة كثير من منطقهم الفكري ونقل روايات رؤيتهم الدينية كأحاديث تسمى الإسرائليات إلى ديننا اهتزت الثقافة العربية معه وتهجنت بما هو ليس منها.

فبدل من أن نكون أمة وسط بين المجتمعات الدينية بكوننا آخرها والمجتمعات المادية وهو الواقع الذي نعيشه تحولنا الى مجتمعات لا تستطيع أن تمارس هذا النوع من الوسائط التوسط ما بين الديني والمادي. 

انقرض منطق عقلنا العربي الفقهي الموجز (وهو أنسب العقول لتلعب دور الوسطية بين الديني والمادي) وتقمصنا بالمقابل العقل الفقهي اليهودي الغارق في جزيئات تفصيلية (عقلية تناسب المجتمعات التي لا تحتك بمجتمعات مادية).

لكن دعونا نتذكر أن منطق الايجاز التشريعي والإيجاز الفقهي بادي في القرآن العظيم.

الله سبحانه وتعالى إختصر آيات التشريع في كتابه العظيم “القرآن” الى 500 آية كما يقول ابو حامد الغزالي (ت. 505 هـ) . وهذا كل ما هو متاح لنا قرآنيا لإستعماله في شؤون الفقه الديني.
في حين ان الله تعالى أحاط هذه ال500 آية ب 5,736 آيات اخر مداراتهن غير تشريعي بل اخلاقي وذوقي ومجتمعي وتاريخي وعلمي وطبي وكوني الخ وهن آيات تجاهلها الفقيه الديني ولكن لم يتجاهلها المتصوفة.

اي ان الحق عز وجل غلف ال 8% ب غلاف سميك مقداره 92%
(ملاحظة مجمل عدد آيات القرآن الكريم = 6236 آية وآيات التشريع 500 آية كما يقول ابو حامد الغزالي).

الفقه نتيجة طبيعته هو مجموعة من قوانين تفيدنا ب
اعمل او لا تعمل، جائز، مندوب، منهي، مكروه، محرم. اي قوانين جامدة. 
تفتقد الى سيولة تفتقد الى الجريان.
لذلك لم يجعل القرآن منها مادة قائمة بذاتها
اي لم يرد الله تعالى منا ان نكون مجتمع فقهي ديني بحت والا كان اكتفى الحق عز وجل من تنزيل ال آيات التشريع ال 500 آية.
القرآن العظيم اكبر ب 92% من مجرد فقه شريعة….
كما ان الله لم ينزل سورة وسماها سورة “الشرائع” ومن ثم حشر فيها كل آيات التشريع ال 500 آية دفعة واحدة،
بل ان الله تعالى أدخل آيات التشريع (ال 8%) في سياقات لا تشريعية (ال 92%).
مثلا تجد في سورة النور آيات تشريعية تظهر بين علاقات اجتماعية وذوقية واخلاقية وعاداتية.
هذا البعد التوليفي او النهج القرآني في ادخال القليل من التشريع ضمن الكثير من سياق تاريخي مجتمعي علاقاتي غاب عن مادة الفقه الديني الحالي.
فكل كتب الفقه جامدة معدومة الحياة عبارة عن قوانين مقطّعة. أوصال منزوعة من سياق انساني مجتمعي متغايرة مع النهج القرآني.

بلا شك ان المثقف المنصف الذي يحاول فهم منطق ومسارات الفكر العربي عندما يقف فوق التلة سيرى خلفه هذا الارث الفقهي التفصيلي المضخم لآيات التشريع ليجعل منها المجتمع والتاريخ والحياة والفكر والطب والفيزيآد والكونيات وووو.
سيجد أن العرب فقدوا ثقافة الوسطية التي أرادت الصيرورة التاريخية أن يلعبوه بأن يكونوا الوصلة التي تربط العالم القديم بالعالم المادي الجديد.

لن يتعب أي مثقف كثيرا ليكتشف أن المنطق العربي الديني أشكالية بابتعاده عن فهم القرآن و روح القرآن ومقاصد القرآن العظيم.
فالمجتمع الوسطي هو مجتمع تجد في ثقافته 8% دينيات وتجد فيه 92% أخلاقيات وذوقيات وعلوم فكر وتاريخ ومجتمع وهندسة وكونيات ورياضيات.

المنصف في تشخيص ثقافتنا سيجد في ثنايا عقلنا الفقهي الديني ممارسة التضخيم والانشغال بالجزيئيات والابتعاد عن الرؤية الاكبر . سيجدنا ثقافة غارقة في انتاج مادة تفصيلية تدقيقية مبالغ بها. سيجدنا ثقافة تنتج واقع خيالي منقطع عن كافة السياقات (السياقات الاجتماعية والدينيةوالثقافية…).

المثقف القرآني يقف على التلة يستشرف الطريق الذي ينتظره
الى خوض مشوار اعادة بناء مجدلة قرآنية لا يعدو الفقه فيها اكثر من 8% مجدلة لا تعزل وتفرز الفقه من سياق ال 92% من القرآن. بل ينتج مجتمع أرحب ووسيط يتوسط بين الروحانيات والماديات.

د. محمد الزّكري القضاعي

أنثروبولوجي عربي

يقيم في ألمانيا

هل يمكن أن تساهم ألمانيا بإرشاد السّلفية الى جذورها التّصوّفيّة؟

قابلت المفكرة الألمانية آن ماري شيمل (ت. ٢٠٠٣) في عام ٢٠٠٠في مملكة البحرين. كنت مسؤولا أن أقضّي معها يوما ثقافيا لاطلاعها على تاريخ وحضارة البحرين العريقة. بعد ذلك تناولنا طعام الغداء في منزل والدتي رحمهما الله تعالى. 

في بيتنا دار حديث، منه أنها نصحتني بدراسة التصوف وقالت لي: أن أوروبا حاضنة لكثير من المسلمين الذين ينتمون الى مشارب متنوعة. ومن أن تلاقح حضاري بين أوروبا والإسلام سيساهم بنقل الإسلام نحو عولمة متعددة متعايشة مميزة ومفيدة. 

هذه المقالة إمتداد لأفكار آن ماري شيمل. فبكوني مقيم في ألمانيا أقابل كثيرا من المسلمين العرب. كما أقرأ ما يكتب عنهم. أجدني أشاهد كثيرا منهم في أتون ضباب فكري جلبوا أغلب ملابساته معهم. بعض تلك الأفكار تحمل صبغة الخطاب السلفي المتأزم.

فالسّلفية، في وجهة نظري، سَلفيّات. ومنها ما هو تعايشي ومنها ما هو تنافري، متأزم وإفنائي ذوخيال ديني خاطئ يوهم معتنقيه أن مهمتهم في الأرض أن يطهروا الأرض من البدعة. خطاب علق بشراك تأويلات تقسم البشرية إلى ثنائية كافر ومسلم، ومن ثم تصنف المسلم من خلال ثنائية مبتدع ضال أو مهتدي متبع لطريق السنة والجماعة.

ولكني أجد أن هذا الشباب شباب طيب يحب التعرف على إسلام تعايشي غير ذلك الذي يروج له السلفيون الإفنائيون.

إنهم يبحثون عن فهم إسلامي يسمح لهم بأن يكونوا مسلمين، ويسمح لهم بالاندماج والتعايش والتكامل في المجتمع مع إخوان التراب من الألمان وبقية المهاجرين.

مشكلة السلفية أن السلفية الإفنائية خطفت الأضواء حتى يكاد أغلب السلفية التوهم من أنه لا توجد سلفية سوى تلك الإفنائية المتأزمة والأسوأ عندما يتوهم الشاب السلفي أنه لا خلاص للإنسان وعتق من النيران سوى باعتناق السلفية. 

في ألمانيا تحاول اكثر من جهة خصوصا تلك المراكز الاسلامية المعنية بتخريج شريحة من الأئمة والخطباء معالجة التطرف وذلك باجتثاثه من الخطاب الاسلامي. تحاول هذه المقالة الاسهام بتبيان المسار الذي ادى الى تأزم الخطاب السلفي وكيفية معالجته بتذكيره بجذوره المتصالحة مع التنوع الإسلامي والإنساني.

فما دمنا في أوروبا حيث يعلو منطق الحوار والنقاش فوق كل ضجيج يكون سؤالنا:

 هل يمكن أن تساهم أوروبا بإرشاد السّلفية الى جذورها التّصوّفيّة؟

للإجابة على هذا السؤال سأقوم بإعادة قراءة السّلفيّات المُغَيّبات. أريد أن أجادل ضد تلك الفكرة التي تصور قطيعة بين التصوف الذوقي والسلفية من خلال تبيان ما بينهما من وصل واتصال.

فمن السلفيين الذين تتجاهلهم الأذرع الإعلامية الدينية هو أبو الفرج بن الجوزي القرشي البغدادي. وهو فقيه حنبلي محدث ومؤرخ ومتكلم (510هـ – 597 هـ). ما يهمنا أن أبو الفرج بن الجوزي هو أول سلفي كتب عن شخصية متصوفة وعن التصوف في كتاب بعنوان: درر الجواهر من كلام الشيخ عبد القادر الجيلاني.

موضوع الكتاب هو الشيخ عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني (470 هـ – 561 هـ). وهو متصوف مشهور جدا وتنسب الطريقة الصوفية المشهورة بالقادرية إليه. بهذا العمل الكتابي نسج السلفي الحنبلي أبو الفرج بن الجوزي مبكرا مجدّلة عقدت بين ضفيرة سلفية مع أخرى متصوفة بحيث لا يمكن فلّها. وكان هذا الكتاب محاولة جادة من ابن الجوزي في مواجه تشكل السلفية الإفنائية. 

ففي تقديري توجس ابن الجوزي خيفة من حجم العبث الفكري الإفنائي الذي أطلقه أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري البغدادي (233 – 329 هـ) بسلوكياته وكتاباته المتأزمة باسم الحنبلية والسلفية. 

فالبربهاري هو المؤسس والمنظر لتلك السلفية المتأزمة التي قسمت البشرية وصنفت الثنائيات الإفنائية فربط المسلم الذي لا يطابقه بالبدعة وسماه منحرف وربط من يطابقه ب بالرشد والهداية وباتباعه لأهل السنة والجماعة.

يجد الباحث أن ابن الجوزي سلفي متعايش مع المسلم المتصوف بشكل جميل. وسيستنتج الباحث أن ابن الجوزي نجى من إخفاق البربهاري في استيعاب المشيئة القرآنية المطلقة والواردة في سورة الكهف والتي تجعل مشيئة الكفر أو الإيمان بيد الإنسان والتي تؤكد أنه لا توجد عقوبة دنيوية على اختيار الكفر/البدعة بل كل العقوبات أخروية يجريها الرب عز وجل بحق الظالمين بدون مساعدة من أي إنسان لا في الدنيا ولا في الآخرة: ” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)”.

هكذا لم يفكر ابن الجوزي بمعاقبة المبتدع فقهيا في حين أن البربهاري اطلق عنان فقهه لإقصاء الآخر المختلف ثقافيا ومجتمعيا وجماعتيا ودينيا.

أنموذج البربهاري – ابن الجوزي

لم يستطع لا الشيخ ابن تيمية (661 هـ – 728هـ) ولا زميله الشيخ ابن قيم الجوزية (691هـ – 751هـ) من حسم موقفهما إما بالانضمام إلى سلفية ابن الجوزي الناعمة والمتصوفة أو بالانظمام إلى سلفية البربهاري الصلبة والإفنائية المتأزمة.

فقررا مسك العصا من الوسط. فتجد في كتاباتهما إرث ابن الجوزي (السلفي – المتصوف) المتعايش مع الآخر بصور جميلة وتجد في كتاباتهما إرث البربهاري (السلفي المتأزم) الذي يريد إصلاح الضمائر بالعصى من خلال مجموعة فتاوي متشنجة لا ترتضي للإنسان من ممارسة مشيئته التي كفلها القرآن له. 

تجد عند ابن تيمية-ابن القيم من إرث ابن الجوزي ما هو واضح جدا. فتارة تجد أن ابن تيمية يسهب في الكتابة عن مدح متصوفة الحنابلة الثلاثة: الشيخ عبد القادر الجيلاني، وعن الجنيد، وعن إبراهيم بن أدهم. كما تجد ابن القيم يختصر كتاب تصوفي باسم “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين”، وفي ذات الأثناء تقرأ بين نصوصهما تعابير الإقصاء وزندقة المخالف وبل تكفيره اقتداء بالبربهاري.

فشطحات ابن تيمية-ابن القيم المسهبة في التأزم وتارة المسهبة في النعومة لهما مرجعيتهما. لذلك أعتقد أن الأجواء الأوروبية توفر لنا ظروف إعادة اكتشاف تصوّفيّات السلفي – المتصوف أبو الفرج بن الجوزي، ومن ثم التعرف على تأثيره على كل من ابن تيمية-ابن القيم، بعده نقوم بإنقاذ إرث ابن تيمية-ابن القيم من سلبيات البربهاري الإفنائية المتأزمة. هكذا ستتمكن الدراسات الإسلامية الأوروبية من طرح سلفية تصوفية ناعمة.  تاعيشية متجدلة مع الآخر بوشائج تسمح بالتنوع والتعدد.

بعد ذلك يستطيع من يصر على الأنموذج السلفي من الأخذ من هذه السلفية/الصوفية المنقحة دونما أن تكون أفكاره إقصائية للتنوع الديني واللاديني في المجتمعات.

ولكن كان هناك مشروع سلفي آخر، بل حتما من نوع آخر أطلقه محي الدين بن عربي الأندلسي (558 هـ- 638هـ). فابن عربي المتصوف المشهور كان أيضا في زمانه (وليس في زماننا) مشهور بشيء آخر وهو فقهه. كان ابن عربي سلفيا جدا على مستوى الفقه. فهو يؤمن باللامذهبية وهي ركيزة فقهية يروج لها السلفية. 

فكان ابن عربي يضيق على الإنسان فرص التقليد ويحث كل فرد يمتلك سعة كافية من صنع مذهبه الصغير الخاص به. فابن عربي من الناحية الفقهية يتوافق مع السلفية جدا بكونه لا يؤمن بالتقليد المذهبي. 

ومن الأسر العربية التي مازالت تحافظ على إرث ابن عربي التصوفي ذوقا واللامذهبية فقهيا هي الأسرة الصّديقيّة الغُماريّة المغربية. فهي من ناحية تشجع اللامذهبية ومن ناحية أخرى تشجع تصوف ابن العربي.

إذا نحن أمام أنموذجين. فهناك أنموذج متاح لمن يريد أن يكون حنبلي متصوفا كأبي الفرج بن الجوزي وهناك أنموذج آخر لمن يرغب بانموذج اللامذهبية المتصوفة كتلك التي عمل بها بن عربي الأندلسي.

ختاما المتجدلة التصوفية – السلفية إرث ذو تاريخ قديم. إرث متصالح في شخص أبو الفرج بن الجوزي وفي شخص ابن عربي الأندلسي صاحب الفتوحات المكية. ويمكن لمحبي السلم والسلام المجتمعي في أوروبا إثراء الوعي لدى الشباب بالتخلص من أفكار البربهاري الدخيلة وبتنقية كتب ابن تيمية وابن القيم منه لكي نعطي لمجتمعاتنا الاوربية وللعالم الإسلامي الفرصة من تعايش متعدد متصالح.

د . محمد الزّكري

أنثروبولوجي عربي

يقيم في ألمانيا

عندما تكون ألمانيا متعددة يكون السؤال: في أي “ألمانيا” أخوض “التكامل-اندماجية”؟

أحاديث الأصحاب والأصدقاء العرب لا تخلو من ذكر تجاربهم المحلّيّة مع الألمان. يمكن تصنيف بعض هذه التجارب بالحضاري بإشراقها الأخلاقي وتنويرها المعرفي، وآخر يندرج تحت العلاقات الطبيعية التي تتصف بالمهنية في مساحات العمل الميداني والمكتبي وبعضها يفقد صبغة المعاملة المعقولة ليكون أقرب إلى التحرش والجرح المعنوي وفي بعض الأحيان الجسدي. نحن هنا في ألمانيا الكل يخبرنا أن علينا خوض “التكامل-اندماجية” في المجتمع الألماني. لكن أمام هذه التجارب التي تعكس مرجعيات ألمانية متنوعة نتساءل هل المجتمع الألماني الذي علينا أن “نتكامل معه ونندمج فيه” مجتمع واحد أم حقيقة هو مجتمعات؟ ومن ثم في أيهم ينبغي أن “نتكامل معه و نندمج فيه ؟ 

ملاحظة لفهم ما لمقصود ب مصطلح التكامل والاندماج عود الى آراب واقرأ مقالة: 

التكامل (INTEGRATION) أو الإندماج في المانيا!

هذه المقدمة تضعنا أمام جملةمن الإشكاليات تُأشْكل “مشروع””التكامل-اندماجية”. حيث أن مقالة “التكامل-اندماجية”الراهنة لم تشخص لنا معنى الوطن الألماني المشترك؟ ولا ما هي الآلية التي تجعله يتعدد، فيتحول من ألمانيا ذو مرجعية واحدة إلى ألمانيات ذو عدة مرجعيات. ومن ثم لم تخبرنا مقالة “التكامل-اندماجية” الراهنة أن معنى ألمانيا عند كل واحد فينا سيختلف عن الآخر نتيجة تجاربنا ووعينا ومتخيالاتنا، بمعنى آخر أن معنى الوطن سيتشظى إلى ما لانهاية وإنه (عند مستوى المِخْيَال) قد لن يتسنى لواحدٍ منّا من أن يقابل شخص آخر فوق ألمانيا يتخيل ألمانيا كما يتخيله.

سعيا خلف ضبط “التكامل-اندماجية” في إطار أطروحة واضحة تفسر هذه الديناميكيات (المنسجمة والنّشازية) في آن واحد سأقوم بفتح موضوع السّرد والخطاب والمتخيل. 

أولا: سأجتهد لفهم كيف يعمل “السرد” على تجميع الجميع تحته ليشتركوا في الاتفاقحول مفهوم وطن جامع يحوي الجمع البشري المتعدد والمتنوع، 

ثانيا: سأنتقل إلى فهم كيف يعمل “الخطاب” تحت وطأة الساسة الى تجيير السرد الجامع الأكبر ليقتطع منه خطاب ليعبر عن توجهات جزء أصغر لمفهوم الوطن، ليخص جماعة محددة من المجتمع، لتجمّعهم كحزمة تحت شعارات حزبية معينة، 

ثالثا: سأثابر لفهم كيف تتوغل التجارب الشخصية إلى الذهن، كيف تلهم “المتخيلة”، ليتخيل منفردا ما هي هويته ما هو حزبه ما هو خطابه ما هو وطنه.

السّردية الكبرى / Grand Narrative

Jean-François Lyotard

عند البحث عما هو الجامع الأكبر لمفهوم الوطن الذي يتسع للجميع لا يمكن بأي شكل من الأشكال تجاوز أفكار عالم الاجتماع الفرنسي جان فرنسوا ليوتار (ت. 1998) وهو الذي صك مصطلح السردية الكبرى / Großen Erzählungen. في تصور ليوتار فإن السردية الكبرى نوع من أنواع المعارف التي تلعب دور المشرّع لمفهوم الإجماع بين الجماهير المستهلكة لتلك السردية. عليه بتطويع أفكار ليوتار فإن مفهوم الوطن الألماني يكتسب شرعيته من سردية الدستور الألماني الكبرى. حيث أنه لم يمر علي ألماني واحد، بغض النظر عن انتماءاته الحزبية أو اللاحزبية، من لم يردد علي أن: الكل سواسية تحت الدستور ومن أن السيادة الكبرى فوق رؤوس الجميع للدستور الألماني. ولأهمية السيادة للدستور أو العقيدة بهذه السردية الجامعة الكبرى لمفهوم الانتماء إلى وطن اسمه ألمانيا شكل الألمان وحدة اسمها لجنة حماية أو صيانة الدستور أو بتعبير آخر لجنة تعمل على استدامة العقيدة بالسردية الألمانية الكبرى.  

الخطاب وعملية تجزّأ السّرديّة الكبرى

Teun Adrianus van Dijk

السرديات الكُبَر حقل خصب وثري بالمعاني مما يجعلهن قابلات لكي يجتزأ منهن تأويلات أيدولوجية. على الرغم من أن جان فرنسوا ليوتار فطن إلى أن السرديات الكبرى تتشظى ولكني أجد أن الهولندي تيون فان ديجك (و. 1943) قد أجاد التعبير عندما شخّص قدرة السياسي من إمْتِزاق مِزْقَة من السردية الكبرى تسمى خطاب. 

يعمل السياسي بتوظيف هذه المِزقة بحذاقة ماهرة لتزاحم السردية. ومع تكرير الساسة لصيغ مختلفة من ذات الخطاب عند كل مستجدة سياسية يوظف السياسي الخطاب لترسيم حدود معرفية مؤدلجة تطوق الجماعة السياسية التي يستهدفها لتستقل جماعته شيئا ما أيدلوجيا ومعرفيا عن بقية المجتمع. 

ملاحظة: السياسي الناجح يطوع الخطاب بذكاء بدون أن يستفز المؤمنون بالسردية الكبرى. وفي تقديري يكاد كل خطاب سياسي سمعناه يقول: 

كلنا نؤمن بالسردية الكبرى ولكن تبقى قضيتنا حول كيف يكون إيماننا به؟ وكيف نحقق إيماننا به على أكمل وجه؟ فليس السردية الكبرى بل كيف نحقق السردية ما يشغل حزبنا، جماعتنا.

عند المستوى الخطابي يجد العربي أنه مرحب به أو غير مرحب بحه، في حين أن العربي يجد الأمان عند مستوى السردية الكبرى أو عند مستوى الدستور، عندما يكون هو وغيره يعاملون كأسنان المشط بسواسية تامة. 

مرة أخرى عند مستوى الخطاب تجد في خطابات بعض الأحزاب أن العربي ينمّط على أنه لا يفهم وليس بقابل للانضباط تحت الدستور ومن أنه جامح لا يأتمر بأمرة القانون، ويستاق الساسة أدلتهم من ممارسات بعض المنحرفين والمجرمين العرب في ألمانيا (والشر على أنه أمر بغيض لكنه وللأسف أمر لا تخلو منه ثقافات العرب أو أية ثقافة بشرية أخرى) لتأييد خطابهم السياسي الرافض لتسهيل احتضان العرب في ألمانيا. 

في حين تجد في خطابات بعض الأحزاب الأخرى أن العربي ينمّط بشكل عام على أنه فرد منتج ويمتلك جينات تحمل نسبة ذكاء فوق المعدل ومن أن توطين العربي في ألمانيا يلقح الحضارة الألمانية بطُرقِه التفكيرية الإبداعية، منتجا صيغ غير تلك المألوفة في ألمانيا، مما يساهم في تطور ألمانيا؛ صناعيا وابتكاريا وانتاجيا وخدماتيا لتواصل تنافسيتها في أوروبا وفي بقية العالم.

وبين هذا الخطاب اليميني والآخر اليساري تولد خطابات شتى لتملأ فراغات يحتاج إليها الساسة لتبرير زعاماتهم وأحزابهم. 

المخيّلة تنتج ألمانيا بعدد أنفس الألمان 

Benedict Richard O’Gorman Anderson

منذ ما نشر بينيديكت ريتشارد أندرسون (ت. 2015)كتابه ذائع الصيت “مجتمعات مُتَخيّلة” 

Imaginierte Gemeinschaften

 في عام 1983أقام حجة قوية مفادها أنه لا وجود حقيقي لأي مجتمع/وطن إلا كمتخيلة. ومن خلال المتخيلة نتخيل المجتمع/الوطن في حين أنه ليس بالضرورة أن (جلّ أو بعض) المجتمع/الوطن موجود كما نتخيله. هكذا فإننا كمقيمين جدد في ألمانيا لا نختلف عن المقيمين القدماء في إننا جميعا نتخيل ما هو المجتمع الألماني وأننا جميعا شركاء خوض تجربة “الوطنية” من خلال “التكامل-اندماجية” فيما نتخيله!

جريان المخايل في آلية تخيلاتنا عملية فردية فكما قال المتصوفة قديما أن التصوف بعدد الأنفس فإني أيضا أكاد أجزم أن تخيل ألمانيا بعدد مخيلات المقيمين القدماء والجدد فوق ترابها. 

لكن الخطاب السياسي لا يناسبه أطروحة أندرسونلذلك تجد السياسي يوهم أتباعه أن المُتَخَيّلات حقيقة وليست بأوهام. فيسعى السياسي الى المكر برفض أن الوطن متخيلة وبرفض أن المُتَخَيّلات أمر فردي وذلك بتكراره على مسامع أتباعه بأنه واقع يشاهده الجميع. بهذه المراوغة الماكرة الفاسدة يفسد السياسي جمالية الفردية التي يتمتع بها المجتمع الغربي وخصوصا الألماني. ولكن ليس كل فرد تنطلي عليه هذه الأطروحة الماكرة ويرفض أن تكون مخايله ملك أحد سواه.

في أي “ألمانيا” أخوض “التكامل-اندماجية”؟

نحن موجودون فوق التراب الألماني الذي فتحت سرديته الكبرى ذراعيها لنا.  

نحن موجودون فوق التراب الألماني الذي فتحت بعض خطاباته السياسية أذرعها لنا. 

السرد والخطاب لا نملك تأثيرا واضحا عليهما. ما نملك هو مخيلتنا وعلينا أن نثري متخيلاتنا من خلال رؤوس أقلام ذات عناوين جميلة لنصنع منها مواضيع لهويتنا الذاتية.   

“التكامل-اندماجية”الناجح في تقديري هو ذلك المشروع الذي يبدأ في مخيلاتنا. ما نحتاج إليه هو ضخ الإيجابية والتفائلية والأمل في مخايلنا لتثمر متخيلات إيجابية. نحتاج أن نتخيل أننا قوم يقدمون العذر لمن لا يعرف أننا بالجملة أقوام طيبون. علينا أن نتخيل أنه بخلق رصيد من مواقفنا الإيجابية سيبدل صورتنا النمطية إلى الأفضل. علينا أن نتخيل أننا نطمح بامتلاك منزل، وقبله علينا أن نفوز بعمل. علينا أن نتخيل بأننا نصبو إلى الحب والزواج ومن فتح أسرة والإنجاب ومن ثم تربية أطفالنا هنا على أكمل وجه. 

كل هذه الإيجابيات تجعل مخايلنا خصبة. 

إن المتخيلة الإيجابية تزودنا بالطاقة الإيجابية وهذه الطاقة مع الوقت تتحول إلى جزء من “هويتنا “التكامل-اندماجية”” هوية بنّائية تخدم مصلحتنا، وتخدم مصلحة المجتمع، وتخدم مصلحة الدستور وتخدم هذا التراب الألماني الغالي الذي نعيش فوقه. 

د. محمد الزّكري

أنثروبولوجي عربي يقيم في ألمانيا

أيهما؟، التكامل أم الإندماج في المانيا

د. محمد الزّكري أنثروبولوجي عربي يقيم في المانيا 

في أحد الصباحات في مدينة كتبس وعندما كنت احتسي شراب الشوكولاتة الساخن في مقهاي المفضل خطر ببالي سؤال هل ترجمة دي انتيجراشيون ” die Integration” الى اللغة العربية باستخدام لفظة الاندماج “al-Indimaj” دقيق؟ 

فمفردة ” die Integration” تعني أيضا التكامل al-Takamul وهي كلمة مشتقة من

مصطلح الدارات المتكاملة (Integrierter Schaltkreis) الداخلة في صناعة لوحات الكمبيوتر. 

في حين أن مفردة الإندماج al-Indimaj مرتبطة بالخلاط  mixer وبمفردة (Mischen) او    einblenden 

الذي يدمج مثلا التفاح مع الموز مع التوت لتحيلهم من عناصر ذات وجود تكويني خاص بها الى مكون جديد مدمج في تشكيلة جديدة تفقد فيه العناصر الداخلة في عملية الدمج هويتها السابقة لصالح هوية جديدة. 

فهل المطلوب من العربي خوض عملية دي انتيجراشيون  ” die Integration” التي تعني التكامل al-Takamul؟

أم مطلوب من العربي خوض عملية دي انتيجراشيون  ” die Integration” التي تعني الاندماج al-Indimaj؟

ام المطلوب منا ان نخوض التكامل مع الاندماج بخلطة ومعايير يحسب نسبتها كل مهاجر على حدا؟

كلا المفردتين (التكامل/الاندماج) مهمتين ولهما إحالاتهما المتميزة في ذهن العربي المتلقي لهما.

كيف؟

أولا مفردة al-Takamul / Integration مشتقة من الدارات التكاملية Integrierter Schaltkreis 

وبالتالي هي مرتبط بتاريخ تطور صناعةDie Hauptplatine  اللوحة الأم لجهاز الكمبيوتر. 

هؤلاء الملمين بهذه التقنية يعلمون أن فكرة Integrierter Schaltkreis  قائمة على التكامل بين مجموعة كبيرة من الدارات Schaltkreis وذلك بأرخص طريقة وباستهلاك اقل طاقة .  

كل قطعة تلعب دور تكاملي ووظيفي ومكمل لأداء مهمة اللوحة الأم Die Hauptplatine   الحاضنة لكل القطع . ولكن اللوحة الأم Die Hauptplatine   تعمل من خلال التحام Schaltkrei فيها دونما أن ينصهروا فيها.

بتأويل ما تحمله الأسماء والمصطلحات هذه يمكن القول أن الإنسان المرموز له بدارة (Schaltkrei) الذي قرر الاستقرار في ألمانيا والمرموز لها ب اللوحة الأم (Die Hauptplatine  ) وذلك ضمن نهج التكامل (die Integration) مطلوب منه أن يلتحم مع مجتمعه ولكن دونما الإنصهار فيه، بمقابل أن يؤدي وظيفة التكامل في المجتمع والاقتصاد والثقافة.

وظيفة المهاجر المتكامل أن يجد مكانه في الاقتصاد وساحة العمل (والثقافة) ليربط بينه وبين أشخاص تكامليون آخرين (قدماء ومستجدون) لكي يؤدي كل فرد منهم مهمته. وهكذا تعمل أطروحة الدارة التكاملية ” Integrierter Schaltkreis” في التحامها مع اللوحة الام  ” Die Hauptplatine ” أي ألمانيا على أكمل وجه.

دعونا الآن نتوجه الي معالجة خوض عملية دي انتيجراشيون  ” die Integration” التي تعني 

الاندماج al-Indimaj.

أطروحة الاندماج تتصور أن على المهاجر ان يخوض    einblenden 

هنا يكون العربي المُنْدَمَج أن يدخل الخلاط مع الألماني القديم. فلو كان العربي المهاجر تفاحة ولو كان الألماني القديم كمثرى فكليهما يندمجان تماهيّاً لكي يصبحا شيء واحد متماهين (Identifizieren) مع بعض. 

بمعنى آخر فإن المهاجر الإندماجي يحذو خطوات نحو الألماني القديم ليستلهم من ثقافته وعاداته ونشاطاته أكثر من تلك الخطوات التي يتخذها المهاجر التكاملي. الاندماجي ينصهر يفقد تكوينه الذي سبق عملية الاندماج وهذه العملية تحتاج الى مصادر ومعطيات كثيرة سنتحدث عنها في مقالة أخرى.

ما يهمني انني تحدثت مع عدة شباب عربي مهاجر في مدينتي كتبس. وبعد شرحي لهم الفرق بين التكامل والاندماج وجدت أنهم ليسوا فقط إما تكامليون أو إما إندماجييون. بل وجدتهم خليط بنسب مختلفة من التكامل والاندماج. فمنهم من تزوج ألمانية وخاض بنسبة اعلى عملية “التألمن” Germanization من خلال آلية الإندماج. لنقل علي سبيل المثال أن هذا السوري المتزوج من المانية متكامل مع المجتمع بنسبة ٦٠ بالمئه أي انه ابقى على نسبة عالية من هويته الأصل في حين انه تألمن بنسبة ٤٠ بالمئة نتيجة زوجته والاختلاط بأهلها واصدقائها وجره الى تجربة المانيا من وجهة نظرها، والتثاقف من خلال زوجته مع الثقافة الألمانية والفلكلور الألماني والتاريخ الألماني والمناسبات الألمانية وتناول الطعام الألماني والموسيقى الألمانية والذوق الألماني والاتوكيت الألماني و الخ. 

عندما تناقشت مع أصدقائي المهاجرون حول أطروحة هذه المقالة المنادية بفهم معنى التعايش في ألمانيا على أساس ثنائية “التكامل – الاندماج” وليس اما تكامل او اندماج سعدوا كثيرا بهذا الشرح. خصوصا عندما أدركوا من ان كل مهاجر عليه خوض عملية التكامل وأيضا من خوض الإندماج بالنسبة التي يستطيبونها بناءا على الظروف المتاحة امامهم فرحوا كثيرا لهذا الفهم. وجدتهم يرحبون بأن يكونوا “تكامليون / مندمجون” كل على طاقته وقدرته وظروفه.

ولكن وجه لي أحد أصدقائي سؤالا: عندما أدخل الخلاط كمهاجر (التفاحة) لكي أندمج مع الألماني (الكمثرى) هل ساجد فعلا كمثرى يريدني أن أندمج معه؟ أم سأكون داخل الخلاط وحيدا ؟

قلت له عليك أن تعرف أن الالمان يملكون تاريخ وثقافة وفلسفة وتطور وتقدم معرفي يجعلهم فخورين بهويتهم مثلك تماما أيها العربي. عليك أن تعرف تاريخ الالمان وثقافتهم وتحترمه. وعندما يشعر الألماني أنك تحترم هويته سيفتح لك فرص الاندماج به أكثر ….

قال لي لحظة قبل أن تغلق ملف بحثك الشيق هذا لقد وجدت ألمانيا تتكون من أكثر من هوية واحدة: 

ففي أي المانيا أندمج؟

قلت له انتظر اجابتي على هذا السؤال في مقالة قادمة.

البصرة وعلاقة المكان بفكر التصالح (2\3): البصرة وحضانة فرق الكلام، قراءة لمشروع واصل بن عطاء المعتزلي


د. محمد الزّكري

تراحل الأحداث على الأمة: حلت بالأمة الإسلامية نكبات معلومة التاريخ ولكن تأثيرها غير معلوم الحدود والمدى. من تلك النكبات: مقتل عثمان (ت 35هـ) في وضح النهار، معركة الجمل (36 هـ)، معركة صفين (37 هـ) وإفرازات عملية التحكيم الممزقة للشمل الإسلامي، اغتيال علي (ت 41هـ) وهو قائم يصلي، سقوط الخلافة الانتخابية الراشدة (41 هـ) وإحلال نظام الحكم السـّـفياني الملكي عوضاً، إبادة الحسين (ت 60 هـ) ومن كانوا  معه على نمط الإبادة الجماعية. هذه الأحداث والأحداث المضادة لم يقم بها أفراد بل فرق وجماعات تجمعها مصلحة سياسية متأطـَرة داخل فكر يبرر ما قامت به ويمدّها بالشـّرعية بوعي منها أو بدونه وذلك من أجل مواصلة مشاريعها. 

مقالات الكلاميين:

دواعي قيام فرق الكلام عديدة ومتشعبة ومن أهم ما شغلهم الموقف مما ارتكبه بنو أمية من كبائر المعاصي وأهمها قتل المسلمين على الظن. فصاغوا لذلك عدة أسئلة: هل مرتكب الكبيرة ارتكبها وهو مجبور جبرا كونيا وبمشيئة إلهية خارجة عن إرادته؟ أم إنه ارتكب فعلته بفعل ناتج عن إرادته؟ هل يكفر مرتكب الكبيرة؟ هل نخرج على كبائر بني أمية ونقاتلهم؟ أم نتغاضى عن فعلتهم؟

توظيف الجَبْر لسياسية الخنوع بإشهار الإرادة الكونية أمام النفي القاطع للإرادة الشرعية:

فقد ظهر في البصرة وسائر الديار العراقية الفكر “الجبري” أيام ولاية زياد بن أبيه ( ت 53 هـ) والي الأمويين، وهو فكر نجح من إنتاج هوية تؤمن بلا إراديـّـتـها، هوية منقوصة وعلى معتنقيها ممارسة وجودهم أفردا أو جماعات وهم مقتنعون بأنهم عاجزون عن صنع عمل ينبع من مشيئتهم الذاتية بل كل ما يفعلون من خير أو شر هو امتداد لانفعال إرادة الله في وجوده وعليه لا يحق لأحد أن يلومهم على ما ارتكبوا من معاصي (الخطط المقريزية ج2، ص 349، 351ط 1987، أيضا جمال الدين القاسمي ص 7-15، تاريخ الجهمية والمعتزلة). ويرصد الشهرستاني في الملل والنحل (1ج، 110 – 111) مقالة الجهم بن صفوان (ت 128 هـ) “… ومنها قوله في القدرة الحادثة: إن الإنسان ليس يقدر على شيء، ولا يوصف بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وينسب إليه الأفعال مجازا، كما ينسب إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة وجرى الماء… إلى غير ذلك، والثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال جبر، وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا جبر”.

يقتصر جل الفكر الجبري على كلاميات الإرادة الكونية. والمقصود بالإرادة الكونية هو كل ما شاءه الله عز وجل له الحدوث والوقوع، وكل ما قضاه الله وقدّره في هذا الكون؛ فالخير المحبب عند الله والشر المبغض عند الله وكل حادث وكائن في هذا الكون مندرج تحت مشيئة الله عز وجل. 

بالمقابل ينفي الجبريون (وهذا سبب رفض بقية الفرق لمعتقدهم) وبشكل قاطع فكرة الإرادة الشرعية الدينية والتي تنظـّر لقدرة الإنسان واستطاعته على الفعل المستقل. فالإرادة الشرعية، كما هو معلوم عند الفرق الأخرى، بقدر ما أنها إرادة الله في تشريع شريعته وتعلقها فيما يحبه الله عز وجل ولكنها ليست إلزامية ولا تتحقق إلا بكسب الإنسان لها. فعلى سبيل المثال الآيات التي تدل على أن مراد الله عز وجل أن يعبده كل مخلوق من الناس كثيرة، مع هذا لم يتحقق أن آمن كل الناس، فعلمنا بهذا أن الإرادة الشرعية لا يلزم وقوعها لأن تحققها مرتبط بفعل الإنسان الكامنة فيه، فقد يشرع الله عز وجل الشيء شرعاً، لكن لا يأتي بمقتضاها الإنسان، حينها يحاسب القضاء هذا الإنسان على جرمه في الدنيا ويوفيه الله جزاءه في الآخرة. مثل هذا الفهم للإرادة الشرعية لم يضع له الجبريون أي حساب.    

وللمتشرب من ثقافة الفكر الجبري طول بال و قدرة بالغة على تحمل ما يقع عليه من جناية أو أخطاء بقصد أو بدونه. فتجد إن للجبري صبر وجلد معتقدي يسهل عليه تحمل بغي من بغى عليه بحجة أن الباغي غير ملام فهو مجبور جبرا كونيا على ارتكاب بغيه، أي أن الجبري لا يخرج على الأمويين مهما بلغ ظلمهم. 

لاأدريـّة المرجئة وتعطيل مؤسسات ومحاكم القضاء في قضية العدل المجتمعي:

كما ظهر الفكر “المرجئي” في البصرة وسواها. وهو فكر يرجىء إطلاق الحكم على مرتكب المعصية من طبقة الحكام الأمويين وولاتهم ويرجئون أمرهم لله على أساس “لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع في الكفر طاعة”. ومن خلال أدوات بث مبادئ العفو والتنازل عن حقوقه بين معتنقيه، يحط الفكر المرجئي من دور تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع. تعمل البنية الإرجائيـّة على تطعيم هوية المسلم بخصال اللاتواجهيـّة مع الجاني (السلطة) وعلى تأصيل طباع اللا أدريـّة واللا موقفيـّة بين عامة الناس من قضية العدل. علينا الانتباه فالإرجاء لا يبث خصلة اللامسئولية فهذا مناف للشرع ويتعارض مع حديث “كلكم راعي وكلكم مسئول عن رعيته”. بل يسوّق أفكاره على أنها خصال حميدة تدعم السِلم المجتمعي لا من باب إقامة العدل بل من باب التغاضي النابع من فضيلة النفس المحسنة والمتجاوزة عن أخطاء مرتكب المعصية من ظلم الأمويين على أساس أن المعصية مهما بشعت لا تجرح أو تنقص من إيمان المتنفذ أو المتسلط.  

وعلى ما يبدو اجتمعت أبعاد الفكر الجبري والمرجئي (1) السياسية لإفادة الأمويين وولاتهم، دون قصد. فقد مكنت صدفة التوافق الزمني لخطابهم الديني من أن توفر لهم النجاة من التأثيم والمقاضاة الدنيوية على الرغم من مغالاتهم في القتل ومجاهرتهم بالمعاصي. سياسياً واجتماعيا أفسح  الحكام  الأمويون والولاة للفكر الجبري والمرجئي (2) مجال عطفهم وسكوتهم عليه فانتشرت وتمددت في شتى مناطق نفوذ حكمهم ومن ضمنها مدينة البصرة (د. علي شلق، ص. 91-99 في “العقل الفلسفي في الإسلام”، 1985، ومحمد عمارة، ص. 27-42 في “المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية”، 1972).

الخوارج والتنظير المتوازي مع الدموية:

برزت فصائل “الخوارج” على الساحة الإسلامية مبكرا وكان لها تأثير بارز على تاريخ البصرة. وأهم معالم البنى الثقافية لهذه الفرق تعلقهم بخطاب شاحن يدفع الناس بالخروج والتصادم عسكرياً ضد المنحرفين عن الدين الإسلامي “القويم” على حسب نظرهم. وإذا استثنينا الخارجي المعتدل عبد الله بن أباض(ت86هـ)، أحد المنظـّرين للإرادة الكونية، فإن بقية فرق الخوارج (خصوصا الأزارقة) تؤمن بنقيضه أي بحرية الإرادة الإنسانية ولكن بتطرف لأنهم يعملون بقاعدة ترى بمسئولية الإنسان المطلقة لأن “الأفعال جزء من الإيمان”. ففعل الحسنات يعكس قلبا مؤمنا مثلما أن فعل المعاصي ينفي حضور الإيمان في قلب العاصي فتسقط عصمته ويباح سفك دمه. باستثناء الأباضيين، تعمل البنية الأصولية الخارجية على توطيد الاعتقاد بأن الأمويين وولاتهم وعساكرهم خارجون من الملة، لقتلهم المسلمين بلا حق، فجاز قتالهم. خرجت حركة الخوارج كردة فعل على فشل التحكيم بين علي ومعاوية مما جرهم إلى طرح تساؤلهم المثير حول “من هو المؤمن؟”. احتك الخوارج بقوة دموية مع كل الفرق المتصارعة دون استثناء من أجل تأسيس نظام حكم لا يشترط القرشية ويسمح بانفصال القبائل عن نفوذ مراكز الحكم ويسمح بنوع من الحكم المحلي ويسمح (كما ورد في بعض آرائهم) أن يكونوا جماعة بلا إمام بشرط أن تتمكن الجماعة من إقامة العدل بينها (د. أحمد معطية، ص13-17، في “الإسلام الخوارجي”، 2000).   

التشيع وجدلية القيام والقعود:

ومن الفرق التي لها أثر في البصرة “الشيعة” وهي على تفرعاتها اتفقت على عدم تكفير العاصي أي الأمويين ولكن نطقت بأحكام متفاوتة على أفعالهم. فالشيعة يقولون بأحقية الحكم لعلي بن أبي طالب من بعد رحيل رسول البشر الأعظم على أساس وصية تعينه بذكر اسمه، ومنهم من قال بذكر وصفه دون اسمه. ومن أبعاد الفكر الزيدي  (ت 122هـ) جواز القيام وإعلان الجهاد ضد الأمويين على أساس 1) لا لأن الأمويين كفرة بل لكونهم مغتصبي حق وظلمة، 2) خيرية الإمام القائم على الإمام القاعد. ومنهم من يرى برأي الإمام جعفر الصادق (ت 148هـ) بخيرية القعود لأنها حركة تقدم المقاومة الثقافية على المقاومة العسكرية. فأنشأ الصادق المؤسسة المدرسية لنشر الفقه بين المسلمين بهدف تأسيس مرجعية تطالب بالعدل وبإعادة الحكم إلى أهله تحت راية الإمام المهدي وبذلك، أي من خلال حكم الإمام، سيتم العودة إلى العدل كما كان عليه العهد النبوي الشريف. هكذا أفتى الصادق بوجوب المقاومة الثقافية ولكنه جعلها على عاتق المثقف فحين جعلها زيد على عاتق العسكر (، الرزينة لالاني، ط 2004، الفكر الشيعي المبكر: تعاليم الإمام محمد الباقر). 

هامش 

(1) هناك من يرى أن الجبرية لا تعدو كونها الجناح الكلامي ومن أن المرجئة لا تعدو كونها الجناح الشرعي لكتلة حراكيـّة واحدة (أبو البقاء الكفوي(ت1094هـ) ج2,ص173 في كتابه “الكليات”).

(2) تتحدث كتابات عدة تارة عن موقف الفرقتين الجبرية والمرجئة المساند في توطيد سلطان بني أمية، وتارة عن خروجهم على بني أمية. آراء مضطربة ومتناقضة، ويرجح المؤلف أن الانشقاقات في صفوف الجبرية والمرجئة طرأ في مرحلة متأخرة من عمر الدولة الأموية. ويمكن القول بأن اصطفاف شرائح مهمة من فرقتي الجبرية والمرجئة مع المعارضة جاء بعد جهود واصل بن عطاء في تغير جزأ من قناعاتهم. للمزيد اطلع على مقالتنا “إستراتيجية الحراك الواصلي بين رهانات المقاومة ودينامكية الأداء”. وعليه تقتصر هذه المقالة على وصف الحركتين الجبرية والمرجئة في مرحلتها الأولى عندما كانتا متعاطفتين مع بني أمية أي قبل الاحتكاك مع واصل.  ا

د. محمد الزّكري انثروبلوجي عربي يقيم في المانيا

محمد الزكري

البصرة وعلاقة المكان بفكر التصالح قراءة لمشروع واصل بن عطاء المعتزلي

الحلقة الأولى

تاريخ تأسيس مدينة البصرة ومزاجها الفكري الرأيوي- الكلامي

 تسعى هذه المقالة المتكونة من ثلاث حلقات إلى تسليط شيء من الضوء على التاريخ من أجل التعرف على مدى تسرب منزع “المكان” العقلي،

الكلامي، النصي، الروحاني و تنوعاته الثقافية والمذهبية إلى وعي “المفكر” المقيم في ذلك المكان. فالمكان (دون الغبن لعوامل غير مكانية أخرى مشكـّلة للهوية) بوابة بليغة لدراسة الهوية تمكننا من النفاذ على دواخل الأحداث واكتناه أعماقها. فالمكان مُعلـّم من مُعلــّمات الهوية يمنح شخصيات التاريخ الإسلامي كينونيـّة يقتصر إنتاجها على ذاك الموقع دون غيره. ومن بين الكم الهائل من النقاط (الدينية، السياسية، الإجتماعية، الإقتصادية) الغير مادية والمنتمية بكثافة هائلة إلى المكان قد نتمكن من أن نجد تلك النقطة، النقطة المعبر لكي نحلق في فضاء البحث من خلالها، أو نخوض معها رحلة إماطة اللثام عن كنّ الماضي عندما كان واقعا يأخذ مجراه، أو عن مراحل الوعي قبل أن نكون، لعلنا ندرك كيف لملم أجدادنا العظام شملهم عندما تبعثر وذلك من خلال دراسة البصرة زمن واصل بن عطاء المعتزلي (80-131هـ).     

تتحدث المقالة الأولى التي بين يدينا عن تاريخ تأسيس مدينة البصرة ومزاجها الفكري الرأيوي – الكلامي. في حين تتطرق المقالة الثانية إلى التنوع الفكري والعقائدي الذي احتضنته البصرة في بيوتها، مساجدها، مدارسها، أحيائها وساحاتها التجارية. وختاما تتأمل المقالة الثالثة في موقف واصل بن عطاء المعتزلي  من التمزق الثقافي الذي تصاحب مع كلاميات الفرق الإسلامية الأولى في لحظة تكونها وكيف عمل جاهدا إلى إيجاد ثقافة تسمح بالتنوع والتعدد والتوفيق والجمع بين المسلمين من خلال مقولته “المنزلة بين المنزلتين” (1).

تأسيس مكان يحاذي النهر ويتصل بالبحر ويطل على الصحراء أسمه البصرة:

أرتبط تاريخ إنشاء مدينة البصرة بالإذن الذي أعطاه الفاروق عمر بن الخطاب (ت 23هـ ) للقائد عتبة بن غزوان بتمصير معسكر البصرة سنة 14 أو 17 هـ ( ياقوت الحموي 432 ج1 ). تمكن الفاروق من اختيار معسكر يوفر مقومات المعيشة المناسبة للطبيعة الرعويًة من غالبية جيشه من العرب وذلك لاحتوائها على المشارب والمرعى و المحتطب.  ولكن نواميس العمران لم تكن بحسبان الفاروق حيث أخذت جاذبية المكان تهوّن على المسلمين إغفال الشوق إلى مساقط رؤوسهم من مثل المدينة المنورة وسائر مدن الجزيرة العربية. ومع تراحل الزمن وبفعل الفتح والمهاجرة لأسباب سياسية أو معاشية استقر العرب في البصرة. وهكذا بدأ العرب لأول مرة خوض تجربة نسيج عمراني يقطنه أخلاط من قبائل شتى تختلف نسباً وعصباً وهو غير مألوفهم. نعم لقد عهدوا مدينة القبيلة الواحدة ومدينة التعدد القبلي ولكن ضمن معاهدات الحلف. ولكن أنموذج البصرة هو أول مكان مدني أنشأ من شبه عدم على منهج أخوة الإسلام دون إملاءات وشروطات معاهدات الحلف. فنجد أن البصرة كانت مقسمة إلى خمسة أحياء تعرف بالأخماس، كل خمس لقبيلة وهي الأزد و تميم و بكر وعبد القيس وأهل العالية ( بطون قريش وحلفاءها ) ولا يجمعهم سوى الإسلام – إبن الأثير 34 ).

 ومن ناحية المواصلات فإن البصرة منفتحة على الطرق البرية و النهرية المفضية إلى البحر مما سمح لها بالتطَور الاقتصادي والاجتماعي وعُرفت البصرة مبكرا بكثرة خيراتها المالية والزراعية وذلك منذ زمن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي الخامس(ت 86هـ) – ياقوت الحموي 438 ، 439 ج 1 ) . 

والبصرة من الناحية الجغرافيةً متاخمة لبلاد فارس، فكثر فيها الموالي الذين استقروا فيها أو شكلوا جزء من السكان العابرين على المدينة. الموالي وقد شكلوا طبقة خاصة من طبقات المكون الاجتماعي أقاموا جنبا بجنب مع العرب. وعرب البصرة كما عرفنا ينتسبون إلى قبائل ولكنها متباينة النسب وهكذا أصبح الخلط صبغة ثقافيَة يميز نسيج مدينة البصرة الصّاعدة. 

الرأي مزاج المنهج البصراوي:

ولكن للفاروق أثراً على البصرة لا يمكن اختزاله فقط  في اختياره مكانها بل يتعداه إلى خصوصية مزاجها المنهجي. فكما عُلم عن الفاروق أنه أكثر الصحابة إقداماً على إبداء الرأي في النص وذلك بعد استنفاذ أمر المشورة. ومن المعلوم أن الطريقة العمريّة في التفكير والاستنباط والرأي حيث لا نص وجدت طريقها إلى ميول الصحابي عبد الله بن مسعود (ت 33هـ).  وحصل أن بعث عمر مقلـّد طريقته عبد الله بن مسعود إلى أهل العراق بمهمة تعليمهم شأن دينهم الحنيف. تمخضت جهودات عبد الله عن حركة علمية واسعة والتي أثمرت في نشر وتأصيل هذا المنهج في البصرة والكوفة حتى عُرف أهل العراق بالرأي. ( مناع القطان، ص 289، 290 في “تاريخ التشريع الإسلامي” ) هذا المنهج ذو الطابع الرّأيَوي والمتهيب من الرواية للأحاديث النبوية أفسح المجال كما سنرى لمشاركة أكبر لفهم الدين من خارج الكتل والأنسقة المنحازة للنص، متجاوزاً لأدواته ومصطلحاته ومؤسساته في مراحل تكويناته الأولى. عليه ليس بغريب احتضان البصرة لأهم الفرق الكلامية من الجبرية، المرجئة، الخوارج والشيعة. ولكن يجب أن لا يفهم أن المنهج ذو الطابع الرأيوي والذي يرتقي بسلطان العقل فوق سلطة المنافس النصي كان الوحيد في البصرة. بل كان لأهل الحديث المستندين إلى سلطة النصوص المقدسة حيز وجود وبل تأثير لايمكن نكرانه تاريخياً في البصرة – د علي اوميل، ص. 97 في “السلطة الثقافية والسلطة السياسية” ، 1996) .

الإنسان بين خصوصية الحي وعمومية الأسواق:

عند إطلاق مخيلتنا لاستعادة الطبوغرافيا الثقافية لمدينة البصرة في زمن ما قبيل وبعيد المائة الأولى، عندها قد ينزع مخيالنا إلى تخيل المدينة كمتكون مركب من ثقافات كنتونية، متوازية، منفصلة ومنقطعة عن بعضها بعضا. فهناك حي خاص بالفرق الكلامية من الجبرية، المرجئة، الخوارج والشيعة. وقد نسأل أنفسنا لماذا تخيلنا كل هذا الانقطاع؟ فندعم موقفنا التخيلي قائلين: كل معتقد له أبنيته الفكرية الخاصة به.  فهناك مؤسسات المساجد، المدارس والحلق يتزعمها شيوخ ومرجعيات ورموز. وهي مؤسسات تضمن بث أفكار المعتقد الكلامي بين أبناء عصرها، كما أنها تشرف على نجاح عملية التواصل التاريخي بين أجيال الأحفاد والأجداد لتعيد إخراج مقالاتها بصياغات متكيفة مع طابع كل عصر ومع متطلبات أزمنة المستقبل.    

دعنا عزيزي القارئ نتخيل أن البصرة متكونة من أحياء مشيدة على أساس نسيج العصبية القبلية وليس على أساس معتنق كلامي. فلم يكن بالبصرة حي خاص بالجبرية، المرجئة، الخوارج والشيعة بل علمنا أن الأحياء مقسمة بناء على القبائل. مثل هذا التخيل يسمح لنا أن نتصور أن بين أبناء القبيلة الواحدة تفشى أكثر من معتقد كلامي. أيضا دعنا نتخيل تلك المواقع، أسواق، حوانيت، حمامات التي مارس منها البصراويون صناعاتهم، تجاراتهم، خدماتهم دون التنازل عن كلامياتهم. أيضا دعنا نتخيل المشي اليومي للمتسوقين من خصوصية أحيائهم إلى عمومية مواقع الأسواق والحوانيت. نسق التسوق اليومي يعني تبادل معلومات عن توفر البضاعة وأسعارها ولكنه أيضا نسق يشتمل على التداخل المرئي، السمعي، التحاوري المباشر بين أتباع الفرق. أسواق تهيء البصراوي للتعرف على أشياء كثرة وبالطبع مواقف المشتري والبائع الكلامية من أوليات أمور تلك التعارفات.  

الأمة البصرة:

الآن دعونا نتأمل زمن واصل بن عطاء المقيم بالبصرة فبقليل من التخيل سنرى البصرة مدينة تمصرت في زمن الفاروق، وعرقياً تكونت من أخلاط من قبائل عربية مهاجرة، جغرافياً متاخمة لبلاد فارس، تجارياً منفتحة على منافذ متعددة فمن خلال اتصالها البحري تنفتح على الأمم  كما أنها منفتحة على أهل العراق نهرا وعلى العمق العربي برا، منهجياً ذات ميل عقلي، تعليمياً مركز دراسي يستقطب مفكرين وطلبة من أرجاء المعمورة،  سياسياً لا يوجد فيها غالبية حزبية مرجحة، فكل الفرق لها وجود وموضع قدم، فهذه المدينة لا تبدو أنها قادرة على توفير قاعدة عريضة تكفي لسيطرة أي من الفرق المتنافسة من الجبرية / المرجئة / الخوارج / الشيعة. فكأنما ما يشبه الأمة تمثلت من خلال كثرة خليط قبائلها، وتنوع شعوبها وتعدد أحزابها ومذاهبها الكلامية كل ذلك داخل نسيج المجتمع البصراوي. نسيج لا يعرف الأستاتيكيية بل دائماً في حيوية وديناميكية وتفاعل بحكم مكوناته الداخلية واتصالاته وانفتاحياته الخارجية.

د. محمد الزّكري

أنثروبولوجي عربي يقيم في ألمانيا

د. محمد الزكري